السِّجِلّ

سِجِلٌّ متَّصلٌ للخواطر والشذرات — من الأحدث إلى الأقدم. تصفَّحْ كصفحات، أو انتقلْ عبر الجدول الزمني، أو ابحثْ في كل شيء عبر ⌘K.

مايو 2025 32 منشورًا

صفحة 11 من 59

إن رأيتم الرجل وقد انبرى في مقطعٍ مُصوَّر يحدِّث الناس عن نفسه: أنا أشتغل في كذا وهوايتي كذا وأقدِّم إليكم نفسي على أني كذا.
فاعلموا أنه رخيص العقل مُزجَى الرُّوح، وإنَّ الإنسان لَيستحي أنْ يُسوِّقِ بِنطالا قديما عنده فكيف يجرؤ على تسليع نفسه! أيتاجر مخانيث هذا العصر بشخصياتهم ومظاهرهم؟ أهكذا يسترِزق الرجال؟إن المرء كرامةٌ وكبرياء ولا تُقَايَضُ هذي الخِصال بأثمن كنوز الأرض ولا يستبدلها عزيز النفس بكل عروش الدنيا.
أتُراني أكتب كل هذا سليطَ اللسان وتنطلق الخواطر والحِكَمُ مني تَطايرُ اللهب من النيران، أتراني أستجدي شيئا من وراء ذلك؟ إن غيري ممن لا يحسنون حكَّ القلم أو شحذ الأوراق قد صدَّعوا الرؤوس بأنهم كَتَبة محترفون ومتميزون، ولكنَّ بضاعةً حقيقية لا وجود لها عندهم، بل هم في حلقة مفرغة من تسويق الذات وتسليع النفس.
وكفى
الجنود الإسرائيليون على الحواجز العسكرية في الضفة الغربية جبناء ورعناء إلى حدِّ أنهم يرتجفون طيلة دوامهم على الحاجز، ولو رمقهم طفل صغير بنظرة مريبة لما توانوا عن فتح النار عليه من فرط خوفهم وضعف قلوبهم ولتقريب المشهد: تصوّر عددا من الجنود لا يزيدون عن عشرة أفراد في منطقة مقطوعة جيوسياسيا –بصرف النظر عن سرعة وصول الدعم والإسناد– تصوَّرهم في ثكنة يمر عبرها عشرات ألوف الفلسطينيين يوميا؟ صحيحٌ أنهم يوقفون من يشاؤون وينكلون بالناس العُزَّل لكن تعقيد المشهد لا يمكن إلا أن يجعل قلوبهم ضعيفة مرتعدة...
إذا وجدتَ حمارا ذا ذَنَب طويل، جحشًا يُكثِرُ النهيق، يأكلُ الجزر، مطيعا لا يشكو كثيرا، فاعلم أنه حمارٌ في عصر قلَّت فيه الحمير…
لا يمكن أن تركبه مرتين إلا ويرفسك عند الثالثة! 🤍
(قصصت الصورة الاستعراضية)
أنا لا أخجل من أن أقول لكل من يزعم أن الذكاء الاصطناعي صار «مخيفا مرعبا…إلخ» أنه حمار. ولا أستحي أن أقول لمنعدمي الذكاء ممن يدّعون المشيخة والعلم ويتصنعون الثقافة أنهم ثيران الله في برسيمه.
إن كنتَ تبحث عن الأدب المصطنع والمجاملات الفارغة والتربيت على الكتف فلن تجدها عندي فلا تطرق بابي أو تتطفل على شُبَّاكي، ولن يعلِّمني ابنُ امرأةٍ ماذا أقول أو كيف أفعل، ولم أطلب دروسا من أحد. فلا يسوقن عليّ بعض التوافه أساليبهم الرخيصة المزجاة
خُلقي أضيَقْ من المسافة بين أسنان الفم الواحد، وإني لأجد صعوبةً في تحمُّل نفسي، والجهد الذي أبذله مبتسمًا في وجه مخلوق أُفضِّل أن يسير في مسار آخر، ولو نطحني ثور فأرسلني عاليا ثم طرحني أرضا لكان أهون عندي من مطاوعة الناس وأخذهم بالدّعة. ولو كان لي سيفٌ أجُزُّ به لكانت دماء خلائق كثيرة في رقبتي، وإنّي لأبتعد عن الشرّ ولكنُّه يُغنّي لي فاللهم صبرا.
أرجو من قارئي رد ابن تيمية على المنطقيين أن يسكتوا ولا يصدعوا رؤوسنا باجترارات وابتذالات لا قيمة ولا معنى لها. وإني قد اطّلعت على جل الأعمال الحديثة التي تعقَّبت الرد وعلّقت عليه، وليس فيها شيء يستحق منا سوى أن ننتقص منها ونسخر من رداءتها، وأفضل تعقيب هو ما دبَّجه وائل حلّاق؛ وبالرغم من محاسنه لا يعجبني لأنه لم يَغُصْ نحو عمق القضية التيمية المنطقية.

إنني أزعمُ غير مرتجع أن هذا العمل العملاق قادرٌ على إبراز تحفة مطموسة وكنوز مغموسة تُظهِر واحدةً من أهم جوانب عبقرية الرجل.

رد ابن تيمية على المنطقيين هو إنجيل المسلمين المنطقي في هذا العصر، ولكن يا ليت قومي يعلمون.
انتصارا لأيدسكر دايكسترا وروجر بنروز اشتغلت على تدبيج هذا الكتاب طاحنا الأدعياء من رجالات الفلسفة والحوسبة على حدٍّ سواء.
وسيرى النور قريبا

البارحة أنشأت واتس جديد، ولكي أضيف رقمي القديم اتصلت بنفسي من الهاتف الآخر، للحظة نسيت أنني المتصل، فلما رأيت الاتصال انزعجت أيّما انزعاج، هذا وأنا المتصل وبنفسي، فلستُ أفهم كيف يتصل الناس ببعضهم كل هذه المكالمات…الأمر مرهق للذهن
«لقد كان ابن تيمية عاصِفةً ضربت أركان الفلسفة الإغريقيّة»

~ Ziai, Recent trends in Arabic and Persian philosophy, The Cambridge Companion to Arabic Philosophy, 2005.
قد يشعر مَن حولك أنك مميز أو ذو أهمية بفكرةٍ نيِّرة تطرحها أو سجال تسحق فيه الخصوم بصرف النظر عن أهمية السعي وراء ذلك، لكنَّ بعض البغال مِن البشر ليس عندهم شيء يظهرونه أو يظهر عليهم؛ فكيف يبدأ معك؟

《نحن المنتمون إلى برج العقرب معروفون بأننا عنيدون ونحب التحديات ولذلك نعيش في غربة عمن حولنا》

الآن هذا الذي يقول مثل هذا الكلام ماذا تفعل معه؟ تضربه بالنعال؟ تقول له أنت من الدواب لستَ ببشر؟ هل يستطيع إنسان في رأسه عقل أن يحتمل أصحاب هذه الدعاوى؟
كَتَبَة المقالات الإسرائيليون ومحررو الصحف وناشرو الجرائد منهم هم أكذب خلق الله وأشدهم مبالغةً وتهويلًا لكل شيء؛ لو قرصت بعوضة مستوطنا لقالوا: 《لقد أصبح بعوض العالَم خطرا محدقا والحكومة تفشل في القضاء عليه》.
كان فيثاغورس يرفض أن يسير عبر حقول الفاصولياء معتقدا أن الأرواح تتجسد في صورتها، وفي حادثة حلَّت به هرب من أعداء له فصادف حقل فاصولياء فإذا به يتوقف فَزِعًا رافضا العبور، وقُتِلَ إثر ذلك.
طريفٌ ومثيرٌ للسخرية أنَّ جُلَّ الذين يهزؤون بالمرء وقت تضعضعه لا يعودون للظهور وقتما أحرز نجاحا أو أنجز تقدُّما، فالناس جاهزون مترصدون لِمَا يوافق أهوائهم وبجد صدًى في نفوسهم، فلا تهمهم الحقيقة ولا أفلاطون، ولا تهمهم المصاديق من التُّرَّهات. ومن هنا فإن آراء الغير فينا لا يصح أن تؤثر أصغر التأثير علينا، فالاكتراث لما سيقوله الناس معناه أخذهم على محمل الجد، وافتراض أنهم ينشدون مصلحتك، في حين أن الأهواء في غالب الأحايين هي من تحكم، وأما الحياة الاجتماعية فلا منطقَ يحكمها سوى المنطق الضبابي، هاهنا لا وجود للبياض والسواد، بل لأطياف عديدة وسيعة من الجنون والحمق والسفاهة، ثم تصوَّرْ سيدي العزيز أن هؤلاء أنفسهم يعيشون حيواتهم محاولين إرضاء بعضهم البعض...

ما رأيتُ أسمج من الأطباء وطلبة الطب في بلادنا، يختارون دراسة الطب لدوافع مالية واجتماعية فإذا بهم إذ ذاك يتصرفون وكأنهم منقذو البشرية من هلاك محتَّم.
لا تستخفنّ بقِصَر الكتاب ولا يغرنّك طوله، فذا الذي أمامك من 90 صفحة أصلٌ من أهم الأصول المنطقية في آخر 500 سنة.

كتاب جورج بول 《التحليل الرياضي للمنطق》 أرسى الركائز التي أطلقت ثورة المنطق الرمزي وعلم الحاسوب، وعيبٌ ألا يقرأه أساتذة المنطق وطلابه...وأقول للشباب أن دراسة هذا أهم من السلم المنورق والشمسية؛ حسنا؟
الإعجاز العلمي عند الهندوس

في الريج فيدا، وهو من أقدم النصوص الهندوسية المقدسة (حوالي 1500-1200 قبل الميلاد)، في الكتاب العاشر، تحديدا الترنيمة 129 المسمية "نشيد الخلق – ناساديا سوكتا"، ورد الآتي:

《لم يكن هنالك عدم ولا وجود إذ ذاك. ما كانت هنالك سماء ولا فضاء...لم يكن هنالك موت أو خلود...كان الظلام مخفيا...أما الشيء الذي صار، والذي كان مغلَّفًا بالفراغ، هو ذا الذي نشأ بقوة الحرارة.》¹

أليس هذا إعجازا علميا عند أولاء المعتقدين بإعجاز القرآن العلمي؟ أليس هذا وصفا لل《انفجار العظيم》؟

الموضوع هيَّن، وسهل سهولة قصوى؛ الإعجاز البلاغي = تُعجِز الخلائق عن الإتيان بمثله.
حسنا والإعجاز العلمي؟ أين الإعجاز بالضبط؟ تعجز ماذا؟ ومن؟ بل أين التحدي بالضبط؟ القضية أن الموضوع كالصرعة والموضة ليس إلا، ولا يصدر إلا عن مساكين.

1. تاريخ الأدب الهندي: ريج فيدا، المجلد الأول، ص238—240. ترجمة ونترنيتز (الكتاب بالإنجليزية)
تصوَّر أنك في حاجة أن تقرأ كتابا معينا من أوله لآخره لتحكمَ عليه وعلى كاتبه بالضحالة. وكأني بهؤلاء أصحابِ ذلك المطلَب البائس يُهَيَئ لهم أن كل القرَّاء على شاكلتهم، فلا بد أن ينتهوا من كامل الكتاب للحكم عليه، ولكنَّ غباءً مدقعا يتمظهر هاهنا، الكتاب في جوهره عنصران: أسلوبٌ ومضمون، الأسلوب هو الذي يكشف هوية الكاتب ومدى متانة فحاويه، والمضمون ممتدٌ على الصفحات الطوال، فما حاجتي بإنهاء المضمون كلِّه إذا كنتُ قد عرفت أن الأسلوب معطوب ومضروب؟ فعلى العكس من الشائع، الأسلوب لا المضمون هو البوابة الرئيسة إلى فكر الكاتب ونسق أفكاره واتساق أطروحاته، وأيُّ قارئ متمرس في وسعه اكتشاف تقاطيع ذهن الكاتب –على حد وصف شوبنهاور– من الصفحات الخمس الأولى، وإلا فكيف يقرر المرء أن ينهي هذا ويرمي ذاك أو يندم على شراءه؟

إن هذه الدعابة التي يتقافز بها القردة من أدعياء الثقافة لَهِيَ المبرر الأول للسطو على جيوب القرَّاء وأوقاتهم.
صاحب التخصص الدقيق يعرف كيف يبحث، وأين يبحث، أما وجود غوغل ومحركات البحث أو الذكاء الاصطناعي وتوفُّر الوصول السريع للمعلومات، لا يعني البتة أن الناس متخصصين وغير متخصصين أصبحوا سواسية لأنهم يعرفون نفس الكم من المعلومات أو يقدرون على الوصول إليها على ذات الشاكلة. أنا منطقيّ رياضي ومشتغل بالتحسيب النظري، آتني بامرئ وفليبحث 365 يوما كاملاتٍ مستخدما الغباء الاصطناعي وغيره، لن يصل إلى عُشْرِ ما أستطيع تحصيله في 365 ساعة من الدراسة الممنهجة، هي ذي المسألة باختصار.
أسرع وسيلة للموت...الموت من الضحك. هي ذي العيِّنات التي تخرج من جامعاتنا. وقد سبق لصاحب هذا الكلام القول بأن الغزالي هو المكتشف الحقيقي للنسبية وليس آينشتاين...الضحك حتى الموت مسموح هنا
《لا تجب الاستهانة بالقوة العسكرية المحتمَلة للعالَم الإسلامي، فقد برهن التاريخ باستمرار على أن المسلمين إذا ما جرى توحيدهم تحت قيادة مقتدرة، فإنهم يصنعون قوات عسكرية هائلة يصعُب إيقافها》

~ هيلموت فون مولتكه، رئيس أركان الجيش الألماني بين 1906 – 1914. مِن تحليلاته الاستراتيجية قُبِيل الحرب العالمية الأولى.
كنت منقطعا عن القراءة أواخر السنة المنصرمة، إذ مكثتُ في آخر ثلاثة شهور منها أفكِّر وأتأمل من غير الإمساك بكتاب واحد، ولكن قد عاودتني القريحة بدايةَ هذي السنة فوجدتُ أني قرأت ما يقرُب من 6000 صفحة موزَّعة على المنطق والفلسفة وعلم التحسيب، واقعةً في أقل من عشرين كتابا فقط:

1. Renewing Philosophy, Henry Putnam, Harvard University Press. [250 صفحة]
2. John Venn: A Life in Logic, Lukas M. Verburgt, The University of Chicago Press. [436 صفحة]
3. تاريخ علم المنطق، ألكسندر ماكوفلسكي، ترجمة إبراهيم فتحي، دار الفارابي. [500 صفحة]
4. Theory of Information and its Value, Ruslan L. Stratonvich. Springer. [431 صفحة]
5. Coding Theory: A First Course, San Ling and Chaopijg Xing. Cambridge University Press. [236 صفحة]
6. Complexity and Cryptography: An Introduction. John Talbot and Dominic Welsh. Cambridge University Press. [305 صفحات]
7. Logic for Mathematics and Computer Science, Stanley N. Burris. Prentice Hall. [452 صفحة]
8. اللاهوت السياسي، كارل شميت، المركز العربي الأبحاث ودراسة السياسات. [190 صفحة].
9. المقابسات، أبو حيان التوحيدي، تحقيق حسن السندوبي، مؤسسة خليف. [300 صفحة]
10. ثروة الأمم، آدم سميث، في مجلدين، ترجمة وليد شحادة، دار الفرقد. [1000 صفحة]
11. غزة – أريحا: سلام أمريكي، إدوارد سعيد. 1994. [152 صفحة]
12 . أوسلو 2: سلام بلا أرض. إدوارد سعيد. [111 صفحة]
13. فلسفتي كيف تطورت، برتراند رسل، المركز القومي للترجمة. [270 صفحة]
14. Avicenna and the Aristotlian Tradition, Dimitri Gutas. [650 صفحة].
15. العائلة المقدسة أو نقد النقد النقدي، كارل ماركس وفريدريش إنجلز، ترجمة حنا عبود. [280 صفحة]
16. التحليل النفسي للعُصاب الوسواسي، سيغموند فرويد، ترجمة جورج طرابيشي. [108 صفحات]
17. علم نفس الجماهير، سيغموند فرويد، ترجمة جورج طرابيشي. [72 صفحة].
18. الأسس المنطقية للاستقراء، محمد باقر الصدر، العارف للمطبوعات. [429 صفحة].
كما أنني لا أطيق حدائق الحيوان المسميَّة بالجامعات، فإن مناظر الطلبة الجامعيين عموما لا تروقني، وإني لَتُسْتَثَارُ شفقتي عليهم خصوصا حينما أراهم يصطنعون العلم والشخصية والتحضُّر. أحتقر كل هذه الضحالة، ولا أتحمل الزيف الذي تعج به تلك الأماكن ومَن فيها مِن المهرّجين