السِّجِلّ

سِجِلٌّ متَّصلٌ للخواطر والشذرات — من الأحدث إلى الأقدم. تصفَّحْ كصفحات، أو انتقلْ عبر الجدول الزمني، أو ابحثْ في كل شيء عبر ⌘K.

فبراير 2024 68 منشور

صفحة 51 من 59

فبراير 2024
"ما كانت لتكون لي أفكار علمية جيدة لو كنت أفكر بشكل طبيعي"

~ جون فوربس ناش
رَ، يمكنك أن تبني صخرا على زجاج، لكنه إما أن يخدعك منتصفَ البناء أو ينكسر بعد الانتهاء فلا تجني شيئا؛ ولذا فإن الدراسة الحقة لعلم الحوسبة يجب أن تبدأ من الرياضيات، لن تحتاج أن تكون رياضياتيا، ولكن يلزمك أساسات مدعِّمة تُطلِق لك قدرتك وتشحذ لك الطريق، وهذي الأساسات تتمثل في الرياضيات المتقطعة Discrete Mathematics بدءًا؛ وذلك لأن طبيعةَ الحوسبة متقطعةٌ، فالتعاطي يكون مع الأعداد Integers، والمِبيانات Graphs، والجمل المنطقية، فخذ مثالا أن تحليل الخوارزميات Analysis of Algorithms، أي فهمها وتصميمها، يعتمد جوهريا على مفاهيم من الرياضيات المتقطعة كالتوافقيات Combinatorics، ونظرية المبيان Graph Theory، وزِدْ على هذا أن نظرية التعقيد الحسابي Computational Complexity Theory، تستخدم الرياضيات المتقطعة بكثافة جدِّ عالية، ينسحب هذا على هياكل البيانات Data Structures إلى أن يصل علم التشفير Cryptography، إذ الأخير مربط الفرس فيه رياضياتٌ متقطعة، ولا تستغرب إذا قلت لك أن تصميم وتحليل لغات البرمجة التي تتخللها شجرات النحو Syntax Trees، والنحو المتصرف Formal Grammar يلزمك فيه التقطيع.

فإذن عليك بطَرْق الرياضيات المتقطعة، من الكتب التي أعرفها:
1. Concrete Mathematics: A Foundation for Computer Science. Knuth, Graham, Patashnik.
2. Discrete Mathematics and Its Applications. Rosen
3. Fundamentals of Discrete Math for Computer Science: A Problem-Solving Primer.

بعد إتمام تينك الأساسات، بالوسع الاتجاه رأسا إلى هياكل البيانات والخورازميات، فهذه مرحلة تأسيسة لاحقة كذلك، ومن أحسن الكتب كتاب Introduction to Algorithms لِRivest وثلة آخرين، ولكن إذا أزعجك عمقه (فهو يقع في 1300 صفحة رغم أنه مقدمة)، فحاول التدعيم مع مصادر مساعدة كمحاضرات مرئية أو مدونات شبكية، إذ أنه أعمق الكتب الموجودة في مجاله.

هذا وأرى أن تمكنك من المذكور سيرافقه قدرة على تقرير بقية المسار ورسمه، ولذا أكتفي هاهنا.
في هذه القاعة 80 طالبا؛ الكل منشغل بالتصفيق لحضرة البروفيسور، إلا أن صديقَنا الصدوق، صاحبَنا الحذوق، أحمد محاريق، الفيزيائيّ الألمعيّ، لم يصفق، ولا أخاله يصفق وإن أعطوه جائزة نوبل

لله درك يا أحمد! لم تصفِّق في فلسطين، وفي أوروبا لا تصفق!
00:20
"وهكذا يخرج إلى العالم، كل ثلاثين عاما، جنس جديد من الصغار الذي لا يعرفون شيئا عن أي شيء، ممن يطمحون في أن يعتبرهم الناس أكثر براعة من كل من سبقوهم، لمجرد أنهم ازدردوا بعض نتاج المعرفة الإنسانية التي تراكمت خلال آلاف السنين، على عجل، وهم لهذا الغرض يذهبون للجامعات..."

~ شوبنهاور، مقالة عن أهل العلم، ترجمة شفيق مقار
أستوعب -إلى حد ما- أي طالب مغفل يدافع عن النظام الجامعي ويتعامل معه على أنه البيئة التي نوَّرَته ووسَّعت أفقه، كذلك بوسعي تحمُّل الأساتيذ الذين لا علاقة لهم بالأستاذية مهما أبدوا من جهالات، لكنني لا أستوعب إطلاقا نوعية الطلبة التي ترى أنه من التكبر والغرور عدم حضور المحاضرات، ولست أحتمل أستاذًا يستشعر انتقاص قدره والتعدي على حقه إذا لم تُحضَر محاضراته.

فالمحاضر الذي حصصه عبارة عن شرائح بَوَر بوينت يجلبها من الانترنت ليقرأها على الطلبة، أيُّ فائدة تكون من الجلوس عنده؟ وعلامَ يزعل إذا تجاهل محاضراتِه طالبٌ معيَّن؟ فالذي لديه عشرون سنة من السجل التدريسي، ثم لا يستطيع كتابة شرائح بور بوينت لطلبته...شرائح بور بوينت فقط، لم نطلب كتابا أو ورقة بحثية، ذا من الظلم والجور أن يُجبَر الطلبة على حضور حصصه.
برعاية مسرح شكسبير للرياضيات الراقصة:

"من يؤمن بأن الأعداد ليس لها نهاية فمن غير المعقول أن يكون إيمانه بالله صحيحا، لأنه يؤمن بوجود كيانين لانهائيين، الله والأعداد وهو بذلك يقترف صفة من الشرك"
ما هذا النظام الجامعي البائس الذي يقضي فيه بعض الطلاب أربع سنوات من حيَوَاتهم يدرسون ويتدارسون ويحفظون ويسمِّعون ويتقدمون للامتحانات، ثم يدفعون 100$ لفريق من المرتزقة* يقوم بعمل مشروع التخرج عنهم؟ هل هذه هي المخرجات التعليمية التي تفاخر بها الجامعات ليلا نهارا؟ ما الفكرة من قضاء طالب أربع سنوات من حياته في الجامعة ثم لا يستطيع كتابة ورقة واحدة في العلم الذي درسه أو الاشتغال على مشروع يليق بما ضيَّعه من وقت؟

*هذا النوع من الارتزاق موجود علانيةً ورائج في الجامعات، إذ تنشر الفِرَق أرقامها وعناوينها ونوع مشاريع التخرج التي تقوم بها مقابل مبالغ مالية
"إذا كانت P = NP، فإن العالم بأسره سيغدو مكانا مختلفا عما هو عليه. لن تكون هنالك قيمة للقفزات الإبداعية، ولن تُوجد هُوَّة بين حل مشكلةٍ والتعرف على حلها وقتما وُجد. كل شخص يستطيع تقدير السيمفونيات سيكون موتسارت، كل شخص يستطيع اتباع الحجج خطوة بخطوة سيكون غاوس؛ كل شخص يستطيع التعرف على استراتيجية استثمار جيدة سيكون وارِن بافيت."

~ سكوت آرنسون، أسباب للإيمان؛ الحجة الفلسفية، 2006
"إذا كان ابن تيمية على حق، فإن كثيرًا من المفكرين الذين هاجمهم، لا يفهمون، أنهم بأنفسهم قاموا بتدمير إمكانية اتخاذ المواقف التي اتخذوها"

~ أوليفر ليمن، الفلسفة الإسلامية والهجوم على المنطق (ورقة بحثية)، ص21، Springer Link.
خاطرة قصيرة حول تداول العملات المشفرة، كما يظهر في الصورة، تداولت في سوق الكريبتو 11,559 مرة عام 2022، وعام 2023 انخفض زخم التداول إلى 6,405؛ أي إلى النصف تقريبا.

كنت أتداول باستخدام التحليل الفني Technical Analysis، ولكن اتضح لي بعد دراسة معمقة وخبرة في السوق أن التحليل الفني لوحده لا يمكن أن يؤتي ما أريده من ارتكاز، إلى أن استوعبت أن النمذجة الرياضية والطرائق الخوارزمية هي الأكفأ في التعامل مع السوق المالي، وما عدت بعدها مقتنعا باستخدام التحليل الفني على الإطلاق، بالرغم أنني لم أتقن بعدُ النمذجة الرياضية للأسواق. إلا أن ما بدا لي على أنه أكثر دقة وصلاحية، هو الأجدر بأن أتبعه، ولذلك تجدني وقد تركت التداول تماما، بالرغم أنه كان يساعد في الرزق، وابتعدت عنه إلى حين تحصيل ما يلزم من أدوات أقوى، فحين يتضح للمرء ما هو أحسن، الأجدى له أن ينشده ويعزف عما دونه...
رَ، بدايةً أنا أفكر أكثر مما أقرأ؛ بمعنى، الوقت الذي أقضيه في التفكير من غير فعل شيء، أوسعُ من وقت القراءة، أذكر في واحدة من المرات، 6 شهور من العطلة كاملةً لم أقرأ فيها ولم أفعل شيئا غير المشي في الجبال والمناطق المعزولة، ومما يجود به الحظ وجود دير في الريف الذي أسكن فيه عمره 1500 سنة (دير مارسابا) والمناطق هناك ممتدة على عشرات الكيلومترات بدون كهرباء ولا انترنت ولا أي شكل عصريّ حديث.

فلا أتناول كتابا لأقرأه إلا حينما يستقر لي الذهن ويستتب لي المزاج، بحيث إذا قرأت قلَّبت صفحات رأسي أولا قبل تقليب صفحات الكتاب، ولا أحسن القراءة في أي وقت وكل وقت، بل ذاك مرهون بما تكون عليه حالتي المزاجية، فإذا كانت عاتيةً عزفتُ عن أي مشتت يقطع عليها الحبل والوصال، والقراءة من جملة المشتتات في مثل هكذا وضع.

فإنْ أُشبعتْ نفسي من الفكر انكببتُ على المقروء من المواد، كتبا أو أوراقا بحثيةً كانت أو غيره، ويتفق أن بعض الكتب أقرؤها على جلسة واحدة وإن جاوزت صفحاتها المئات، وبعضها أقرأ منه صفحتين ثم أخرج لأفكر عدة ساعات، ذا رهنٌ بطبيعة المزاج وطبيعة المقروء والمبتغى من وراءه، ولذا ليس عندي على سؤالك جوابٌ بمعدل يومي أو سنوي.
رَ، اختصاص شخص ما في علم الحاسوب لا يفترض منه مهارة معينة في التعامل مع المسائل البرمجية على مواقع مثل codeforces أو Leetcode، طبيعة المسائل البرمجية التنافسية هناك خيالية ولا تعالج مشكلات واقعية، بل ولا تساعد في معالجة العقلية النظرية للمبرمج أو حتى عقليته العملية ضمن هندسة البرمجيات Software engineering.

أستوعب أن يحل المرء بعض المسائل بين حين وحين هناك، لينشط قدرة معينة عنده، لكن أنْ يتحول الموضوع إلى هَوَس وغرق في المسائل ذاتها وطبيعة التنافس البرمجي، فذا لعمري إضاعة للوقت والذهن في غير محلهما، إذ ما الجدوى من التعامل الدوري مع مسائل تم تصميمها بغير صلة لمشكلات نظرية واقعية أو واقعية عملية؟ إذا كان غرضك هندسة البرمجيات وأن تتوظف، فليست codeforces المكان الأكثر مناسبة لتنمية ذلك

زد على هذا أن أكثر ما يهمني في علم الحوسبة هو علم الحوسبة النظري TCS، والبرمجة عموما تعنيني منها نظرياتها مثل نظرية لغات البرمجة Programming Languages Theory، وأفضِّل تعميق معرفتي في اللغات الوظيفية Functional languages، فلا تتوقع مني أن أضيع وقتي في codeforces أو غيره، حسابي في leetcode آخر مرة فتحته قبل سنة ممكن
ذاكرتي قصيرة المدى جدُّ ضعيفة، وضعفها ناجم عن الشكل الذي يأخذه التركيز عندي، ليس بسبب الحافظة؛ بحيث إذا وضعت القلم في جيبي أنساه وأبدأ في البحث عنه هنا وهناك، ولا أكاد أعرف في أي يوم من الأسبوع نحن، إلا أن ذاكرتي الصُّورية دقيقة إلى حد مرعب، فأستحضر ما أراه بتفاصيله الكاملة، حتى أن بعض الأحداث أتذكرها بكل ما فيها من صور، ومنها ما يرجع إلى سنوات بعيدة، كذا بوسعي سماع أصوات بعض الأشخاص يتحدثون بكلامهم نفسه الذي قالوه في محضر معين منذ زمن طال. ولكن، هذا مزعج، أشعر بالشبكات العصبية في دماغي وكأنها تغلي وقد قدحت فيها النيران، سلَّمنا الله وإياكم.
يناير 2024
ما الذي قد يدفع بمهندس معالجة لغة طبيعية NLP ومشتغل بالذكاء الاصطناعي أن يسخر ويضحك -غير مصدِّقٍ- على استلهام ابن تيمية في مسائل حاسوبية؟

أحد الأصدقاء هنا عمل مشاركة لمنشور ابن تيمية والذكاء الاصطناعي، فأتى معلِّقٌ عنده وعمل ذِكْر (منشن) لشخص مشهور مشتغل بالذكاء الاصطناعي ولديه عشرات آلاف المتابعين، فما كان منه إلا أن وضع "أضحكني" على المنشن؛ الآن، الفرق معلوم بين من يشتغل في تطبيق الخوارزميات واستخدامها في أغراض عَمَلية، وبين من يطوَّر تينك الخوارزميات والنظريات التي تستند إليها، وذاك المهندس خير مثال على الرجل الذي يقضي وقته في قراءة الكتب المدرسية والاستماع للمحاضرات وتنفيذ بعض الأمور البليدة Silly كتطبيقات عملية، ومتى لم يكن يفهم النظريات العميقة وراء الشغل الذي يقوم به والأدوات التي يقوم باستخدامها، فإنه سوف يستجهن ما لم يتعود عليه في شغله.

فنحن أمام جون سُوَا، الرجل الذي يكفيه لقبًا اختراعُ الرسوم البيانية المفاهمية Conceptual Graphs وأثرها العميق في الذكاء الاصطناعي، فالرجل باحث نظري يضع الأساسات العلمية التي تسمح لأمثال هذاك المهندس بالاشتغال والارتزاق من وراء الذكاء الاصطناعي، وسيضحك بكل تأكيد فتفكيره الهندسي محصور فيما وصل إليه من الموضات والصرعات العلمية، هذا لو قرأ ورقةً بحثية في حياته لاستوعب الجهالة التي هو فيها، ولكنه لا يدري شيئا عن الآلية التي تتطور بها العلوم، ولا يعرف كيف ينتقل العلم من النظرية إلى التطبيق، فسيستهجن إذن كل ما لا يأتي في أفقه الضيِّق.

بعض الناس يظنون أنه من الذكاء الضحكُ على مسألة كمسألة استلهام ابن تيمية في الحوسبة، وأن استهجانها يلحقهم بركب المتنورين علميا، ويجدون لذة في التفيهق على ذلك من باب أن الأمر غريب أطوار ولا يمكن تصديقه، وإنْ ذلك إلا جهالة وغباوة قد زِيدَت إليها الوقاحة.
لم أشاهد في حياتي مباراة كرة قدم واحدة، ولن أفكر في مشاهدتها. إلا أنني قد أشاهدها لسبب واحد؛ بدافع اختبار نظرية الألعاب Game Theory وتطبيقها عليها

في مباريات كرة القدم، أو أي شكل آخر من المباريات، فإن بوسع نظرية الألعاب أن تقدم الكثير وتفسر العسير؛ فركلات الجزاء -مثلا- يمكن تحليلها كسيناريو: لاعبين بمجموع صفري Two-player zero-sum game، حيث نجاح أحد اللاعبَيْن (الراكِل) يعتمد مباشرةً على فشل الآخر (حارس المرمى). الآن، بوسع نظرية الألعاب أن تتنبأ بأفضل الاستراتيجيات الممكنة بناءً على بيانات تاريخية سابقة، مثل اتجاه الركلة المفضل للراكل، وكيفية مراوغة حارس المرمى

فالراكل لديه أن يختار بين التوجيه نحو اليسار، أو اليمين، أو المنتصف، كما أن الحارس لديه أن يميل يسارا أو يمينا أو يظل في المنتصف، وفي حين إن العشوائية وعدم القدرة على التنبؤ حاضران في مثل هكذا سيناريو، فإن نظرية الألعاب تفترح أن أفضل استراتيجية تكون عبر جعل الاختيارات عشوائية إلى الدرجة التي يصبح التنبؤ بها غير ممكن، يعني استخدام خصائص المشكلة ذاتها للوصول إلى الحل.

ولو طبقنا اتزان ناش Nash Equilibrium على السيناريو، فإن الراكل والحارس على حد سواء ليس لدى الواحد فيهما استراتيجية بحيث تطغى على الآخر وتكون رابحة دوما، مثال هذا: قد يقرر الراكل أن يضرب باتجاه اليمين أو الشمال أو المنتصف بناءً على احتمالات معينة، وإذن قد يتحرك الحارس في أيٍّ من الاتجاهات بناءً على احتمالات تتأثر بما يفعله الراكل، فمتى يحصل الاتزان إذن؟ يحصل الاتزان حينما لا يستطيع اللاعبان تحسين فُرصهما في الفوز من خلال تغيير الاستراتيجية من جانب واحد، أي أن لا يكون ممكنا للواحد فيهم تغيير استراتيجيه من جانبه فقط، لتحسين فرص الفوز.

فيمكن إذن استخدام نظرية الألعاب لبناء نماذج تنبؤية تستخدمها الفرق الرياضية لتحسين فرصها في الفوز، فالتحليل العميق لسلوك راكل معين من شأنه أن يكشف عن أنماط Patterns تخبر الخصوم عن اتجاه ركله قياسا إلى ظروف متغيرة، وكذلك يمكن تحليل أداء الحارس لفهم أوقات استجابته وغيرها...
الجامعات لا تفرق عن الشركات الاستثمارية، سوى أن الأخيرة لا تعِدُك بشيء بعد أن تشتري، وفي حين أنك تدفع أموالا للجامعة، فإنها تقدم لك وعودا لا تنقطع؛ تحصيل العلم وتحصيل الرزق بذلك العلم، إلا أنها تفشل في ذينك الوعدَيْن، هذا ينسحب عموميًّا على الجامعة من حيث هي جامعة، أما الجامعات العربية فهي تبيعك رخيص العلم بغالي المال، ومن حيث الوعود فهي تقدم وعودا أكبر من أحجامها بكثير

الآن، بالنسبة لعلم الحاسوب، فهو من التخصصات التي تُدرَّس بطرائق بئيسة جدا، عربيا أو غربيا أو غيره، أنت أمام تخصص علمي اسمه "علم الحاسوب"، لكن لا علاقة للمواد المُدرَّسة بذلك الاسم، إنما لو سمَّوه هندسة برمجيات Software engineering لكان لائقًا، فهندسةُ البرمجيات التخصصُ الأقل علمية من بين كل فروع علم الحاسوب التطبيقية، لا صرامة رياضية، ولا نظريات علمية تدَّعمه، كذلك لغات البرمجة التي يتم تدريسها، بالغة السوء، شديدة السَّوَءات، قميئة التصميم من الناحية النظرية، وقد كان بالوسع تدريس لغات أنظَف وأرتَب، لكنها التجارة ورائجُ السوق من يقرِّرا، لا العلم ولا النظريات، هاهنا نتذكر اعتراض دايكسترا الشهير عام 2001 على قرار دائرة علم الحاسوب في جامعة تكساس، المفيد باستبدال تدريس لغة الأناقة والصرامة Haskell باللغة التعيسة Java:
"إن هذا الخيار ينطوي على مسؤولية عظمى تجاه طلابنا، ولذا فإنه لا يمكن أن يُترك إلى رئيس قسم أو دائرة عشوائي، لكن؛ يجب أن يُفصل فيه من قِبَل مجلس ميزانية الجامعة، هذا شيء لا يمكن تركه إلى الموظفين المدنيين أو السياسيين، هنا، رجال الدولة مطلوبون!"

أما عن الجامعات الأوروبية فما أعرفه أنها أحسن حالًا بمستويات كثيرة في الرياضيات والحوسبة من أمريكا، وهنا نستحضر ورقة كتبها دايسكترا (عن حقيقة أن المحيط الأطلسي له جانبان) تحدث فيها عن اختلاف المقاربات العلمية للحوسبة، وأن جانب أوروبا وتحديدا هولندا (يقصد نفسه) أعتى وأرصن وأجرَد من الجانب الأمريكي؛ إذ يعاني الأخير من بؤس في الصرامة الرياضية.
وفيما بعد سخر أحد علماء الحاسوب الأمريكيين، ألان كاي Alan Kay، مخترع البرمجة شيئية التوجيه OOP، من دايكسترا، وكتب ورقة سماها (عن حقيقة أن أغلب السوفتوير في العالم مكتوبٌ في جانب واحد من الأطلسي)، محاولا الإشادة بأن الحوسبة لا تحتاج رياضيات صارمة. حتى قال عن دايكسترا: "الغطرسة في علم الحاسوب تُقاس بِ_نانو دايكسترا"

طبعا، الأمريكان يسخِّفون من كل شيء، ومقارباتهم العلمية تجارية، فهذا ألان كاي يبحث عن التجارة والتربح، وذلك دايكسترا يبحث عن الأصالة العلمية الرصينة.

عودٌ إلى موضوع الجامعات، مجمل ما أراه أن الجامعة في هذا العصر تعدك بشغل تعيش من وراءه، وفي نفس الوقت تطالبك بأقساط عالية، فإذا استطعت أن تشتغل من غير جامعة، فلا حاجة لك بها، وخفِّض سقف توقعاتك بخصوص أن تجد علما فيها وتستفيد منها، هذا مع التحفظ على خصوصية كل تخصص، وأخيرا، إذا ما أصبحت الجامعة وسيلة للتشدق بالمنصب الأكاديمي، وأن يبرهن المرء على علمه من خلالها، فبؤس المنصب إذَن، وبؤس العلم.
"كل شعوب العالم لديها قِرَدَتها، أما أوروبا فلديها الفرنسيون، الذين يعوِّضون عن ذلك."

~ آرتور شوبنهاور، المقالات والمآثر، 1851.
أيدسكر دايكسترا، ألمعُ ألمَعِيي علماء الحوسبة في التاريخ، قام بحل مشكلة أقصر طريق ممكنة Shortest path problem، خلال 20 دقيقة وهو جالس في مقهى مع خطيبته، وفي رأسه دون استخدام ورقة وقلم

كانت خطيبته قد أتعبته بكثرة تسوقها وشرائها من عدة متاجر، فطرح سؤالا مفاده: "كيف يمكننا إنهاء بقية تسوقنا في أقل مدة زمنية ممكنة؟"
فنتجت عن الإجابة خوارزميةُ دايكسترا لأقصر طريق ممكنة Dijkstra's Shortest Path Algorithm، وقد كان عمره آنذاك 26 عاما (سنة 1956)، والظريف أنه نسي الموضوع 3 سنوات حتى ذكَّره زميل له بنشر الحل في ورقة بحثية

ولْتُعرَف عظمة خوارزميته فيكفي العلم بأنها مستخدمة في أنظمة التوجيه والGPS، كخرائط غوغل على سبيل المثال، وأكثر من هذا فهي مستخدمة في توجيه الشبكات الحاسوبية، حيث يتم تحديد أكثر المسارات كفاءةً لنقل البيانات، مثل توجيه حزم البيانات في الانترنت، التي يجب أن تُرسَل بكفاءة عالية عبر مسارات شبكية معقدة. كذلك تُستخدم في الروبوتات ووسائل النقل اللوجستية والمواصلات، إلى الاتصالات السلكية واللاسلكية، وحتى تطوير الألعاب.

وفي حين كان علماء الحوسبة يستخدمون LaTeX للكتابة العلمية، كان دايكسترا يكتب أوراقه البحثية بالقلم والورقة وبعد ذلك يرفعها مصوَّرة، ولم يكن يستخدم أي كاتب إلكتروني Word processor، اعتقادا منه أن الورقة والقلم تساعده في التفكير المنظَّم والواضح، وأنها تزيد من دقته وحذقه.
ذكر جديد لابن تيمية من قبل عالِم الحاسوب جون سُوَا، وهذه المرة إشارة صريحة، وكلام واضح، لمبدأ يُستخدَم في الذكاء الاصطناعي، وأن ابن تيمية هو أول من صاغه

في ورقته البحثية: "The Challenge of Knowledge Soup - تحدي حساء المعرفة"، يشير جون سوا إلى أن قياس التمثيل تعميمي بما فيه الكفاية لاشتقاق أصناف الاستنتاجات من نظام منطقي يستخدم الاستقراء لاشتقاق القواعد ومن ثَمَّ الاستنباط لتنفيذ تينك القواعد. ويُتْبع القول بأنه في أنظمة الذكاء الاصطناعي فإن هذه الطريقة تُسمى التمنطق بالحالات case-based reasoning، ومن ثم يقول بالحرف: "ولكن هذا المبدأ تمت صياغته لأول مرة على يد ابن تيمية في مقارنته للمنطق الأرسطي بالتمثيل"

ومن ثم يرسم سُوا مقاربة ابن تيمية والمقاربة الأرسطية مرجحا بدون شك المفاضلة للمقاربة التيمية.
01:17
شبكات معقدة Complex networks مشغول عليه ب++C، الرمية الأولى، وإلا بالوسع تسريعها وتعقيدها أكثر
1- الجدوى من دراسة المنطق الأرسطي، أو دراسة الأبانشيد Upanishads الهندوسية، أمور لا يمكن لي أن أحددها لك أو أقررها عنك، الآن، أنا درست المنطق الأرسطي لأنَّ لي من وراءه غايات أبتغي وصولها، لذلك، "الجدوى" لا تنضبط إلا بأن تعرف ما تريد، ففي حال -مثلا- تريد الاطلاع على آخر التطورات العلمية في المنطق، فليست دراسة المنطق الأرسطي لازمةً لذلك، ولكن حتى في هذه الحال فإنك أنت من يقرر، إذ أن دراسة القديم تدعِّم دوما استيعاب الجديد، فقد يساعدك المنطق الأرسطي على فهم شيء من الجزئيات المطورة للمنطق الحديث مثلا.

الآن لو كان سؤالك: "هل لا زال للمنطق الأرسطي تأثير في العلوم" لكان المقام مختلفا، أو كان غير ذلك، أما "الجدوى" فهذه فضفاضة، من الناس من يدرس ويصرف وقتا في تحقيق الرياضيات الفرعونية والفلك اليوناني.

فباختلاف المقاصد تختلف التقريرات، أنا أدرس المنطق على اختلاف حقوله وفروعه، وأحاول الإحاطة بأقصى قدر مستطاع منه، لأنه يهمني كتخصص علمي، والذي قد أستكمل دراساتي الجامعية العليا فيه، كما أنني أحب أن أستوعب كيف وضع فلان النظرية المعينة تلك، وكيف نقد غيره نظريتَه، أي أنني أُعنى بدقائق الأمور وما وراءها، ولذلك تجدني دائم التنقيب في تاريخ التخصص قبل دراسته علميا، وإذ ذاك أهتم بالقديم قبل الجديد.

2- برنارد بولتسانو من أشد الشخصيات تأثيرا علي، في حدود معرفتي حتى اللحظة الراهنة.