ما أشدَّ ضحالة عالَم جُلُّ مَن فيه يتصرفون على امتداد حيواتهم وطول عمرهم وكأنهم في مدرسة طلابيَّة: يحفظون هذا، ويقرأون ذاك، ويحاكمون ذا استنادا لذاك، وعندهم 《مبادئ》يتحركون وفقها بل ويفخرون بذلك! إنني لستُ أفهم البتة من أيِّ رمادٍ ليس بطينٍ جُبِلَ هؤلاء، فلكأنَّ مشهدَ البشرية بأسره يُختَزَل بهم في حيوات متفحّمة يُعاد نفث رمادها في نُسَخ متكررة تحسِب أنها مميزة وفريدة!
《لكل منَّا بصمته》دعايةٌ برّاقة إلا أنها مزيَّفة واهمة، أفإذا قطَّعتُ شجرةً وجعلتُ أصنع منها أشكالا خشبية مختلفة أفتراني ميَّزت شيئا مما نتج عن الآخر؟ ففي الوسع صُنع وجه عبوس من تلك الأخشاب كما صناعةُ وجهٍ باسم، كذا ستظن كل خشبة مهترئة أنها أفضل من أخواتها، وهو ذا تماما حالُ الناس في كل عصر، يحسب أحدهم أنه يغيِّر من جوهره الساذج ب"ابتسامة" يبقيها ليلَ نهار على وجهه كالبليد، وآخَرُهم يظن التجهُّم والعصبية المفتعَلة سرًّا من أسرار تعاليه على 《القطيع》. وليس الجوهر إلا بواحد، أعداد مهولة تُولَد لتقضي زمنا مُقَدَّرًا مكتوبٌ عليها بعده أن تموت.
ويلي! كيف تسللت هذه القناعات الواهمة إلى بني البشر؟ وتغلغلت في نفوسهم فلم تعد تفارقها؟ أمَا وجد الناس كذبةً أكثر اتساقا يسايرون بها أنفسهم؟ لم تقدر ثورة أرخميدس ولا تفاضل وتكامل نيوتن ولايبنتز، ولا الثورة الصناعية، ولن يقدر الذكاء الاصطناعي أو علم الحاسوب النظري على إحداث فرق في هذا المرتكز الاجتماعي غير القابل للخرق، دماغ الإنسان هي هي، وطبعه هو هو، اصنعوا ما شئتم وابتدعوا أيّما رُمتُم، فالمصنوع لن يغيّر في جوهر الصانع، ولا داعيَ دعا أو سيدعو لأن يكون إنسان عام 2100 أفضل من إنسان عام 1200.
يتبع بعد النوم (لعلي أدخل الساعة الأربعين من غير نوم)