《يمكنك أن تفعل كل شيء بالحِرَاب إلا أن تجلس عليها》
~ أوتو فون بسمارك، (Conversation with generals, 1870s)
سِجِلٌّ متَّصلٌ للخواطر والشذرات — من الأحدث إلى الأقدم. تصفَّحْ كصفحات، أو انتقلْ عبر الجدول الزمني، أو ابحثْ في كل شيء عبر ⌘K.
أكتوبر 2025 12 منشور
《يمكنك أن تفعل كل شيء بالحِرَاب إلا أن تجلس عليها》
~ أوتو فون بسمارك، (Conversation with generals, 1870s)
بعض الشباب هنا متحمس فيهاجمني لأنني كثيرُ السخرية. فهو يدخل الفيسبوك ويظن أنه في متحف اللوفر أو مكتبة بغداد. عزيزي، إذا عاملتَ الفيسبوك على أنه معبَد (تريد من الجميع أن يتحلوا بأخلاق المسيحية فيه) أو أنه صحيفة علمية (لا تريد إلا أن ترى منشورات مفيدة ومعرفيّة) أو أنه كافيه للمثقفين حيث يجب أن يحترم الجميعُ الجميعَ؛ فالمشكلة ليست في حسابي بل في رأسك الذي جرى استبدال المخ فيه بحفنة من الإسمنت، أولا: تستطيع إلغاء المتابعة بدلَ الترصُّد لكل منشور تريد أن تعارضني فيه فقط لأنك تترصدني ومستفَز مني، وثانيا تستطيع حذف الفيسبوك واستعمال Sci–Hub أو Library Genesis، أو تذهب إلى الصين حيث ستجد الرخاء والراحة مع رهبان الشاولين، نحن نتمسخر كما شئنا وأنّى شئنا وهذا المكان الذي أنت فيه ليس سوى فضاء وهمي فلا تتغابى.
《فليسمح لي بأن أقول بصورة عابرة (en passant)، بأنني على قناعة لا تحور بأن لون البشرة الأبيض ليس لون البشرة الطبيعي في الإنسان، ولكن كان عليه أن يكون ذا بشرة سوداء أو سمراء على مثال أسلافه الأوائل من الهنود؛ فلا رجل أبيض قد خرج في الأصل من رحم الطبيعة، ومن ثم فلا وجود لأي عرق أبيض⁽²⁾، حتى إن تكرر قول ذلك، بل إن كل رجل أبيض هو رجل قد صار أبيض (غير ملون). فلما نزح نحو الشمال الغريب عنه، وحيث كان عليه أن يعيش مثل النباتات الغريبة الدخيلة، لأنه وإياها كانا في أمس الحاجة إلى الدفء، في فصل الشتاء البارد؛ لذا غدا الإنسان، على مر الزمن والقرون، أبيض السحنة. فالغجريون، وهم عرق هندي هاجر منذ حوالي أربعة قرون فحسب، دليل حي وشاهد على مرور لون البشرة من الهنود إلى الأوروبيين.》
~ آرتور شوبنهاور، ميتافيزقا الحب، ص65
قلتُ، من الوافر:
أَرَى الدُّنْيَا سَرَابًا لَيْسَ يَبْقَى وَكُلُّ نَعِيمِهَا ظِلٌّ زَوَالُ
نَعِيشُ عَلَى الأَمَانِي وَهْيَ زَيْفٌ وَمَا فِي العَيْشِ إِلَّا البُؤْسُ حَالُ
نُكَابِدُ فِي الحَيَاةِ وَلَيْسَ يُجْدِي كِفَاحٌ أَوْ رَجَاءٌ أَوْ سُؤَالُ
جان فالجو (جان فالجان)...يختزل ظلام الإنسانية وظلمة كل ما هو اجتماعي.
كفى تخليدا لفيكتور هيغو أنه عبَّر عن مدى تعقيد البؤس الاجتماعي في رائعته البؤساء.
"في الصين، كان هناك رجل يُحب صور التنانين، فكانت ملابسه وأثاثه مُصمّمة وفقًا لذلك. لفت انتباه إله التنين عشقه الشديد للتنانين، وفي أحد الأيام ظهر تنين حقيقي أمام نافذته، يُقال إنه مات من الخوف."
~ هاغاكور: كتاب السامواري، النسخة الإنجليزية
حينما يقصّ الساموراي –مثل ياماموتو تسونيتوم– قصةً وإنْ كانت مضحكة فإنها تقرُّ حقائق عظيمة! فتأمَّلْ.
ما أشدَّ ضحالة عالَم جُلُّ مَن فيه يتصرفون على امتداد حيواتهم وطول عمرهم وكأنهم في مدرسة طلابيَّة: يحفظون هذا، ويقرأون ذاك، ويحاكمون ذا استنادا لذاك، وعندهم 《مبادئ》يتحركون وفقها بل ويفخرون بذلك! إنني لستُ أفهم البتة من أيِّ رمادٍ ليس بطينٍ جُبِلَ هؤلاء، فلكأنَّ مشهدَ البشرية بأسره يُختَزَل بهم في حيوات متفحّمة يُعاد نفث رمادها في نُسَخ متكررة تحسِب أنها مميزة وفريدة!
《لكل منَّا بصمته》دعايةٌ برّاقة إلا أنها مزيَّفة واهمة، أفإذا قطَّعتُ شجرةً وجعلتُ أصنع منها أشكالا خشبية مختلفة أفتراني ميَّزت شيئا مما نتج عن الآخر؟ ففي الوسع صُنع وجه عبوس من تلك الأخشاب كما صناعةُ وجهٍ باسم، كذا ستظن كل خشبة مهترئة أنها أفضل من أخواتها، وهو ذا تماما حالُ الناس في كل عصر، يحسب أحدهم أنه يغيِّر من جوهره الساذج ب"ابتسامة" يبقيها ليلَ نهار على وجهه كالبليد، وآخَرُهم يظن التجهُّم والعصبية المفتعَلة سرًّا من أسرار تعاليه على 《القطيع》. وليس الجوهر إلا بواحد، أعداد مهولة تُولَد لتقضي زمنا مُقَدَّرًا مكتوبٌ عليها بعده أن تموت.
ويلي! كيف تسللت هذه القناعات الواهمة إلى بني البشر؟ وتغلغلت في نفوسهم فلم تعد تفارقها؟ أمَا وجد الناس كذبةً أكثر اتساقا يسايرون بها أنفسهم؟ لم تقدر ثورة أرخميدس ولا تفاضل وتكامل نيوتن ولايبنتز، ولا الثورة الصناعية، ولن يقدر الذكاء الاصطناعي أو علم الحاسوب النظري على إحداث فرق في هذا المرتكز الاجتماعي غير القابل للخرق، دماغ الإنسان هي هي، وطبعه هو هو، اصنعوا ما شئتم وابتدعوا أيّما رُمتُم، فالمصنوع لن يغيّر في جوهر الصانع، ولا داعيَ دعا أو سيدعو لأن يكون إنسان عام 2100 أفضل من إنسان عام 1200.
يتبع بعد النوم (لعلي أدخل الساعة الأربعين من غير نوم)
الأشاعرة يحبون حبس أنفسهم في قفص من المنطق الأرسطي والقديم فأعلى ما تصله إمكاناتهم هو الامتدادات الإسلامية بتعليقاتها وشروحاتها وحواشيها وبواقيها على المتون الأرسطية وما لحقها من تعقيبات. فلا يُلقِ أحدهم بالًا لأيِّ تعلُّقٍ من متعلقات المنطق الحديث وإذن فهم تماما كمن يظن أن ذروة تطور الطب هي حقبة ابن سينا.
ولذا فإنهم يُكثرون من إساءة فهم ما خطَّه ابن تيمية في الأبواب المنطقية، فالمنطق ليس أرسطيًّا/أو رياضيًّا بل هو جسم كامل يختزل تاريخَ آلاف السنين، ومن أصرَّ على الانكباب على جانب واحد من هذا الجسم ونبذ بقية الجوانب فإنه ليس بمُحرزٍ تقدمًا اليوم في 2025؛ لماذا؟ ببساطة لأن عجلة المنطق لم تقف عند أرسطو أو التفتازاني.
وكما أن ابن تيمية —غالبا– لم يكن مدركا وهو يكتب الرد أنَّه يرمي بظلالٍ طويلة على أنظمة ستتولد بعد عصره بمئات السنين وأن إضاءاته ستُفهَم في سياقات أوسع مما عَنَاه هو في أوّل المقام ومرتَكَز الأساس، فكيف بعموم السلفية نطلب منهم أن يستوعبوا تحفته تلك فضلا عن أن يفهموا لوازمها واستتباعاتها التي غابت ولا شك عن ذهن ابن تيمية نفسه؟
ولذا فإنه ليس بمستغَربٍ عند مَن أبدعوا في الصنعة المنطقية الحديثة مِن العرب والمسلمين أنهم ليسوا بمهتمين بسلفيةٍ ولا أشعرية ولا تغريهم أطروحات ابن تيمية في شيء، فالفريقان فشلهم ذريع في هذه الصنعة، الأشاعرة يدَّعون امتلاكها واتقانها وعلو كعبهم بها على غيرهم، ويظن السلفية أنهم أصحاب أفهام إذا ما نبذوها من الأساس فعجبًا لحالنا
《الإنسان —وكذلك كل كائن حي— لا يحب ولا يمكنه أن يحب أي شيء سوى سعادته؛ وبالتالي لا يكره ولا يمكنه أن يكره أي شيء سوى تعاسته.》
~ ليوباردي
Zibaldone, Entry 1982, October 25, 1821 (FSG edition, p. 823)
عند الفيزيائيين: الكشوفات الفيزيائية تتمثل في خلق معادلات جديدة أو كشف خفايا في المعمل.
عند الرياضيين: الكشوفات تمثَّلت في خلق الحاسوب.
عند كسالى العرب من مدَّعِي السياسة والمتكلمين في السياسة بغير فقه: الكشوفات هي "فضح ازدواجية الغرب".
وكأن ازدواجية الغرب أو ازدواجية الإنسان عموما سرٌّ غامض أخفته الماسونية عن البشر! تأبى التياسة إلا أن تكون لهؤلاء.
من شديدِ الأشياء إضحاكا فيما يتعلق بالجامعات هو كمية الذكور قليلي الفحولة الذين يتجولون في أزقتها بحثا عن أنثى محتملة. والقاعدة عندهم: موسم التزاوج شغّال طالما لم يأتِ التخرُّج بعد.
مُستَغرَبٌ ممن يُقرُّون قاعدةً مفادُها أن الناس لا يهتمون سوى بالنتائج ولا يلتفتون إلا للناجح، مستغرب منهم أن يطاردوا بعد ذلك رضى أولاء الناس أنفسهم! بل ويتخذون من تلك القاعدة تحفيزا ل"إثبات" شيء ما أمام أعين الجميع، أفإذا كان الناس لا يهتمون بك إذا سقطت ووقعت أو تعثرت، فما معنى أن تطارد اهتمامهم وقتَ نجاحك؟ بل ما معنى نجاحك حينها؟ إذن فعلى التوجيهات أن تكون بادئ ذي بدء ذاتية، وأن تكون الدوافع مرتكزة على دواخل الشخص وبواطنه لا على أحاسيس غيره ونظراتهم إليه.
أذكياء كُثُر يجدون صعوبة في مطاردة ما تمليه عليه أنفسهم، فكيف بالغبي الذي يطارد لقاءَ رضى الناس وتصفيقهم؟
الذي كان يسخر من ويكيبيديا —وقت تألُّقها— بوصفها مصدرا للمعلومات، لا يعرف اليوم مصدرًا خارجَ الذكاء الاصطناعي. وويكيبيديا كانت مصدرا حقًّا ولا زالت أوثق من الردود العادية للذكاء الاصطناعي (بعيدا عن تفعيل ميزات مثل Research داخل جلسة الدردشة).
فقد اعتاد الناس في تلك الأحايين على السخرية ممن يستشهد بويكيبيديا ويدَّعم بها كلامه، من غير أن يعرفوا الآلية التي تشتغل بها المنصة والنظام الذي يحكم الكتابة فيها، لكنهم اليوم لا يجدون أي مشكلة في الاستشهاد بالذكاء الاصطناعي بل واستخدامه في كل أعمالهم، بدءا مما هو مفيد حقا وصولا إلى السرقات الحرفية.
الشاهد؛ أن البشر عموما يبحثون عن حفل يرقصون فيه، فكما وصفهم شوبنهاور في مشهد يصفّقون إثره حاضرينَ عملًا من أعمال النبوغ، أنهم كالقرود المدربة يؤدون عملهم في عرْضٍ ما. ولذا، فإن وسائل التواصل الاجتماعي التي يستخدمها أغلب سكان الأرض، ليست على التحقيق سوى مكبّ نفايات كبير. والمستعجَب –حقا– أن تجد مَن يُحسَبون عليَّةً من القوم يقضون أوقاتهم ينكافون في فيسبوك ويشغِّبون على إنستاغرام.
حريٌّ بمن في رأسه عقل أن يقلِّل إذن من احتكاكه مع العالَم من حوله قدر المستطاع، وألا يتابع الأخبار كما يتابع ماءَه وأكله ونومَه، فالنظر في الذات، ثم التحصيل الأدواتيّ للعلوم الرفيعة، ليس الوقتُ بقادرٍ على تعويضه إذا ما فاتَ أوانه ولا القدرات العقلية بمستمرٍّ رونَقُها للأبد، فالذي يستطيعه الجميع –أيْ الرقص في أيّ حفلة وكل مناسبة– لا يليق بالمحسوبين عليَّةً للقوم أو مَن يحسبون أنفسهم نخبةً.
يزداد اقتناعي مؤخرا بأن دكاتير الجامعات لا يفرقون كثيرا عن الطلبة من حيث هم محكمون بنظام أبله يرغم أشدَّهم ذكاءً على أن يغدو بهلوانا في سيرك يصفق فيه الجميع للجميع.
الفارق في الشواكل فقط: الطالب يتوهم أنه محكوم بمن يفوقه علما وقدرا من المعرفة فيما الأخيرُ ليس في مكانة علمية 《شاهقة》عن طالبه، ولا هو بفائقه كلَّ ذلك المقدار المفترَض.
كما أن المحاضِر يظن أن مَن تحته يخضعون له ويرونه قدوة محتمَلة أو على الأقل يستفيدون —بحق— من علمه المزعوم، فيما هو ليس ذا تأثير يُذكَر على مشاوير الطلبة العلمية إذ تحكمها مُعطَيات ذات بأس أقوى على التأثير.
لعلَّ الحالة التي تستحق دراسةً أوسع وتمثِّل مشهدًا سينيمائيا أعقَد: رئيس الجامعة ومدراء الأقسام بالأخص الإدارية، فهؤلاء أوهمتهم مناصبهم الهشَّة أنهم في سلطة وسطوة تسوق الطلبة كقطيعٍ ممن مطلوبٌ منهم الطاعة وإظهار الاحترام، شيءٌ —هكذا— مثل النظام المدرسي في العصر القروسطي، إذ يرتهن تفوّق الطلبة بما يظهر عليهم من إقرار لتراتبية الهَرم الإداري. إلا أن الواقع يعكس حقيقةً أشد نصاعة، أيًّا تكون المسميات الإدارية والأدوار المنوطة بهؤلاء فإنهم ليسوا سوى أحجارا في رقعة أكبر قد تمثَّل مؤسسةً ضمن وزارة تتبع لدولة تحكمها تعقيدات أكبر، وهذي بدورها جزء من نظام أكبر.
ولذا فإن الطالب الذي سيوشك على إلقاء التحية أمام كل دكتور ويوقره على شاكلة مصطنَعة مفتَعَلة أكثر مما يحتملها مقامه الطبيعي، وينبري لإسباغ الهيبة على الإداريين في جامعته، ولذا فإن تصرفاته تلك ليست إلا نابعةً من استيعاب غير كامل ومفتقِرٍ لِمَا يمثّله دور المؤسسة الحقيقي الذي هو جزءٌ منه.
الجميل في الطفولة أن عائشها لا يعي بتاتا ولا يتصور مطلقا أنواع العذابات وأصناف الجحيم التي تنتظره عندما يكبر. حتى الذين يكبرون لا يدرون أن مصائبهم الحالية هي شيء يسير مما قد يصادفهم مستقبلا، الحياة غارقة في انعدام الأمان والراحة، بل هذه هي المعادلة الأساسية فيها: لستَ بمأمن من أي شيء، فالطبيعي ان تكون في مهب النيران وتلقيك الرياح. لا تحسب عكس هذا تعِشْ عيشة أفضل، ففهم ما أنت فيه جزء من مجابهته والصمود أمامه.
صحيح أنني مِن رجالات الحوسبة والرياضيات، ولي في الفلسفة والشرعيات صولات، ولكن متعتي في قراءة الأدب البوليسي لا يفوقها شيء. فالذي أبدعه الفرنسي موريس لبلا في روايات أرسين لوبين شيءٌ يفوق قدرتي على التعبير والوصف، كما فعل العبقري نبيل فاروق في روايات رجل المستحيل أدهم صبري. كلما ضاق بي مزاجي ركنت إلى إعادة قراءة هذه الروايات التي أعيد قراءتها منذ أكثر من 8 سنوات باستمرار.