السِّجِلّ

سِجِلٌّ متَّصلٌ للخواطر والشذرات — من الأحدث إلى الأقدم. تصفَّحْ كصفحات، أو انتقلْ عبر الجدول الزمني، أو ابحثْ في كل شيء عبر ⌘K.

يناير 2024 82 منشور

صفحة 52 من 59

يناير 2024
في الصورة كتاب "فن برمجة الحاسوب" أضخم الكتب على الإطلاق في علم الحاسوب، وليس كاملا بعد، إذ بدأ دونالد كنوث -المؤلِّف- عامَ 1962 كتابة الكتاب، إلى اليوم عندنا خمسة مجلدات، وحسب خطة التأليف لا زالت هنالك سبعة مجلدات على الطريق.

إذا ما أتاك امرؤٌ وقال أنه درس كل هذه المادة وفهمها، فعليك أن تبصم له بالعشرة أنه أستاذ من الأساتذة في الأساسات النظرية لعلم الحاسوب، والخوارزميات، وهيكلة وبنى البيانات، والرياضيات المتعلقة بعلم الحاسوب، هذا في حال أتاك واحد كذلك، لأن غالب رواد الكتاب إنما يستعملونه كمرجع لا كمادة دراسية متصلة. يضع كنوث نهاية كل قسم تمارين للحل، ومنها مسائل لا توجد عليها حلول أصلا، أي أنها معضلات، وفي حال قدر أحدهم أن يحلها، فإن ذلك يعني أنه سوف ينتج ورقةً بحثية ويضيف شيئا جديدا للساحة.

عندي -ورقيًّا- المجلدات الثلاث الأولى منه بطبعة عام 1976، وأستخدمه كمرجع ووسيلة لتعميق المعرفة في مجالات محددة، ولم أفكر أن أقرأه كله إلا مرة واحدة فشلت فيها.

المثير حول الكتاب هو إصرار كنوث على التأسيس الرياضي الصارم قبل التطرق للموضوعات الحاسوبية، وكذلك على دمج الطرح الحاسوبي برياضيات رصينة، والشرح بطرائق هي من العمق بحيث لا يكون أمام القارئ سوى أن يفهم، ويفهم بذكاء شديد.

طبعا، كنوث لديه جائزة تورنغ، نوبل علم الحاسوب، لاشتغاله على التحليل الخوارزمي، فهو واحد من الآباء المؤسسين لعلم التحليل الخوارزمي.

بل غتس قال عنه: "إذا استطعت قراءة كل الكتاب، فإنه يتعين عليك أن ترسل لي سيرتك الذاتية مباشرة"
خلَّصت قراءة مجموع أوراق الرياضياتي والمنطقي والفيلسوف تشارلز بيرس، والذي نشرته صحافة جامعة هارفرد، يقع في ثمانية مجلدات بما يعادل 3800 صفحة، وهذه السلسلة أوسع وأشمل من The Essential Peirce.

الاطلاع على الأعمال الأصيلة من خلال التعرُّض لكتابات مؤلفيها رأسًا، أمرٌ يزيد في الملَكَة النقدية والحاسة العلمية، فيشحذ الذهن ويوسِّع زوايا النظر. كانت لبيرس اشتغالات كثيرة تمر معي أثناء التعرض للمنطق، ولكن النهل من أوراق الرجل مباشرة جعل المعرفة أكثر صرامة، فقد خَبِرْتُ إذن كتاباتٍ في المنطق لواحد من الآباء المؤسسين للمنطق الرياضي، ومن المؤثرين الكبار في المنطق الفلسفي، وفي الفلسفة فهو مؤسس البراغماتية الأمريكية.

في أواخر القرن التاسع عشر، أوجد بيرس أساسات ما سوف يُطلَق عليه "المنطق الرياضي"، إذ طوَّر أنظمةً للمنطق الرمزي كانت توسيعا وتحسينا لأعمال جورج بول وأوغستس دي مورجان، حتى أن أثره امتد إلى فريجه وراسل، إلى ذلك أضف أنه أول منطقي يصيغ المكمِّمات Quantifiers مثل 'لكل، يوجد - For all, there exists'، بالطريقة المستخدمة حاليا في المنطق.

لا يمكن للكتب المدرسية الوسيطة Textbooks أن تترك نفس أثر كتابات مؤسسي العلوم الأصيلة، فأنت حينما تقرأ كتابا مدرسيا Textbook فإن ما تكون فيه هو فندق مليئ بالأفكار، ولست تعرف عن كل غرفة سوى القليل، أما عند الاتجاه مباشرةً نحو كتب أصحاب النظريات والأفكار والمناهج، فإنك تبني الفندق غرفة غرفة بنفسك، وهذا النهج في القراءة هو الأمتن والأجرَد على الإطلاق، وهو أكثر ما ينبئك بخفايا وخبايا التطور العلمي.

السلسلة مفيدة بحق، وماتعة للغاية، وأحسن ما يكون تجاهها أن تُعاد قراءتها مرة ثانية في أقرب وقت.
سبق وبيَّنت على حسابي القديم استلهام عالِم الحاسوب جون سُوَا لبعض من مقاربات ابن تيمية المنطقية في تطوير أنظمة حاسوبية تشتغل من خلال القياس، والآن، لأبين لماذا بالذات ابن تيمية

نظام VivoMind Analogy Engine الذي شارك جون سُوَا في تطويره، يختص بإيجاد التماثلات في قواعد معلوماتية ضخمة مثل WordNet، ودفاع ابن تيمية عن قياس التمثيل ضد قياس الشمول، هو أحسن ما يمكن توظيفه في مثل ذلك النظام، لأنه من الناحية الحاسوبية، استخراج التشابهات ومن ثَمَّ توليد أو معالجة المخططات المفاهيمية Conceptual graphs، لا يمكن له أن يتم بكفاءة عبرَ قياس الشمول أو الاستدلال الاستنباطي، فإذن، تم استلهام مقاربة ابن تيمية لأنها أقرب للواقع ولطبيعة العلوم التجريبية، وحتى للاشتغال في الذكاء الاصطناعي حيث الاستدلال الاستنباطي المحض لا يقدِّم إفادات كثيرة.

المنطق التقليدي، ومنطق القياس، محدودان جدا فيما يتعلق بالتعقيد والتعددية الخاصة ببيانات العالم الواقعي وسيناريوهاته، فقد رأى جون سُوَا إذن أن تلك المقاربة تحسِّن قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي لمعالجة المعلومات والبيانات عبر طريق أكثر توافقية مع المعالجة المعرفية لدى الإنسان، والتي تعتمد أكثر على قياس التمثيل.

يتبع...
الضوضاء تزعجني، أكرهها أكثر من أي شيء آخر؛ أكون في نعمة من الله إذ أقرأ وأدوِّن أو أفكر بهدوء بارد كالثلوج، وغليان حامٍ كالبراكين، إلى أن يبدأ الناس بالتوقف عن كونهم من البشر، فتسمع شلةً في الشارع لا تستطيع المشي إلا وقد ارتفعت أصواتها وبدأت الزعيق، أو سائق سيارة لا يستطيع المرور عمن يعرفهم إلا وأقسم أن يسلم عليهم عبر إطلاق بوق سيارته بشكل متواصل، هؤلاء الذين يزعقون أحاول أحيانا أن أركز فيما هم مختلفون حوله، فإذا بهم يتداولون الحديث بصراخ عن الفائر في اللعبة التي كانوا يلعبونها، أو ماذا حصل لواحد منهم قبل سنة ونصف، وكم وددت لو استخدمت طريقتهم في الهمهمة في خوارزمية تشفير، بحيث لا يمكن فهمها أبدا، أنعم الله علي بانعدام الجيران من حولي، ووجود ما يشبه غابةً صغيرة، إلا أن شارعًا بجانبي هو من الشوراع التي تربط شمال الضفة الغربية بجنوبها، وبذا لا يمر يوم من غير إرهاق للأذن وازعاج للدماغ.

حينما أكون في منتصف كتابٍ أقرأ، فإن ذهني يكون من النشاط والتركيز إلى الحد الذي أشعر بدماغي تغلي، وأحيانا أقرأ الصفحة الواحدة ثلاث مرات متتالية، كل مرة أقرأها بعقلية مختلفة، ولا أنفَكُّ أطرقها من عدة زوايا، وأقصى الزوايا أن أحاول قدر المستطاع تخيُّل أعتى النقود الممكنُ توجيهُها إلى الفكرة، وإذ ذاك أشرع في بناء دفاعات ضد النقود الممكنة. الآن، هاهنا أكون في عالَم آخر، فما أن أسمع ضجيجا حتى أثور وتكاد أعصابي تَتَقطع، ويضيع مني ذلك الجو، أما إن كنت أفكر أو أكتب، فإن المصيبة أعظم، إذا ما تقطَّع حبلُ أفكاري أو جفَّ حبرُ قلمي فإنني أحس بالاختناق. صوت دماغي أعلى من صوت الواقع، فإنْ حاول صوت الواقع أن يعتلي فوق صوت دماغي، حصلت حربٌ ضروس أقل نتائجها أن يضيع الصفاء ويتعكر المزاج ويتفتت التركيز.
في الصورة عالم الحاسوب ريتشارد ستولمن، هذا الرجل لم يستخدم في حياته كلها أي هاتف محمول سواء هاتف ذكي أو غيره، ولا يستخدم Google، ولا Intel، ولا Microsoft، ولا Apple، ولا Facebook، ولا Amazon. ويشجع الناس على عدم استخدامها، ويكتب في ذلك المقالات ويضع أسبابا كثيرة وتعليلات عميقة.

حينما تدخل مدونته على الانترنت stallman.org فإنك تجد على رأس الصفحة الرئيسية عنوان عريض بالشركات التي ينصح الناس بعدم استخدامها، ويعد منها قرابة 40 شركة عالمية.

اللابتوب ThinkPad X200 الذي يستخدمه ستولمن لا يوجد فيه أي شيء ليس من البرمجيات الحرة Free software، حتى الهاردوير خاصته يمكن القول عنه أنه Free، إذ أنه يستبدل الBIOS، والذي يشكل أكثر أجزاء الحاسوب أهميةً وجوهريةً، بBIOS حر أيضا.

عادةً ما يشير إلى الهواتف المحمولة على أنها "حُلم ستالين" أي أنها أدوات واسعة الانتشار تمكن الحكومات والشركات من التجسس والمراقبة والتتبع، كذلك يرى أن شركات التقنية الكبرى ما هي إلا أوكار للتجسس وخرق خصوصية المستخدمين.

نظام لينكس، الذي يجب أن يُسمى GNU/Linux تحريًّا للدقة، ما كان ليكون ممكنا لولا إنجازات هذا الرجل، وفكرة البرمجيات الحرة التي أوجدها قبل أكثر من أربعين سنة، لا زالت إلى اليوم الفكرة التي تخلق توازنا ضد احتكار الشركات الكبرى، عموما الرجل له إنجازات واختراعات أخرى مثل المحرر الشهير Emacs، ومترجم Compiler لغات البرمجة ++C/C المسمى GNU Compiler Collection أو GCC كما يعرفه المبرمجون
يعِنُّ أن يحتجب المرء بإرادته أو أن تحجبه إرادته، كما أن العقل يأسر ويؤسَر، ومن الأحايين ما يكون لعزلة الأيام فضلٌ لا يُدرَك بعزلة سنة.
دردشة وددت أن أقولها قبل تسجيل الخروج

كما ترون في الصورة، العدد 60956 يمثل الأسطر البرمجية التي كتبتها منذ اشتريت حاسوبي الحالي قبل سنة بالضبط، في ست لغات برمجية: سي بلس بلس ++C، ورست Rust، وهاسكل Haskell، وجافا Java، وبايثون Python، وجافاسكربت Javascript.

تتعلق الدردشة بالاشتغال على المشاريع، وقد يتم قياسها على غير المشاريع البرمجية بالطبع. الآن، لغتي الأم هي ++C، أكتب فيها منذ أكثر من 5 سنوات، ورغم ذلك أقيِّم مستواي فيها بِ5/10 [مخترع اللغة بيارن ستروسترب سُئل مرة عن مستواه فقال 7/10]، وهي لغة قبيحة على أية حال ولو عرفت أن فيها كل هذا القبح قبل أن أتعلمها لَمَا تعلمتها أما Java فهي لغتي الثانية وقد تعلمتها في الجامعة، التي لا فضل لها علي إطلاقا، وإنما قالوا ندرّسكم Java، قلت شكرا، توجد الكتب التي تغنينا عن السماع لشرائح البور بوينت التي تجلبونها من الانترنت، وهذه لغة سيئة أيضا، وإن كانت من اللغات القليلة التي تمثل نموذج Paradigm البرمجة الشيئية OO تمثيلا نظيفا وشبه تام، إلا أن عيوبها كثيرة. ثم تأتي Haskell وهي من أصعب اللغات إن لم تكن أصعبها، وهي اللغة الأفخر والأنقى على الإطلاق، ولكنها تعاني من نقص حاد في مجتمعها وعدم اهتمام بها في المجتمع البرمجي، وقد كان لي مشروع منذ سنة ونصف أن أصنع بيئة تطوير برمجية IDE لها إذ ليس لديها واحد، ولكن انشغالات أخرى قَضَت ألا أفعل ذلك. ثم تأتي لغة Python التي تعلمت أجزاء منها أيام الصف الثامن في المدرسة، ولكنني لم أستمر وقتها لذلك تُحسب علي أنني تعلمتها قبل بضعة شهور، وأما القول فيها فهي من أسخف وأسوأ اللغات، مصممها غيدو فان روسم يجهل الكثير من النظريات الحاسوبية التي أدَّت بتصميمه للغة أن يكون تعيسا، ثم تأتي لغة Rust، آخر لغة تعلمتها، والحق أنها جبارة جدا، ومع أنها صعبة إلا أن فيها من الحلاوة النظرية أي في تصميمها نفس وفيها من الوضوح والاتساق والنظافة ما يجعلها تتربع مع Haskell على عرش اللغات. أما Javascript فهي لغة المساكين من القوم، ولم أتعلمها إلا في وقت متأخر بسبب أمور خطرت لي في برمجة المواقع، ولو عرفتْ لتعلمتْ Typescript أو Elm فهما أحسن منها بمراحل.

الآن، من مجموع الأسطر هذه، التي أغلبها لا أنشره على حسابي في غت هب Github هنالك ما يزيد عن 15 ألف سطر لمشاريع كنت أبدؤها ولا أنهيها، ولمشاريع فشلت، ولمشاريع أنهيتها ولكن لم أطْلقها لأنني رأيت لاحقا أنها غير مناسبة ولا تصلح للنشر.

فما العبرة؟ العبرة أن عالَم البرمجة وسيع جدا، وأن أفلام زفت لوود والقصص التي يضحك بها عليكم خالطو التنمية البشرية بالبرمجة، وقصص بل غتس و إيلون مَسْك وجوبز وعدِّدْ ما شئت من الأسماء، كلها، في السياقات التي يتم تسويقها فيها، ليست إلا غبارا يؤذي العينين ولا يحسن قدرتها على النظر، فالبرمجة ليست الحل السحري لمشكلاتك المادية، ولا هي بالحل الذي تُشعِر به الناس أنك ذكي ومختلف عنهم، وإنما هي صنعة تدرسها وتمارسها كأي شيء آخر، وعادي جدا، وارد أن يكون راعي غنم أصفى ذهنا وأذكى حسا من 50 مبرمج متصنع تجمعُهم في حاوية قمامة، أضف على ذلك، أن تحقيق الأحلام، لا طريق مختصرة إليه، لأنه من اسمه حلم، ولن يكون واقعا حتى يثبت العكس، وأَوْجَبُ الناس بالتقريع هنا هم النصابون منعدمو الذكاء من أصحاب الدورات والورشات البرمجية، وينسحب على هذا دكاتير الجامعات، وأود أن أقول كذلك أن الاستفحال في غير محله ليس إلا إستروجينا مرتفعا ولكن بصوت خشن، فلا يُغرر أحدهم بنفسه بتوهم أمور بثها في رأسه التسويق الإعلامي اللعين الذي يخرب عقول الناس ويفسد أفئدتها.

أما عني فلستُ أستلذ كثيرا في البرمجة، وإنما يهمني علم الحوسبة النظري أكثر، وما تعلمته وأتعلمه إنما جزء منه بدافع الفضول والجزء الآخر كي أمحي عن نفسي الجهالة في حقول الحوسبة التي لا تعنيني، في حين أركز أكثر على ما يعنيني منها.

كنت أود أن أطرح أفكارا مفاهيمية أكثر لكن هذا ما نتج معي، لعلنا نستكمله عند العودة، ودمتم بخير.
أول ما يأتيني جليسا مِن غامض الأفكار البوارق، فإذا قمت ومشيت استحالت كالصواعق، حتى إذا أسرعتُ وضغطتْ رجلاي الأرض ضغطا تصيَّرتْ فُرادى كالمفارق، فأجمعها إذ ذاك واضحةً بَيِّنة المعالم والمَطارق، إلى أن يجلو منها بنيانٌ شاهق، فألقي بها على الورق كالحوارق.
لا يمر شتاءٌ إلا قنيتُ فيه ما يورِث قيظَ الصيف، ولا يمر صيف إلا اشتريت فيه ما يورث شَبَمَ الشتاء، فالشتاء عندي قائظ على النفس خفيف، والصيف إذ ذاك شَبِمٌ لطيف.
أما الPDF فهو يزيد عيوني تعبا، وعادتي أن أقرأ عبرَه الكتب في تخصصي الأكاديمي فحسب.
يُروى عن فولتير أنه لمَّا كان على فراش الموت جاءه قسيس فقال له أن يلعن الشيطان، فرد عليه فولتير: "هذا ليس الوقت المناسب لتكوين أعداء يا عزيزي".
من ينقل رواية أن ماركس أسلم قبل موته فلينقل رواية فولتير أيضا...
هل يمكن برمجة الحاسوب ليكتب شعرا موزونا، وذا معنى؟

الشق الأول من السؤال جوابه نعم؛ وأستطيع خلال عشر دقائق أن أكتب برنامجا عبر أي لغة برمجة يقوم بكتابة الشعر، ويخضع لأي بحر من البحور، تصوّرْ من البحر الطويل: فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ. في نظام ثنائي، أستطيع تمثيله على: 011 0111 011 0111، حيث 0 تمثل حركة قصيرة و1 تمثل حركة طويلة.

وإذ ذاك يؤتى للبرنامج بمليون كلمة عربية أو غيره، فيختار منها ما يخضع للتمثيل الثنائي، وإن بالوسع استخدام خوارزميات تختار الكلمات عشوائيا لكن من خلال تقعيدها ببعض الضوابط اللغوية كأنْ لا يتتابع حرْفَا جر، هاهنا يصبح الحاسوب قادرا على أن يكتب كلاما موزونا فقط وليس بشعر، وإنما كلامُ مجانين.

لكي يُجاب الشق الثاني من السؤال، فيجب أن يُفهم أن نماذج الذكاء الاصطناعي بقدرتها الحالية، وأقصد النماذج اللغوية الكبيرة LLM مثل GPT-4، تتمرن على النصوص ولا تفهمها، وتولِّد نصوصا لا تفهمها، فلا يمكن أن يُقال بأي وجه أن تينك النماذج تفهم دلالات الألفاظ Semantics، وإنما يمكن ردُّ كل الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى عمليات إحصائية وحاسوبية بحتة، ولذلك يظل الشعر حالة خاصة بالنسبة لمجمل النصوص التي تولدها النماذج، أما الشعر العربي فهو حالة أشد خصوصية، فأقصى حدٍّ يمكن للحاسوب أن يصله هو أن يختار من الكلمات ما إذا تُوبِعَتْ ببعضها التزمت القواعد وكان لها حين التلاحق بناءٌ لغوي مكتمل فحسب، كأنْ يكون للفعل فاعل وللفاعل مفعول وأن يجرَّ حرف الجر ما بعده، أما أن يصل المعاني فهذي من المستحيلات عليه، فلا يقدِّم المعنى مَنْ ليس عنده معنى.

وأنا أقول لكم، لن يُنسَب للحاسوب يوما أنه قال الشعر، فهو لا يعرف الحواسيب الأخرى مثلما يعرف الواحد منا صديقه أو سميرَه، ولذا فإن قال الحاسوب شعرا فحريٌّ به أن يتغزل في حواسيب أخرى أو يهجو شبكة الانترنت، الأمور التي ستكون تافهة وبئيسة.
هل يمكن أن نبرمج الحاسوب بحيث يميز النصوص البليغة من غيرها؟

نعم، ولست أدري ماذا يمنع بُحَّاث الذكاء الاصطناعي العرب المتخصصين تحديدا في معالجة اللغة الطبيعية NLP من أن يمضوا قُدما نحو تحقيق ذلك! ولكنها كسالة هذا العصر، فكما تُرِك ابن تيمية في رده على المنطقيين لتحقيقاتٍ غربية أمتن من التحقيق العربي البئيس، سيُترَك هذا الشرف لغير العرب أيضا

قيل للعتابي: ما البلاغة؟ قال: كل من أفهمك حاجته من غير إعادة ولا حُبْسة ولا استعانة فهو بليغ. قال: فقلت له: قد عرفت الإعادة والحُبْسة فما الاستعانة؟ قال: أما تراه إذا تحدّث قال عند مقاطع كلامه: يا هناه ويا هذا وياهيه واسمع مني واستمع إلي وافهم عنّي أوَلَست تفهم؟ أولست تعقل؟ فهذا كله وما أشبه عِيٌّ وفساد.¹

بتعريف العتابي للبلاغة فإن مهمة التعرف على البليغ للحاسوب سهلة، ما على القوم سوى أن يجمعوا بيانات ضخمة جدا من النصوص العربية البليغة وغير البليغة، وأن يصنعوا نموذج لغة حاسوبي ليتعلم الفرق بينها من كثرة إلقاء النصوص فيه، ومن ثَمَّ يعرف القوم شغلهم!

~ 1. الجاحظ، البيان والتبيين، الجزء الأول، ص77، تحقيق درويش جويدي، المكتبة العصرية.
أعرفُ فَخارَ الشعر بثلاث: بما أحفظ منه، وبقولي إياه -وإن كان لا زال بدائيا- وباشتغالي عليه رياضيا وحاسوبيا.

وإثر شيء من وقت الفراغ، نفَّذتُ -من باب التسلية- عمليةً حاسوبية على 10 آلاف بيت من الشعر، فبانَ لي أنَّ عند الرياضيات ما تقوله عن الشعر العربي، خصيصا إذا تم التدعيم بالحوسبة، وقد رأيت أن بادئ النتائج يستحق النشر، فكتبتُ ورقةً في ذلك، إلا أنني رأيتُ أن أتأنى أكثر لعلي أحيطُ بالنتائج من زوايا أخرى مختلفة، وأطرقها من أبواب غير التي طرقت. سأعمل وسعي لفعل ذلك في أقرب وقت.
لولا صفاء الذهن لما استطعت أن أفكر وأقرأ وأدوِّن باستمرارٍ شبه يوميّ، ولا يصفو ذهني إلا باجتناب المشتتات واعتزال الملهيات، ومن جملة المشتتات الانترنت وما يجيء معه من يوتيوب وغيره، فهأنذا هنا مثلا أستخدم إضافةً على المتصفح تُعطِّل ظهور كل الفيديوهات المقترحة، فعندما أفتح اليوتيوب لا أذهب إلا لما أريد.

وفي هذا الكلام قاعدة عريضة: لا ينساق فكري إلا وراء ما أريد التفكير فيه، وما تسمح به حالتي المزاجية، فلا يُفرَضُ عليه شيء فرضا، ولا يُثْقَل بطوارئ الأمور وعوارضها، إن المشاريع لكبيرة، وإن الهم لعميق، وإن الانشغال لا يُصرَف إلا بثمن.
"عن محمد بن عبد الله الحافظ -بإسناده- قال: سمعت داود بن علي يقول:
كنت عند أبي ثَوْرٍ إذ دخل عليه رجل فقال: يا أبا ثور. أما ترى هذه المصيبة التي نزلت بالناس؟ قال: وما هي؟ قال: يقولون: إن الثوري أفقه من الشافعي. فقال: يا سبحان الله، وقد قالوها! قال: نعم. قال: نحن نقول: إن الشافعي أفقه من إبراهيم النَّخَعي وذويه، وقد جاءنا هذا بالثوري"

~ مناقب الشافعي، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: السيد أحمد صقر، الجزء الثاني، ص277، مكتبة دار التراث.
هكذا تجري استضافة "الكتَّاب المبدعين"

س: هل ممكن "بدر رمضان" تعرف متابعينا على نفسها؟
ج: اسمي بدر رمضان، عمري 30 سنه، خريجة دراسات إسلامية قسم عقيدة وفلسفة

س: مَن مِن الكتاب تهوى "بدر" متابعته؟
ج: للأسف الشديد أنا لم اتابع أي كاتب لا قديم ولا جديد، بفضّل قراءة الكتب اللي بتساعدني على دراسة أفكاري الخاصة بالروايات

س: بدر" تحب تضيف شيء لقرائنا؟
ج: أحب أقولهم تمسكوا بحلمكم؛ لأنه هيبقى حقيقة لو آمنتم به.
وشكرًا ليكي يا بسمة على استضافتك الغالية، ويارب دايمًا أكون عند حسن ظن الجميع
"عن أبي محمد بن الفضل البزاز قال:

حججت مع أحمد بن حنبل، فنزلنا في مكان واحد، أو في دار -يعني بمكة- وخرج أبو عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- باكرا، وخرجت أنا معه، فلما صلينا الصبح درت المجلس فجئت مجلس سفيان بن عيينة، وكنت أدور مجلسا مجلسا طلبا لأبي عبد الله حتى وجدته عند شاب أعرابي وعليه ثياب مصبوغة، وعلى رأسه جُمَّة، فزاحمته حتى قعدت عند أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبد الله، تركتَ ابن عُيَيْنَة وعنده الزُّهْرِي، وعمرو بن دينار، وزياد بن علاقة ومِن التابعين ما الله به عليم؟ فقال: اسكت، فإن فاتك حديث بعلو تجده بنزول، فلا يضرك في دينك ولا في عقلك أو في فقهك. وإن فاتك عقل هذا الفتى أخاف أن لا تجده إلى يوم القيامة، ما رأيت أحدا أفقه في كتاب الله تعالى من هذا الفتى القريشي. قلت: من هذا؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي."

~ مناقب الشافعي، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: السيد أحمد صقر، الجزء الثاني، ص256، مكتبة دار التراث.
قلتُ، من الوافر:

إذا ما المرء لم يُهْمِمْ بنقدٍ ●●●● أديبٍ قيلَ شرٌّ مستطيرُ

وإن جاء الخَصِيُّ بقول عُتهٍ ●●●● أديبٍ قيل فكرٌ مستنيرُ

فما حد التأدب خَبِّروني ●●●● إذا ما العلم خَصَّته الحميرُ

فَإِنْ كَانَ التَّأَدُّبُ حَدَّ قَذْفٍ ●●●● لزمناه فما جَرَتِ الصرير

ولكن الصرير عليه تجري ●●●● كما تجري الرياح الزمهريرُ

يكنْ قذفا متى قلنا خصيٌّ ●●●● إذا لَقِيَ النساءَ فذا عقيرُ

ولكنَّ المَقَالَ مقالُ علمٍ ●●●● بِهِ يَتَكَشَّفُ الزَّيفُ الخَطِيرُ
"عن أبي منصور بن أبي محمد الفقيه قال: سمعت بعض فقهائنا يقول: بلغني أن الشافعي سُئل: أيجوز أن يتزوج الرجل على بيت شعر؟ قال: إذا كان البيت مثل هذا فنعم:
يريد المرء أن يعطى مناه ●●●● ويأبى الله إلا ما أرادا"

~ مناقب الشافعي، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: السيد أحمد صقر، الجزء الثاني، ص100، مكتبة دار التراث.
"دخل رجل على الشافعي رضي الله عنه وهو مستلق على ظهره فقال: إن أصحاب أبي حنيفة الفُصَحاء. قال: فاستوى الشافعي جالسا وأنشأ يقول:
فلولا الشعر بالعلماء يزري ●●●● لكنتُ اليوم أشعَرَ من لَبيدِ
وأشجعَ في الوغى من كلّ ليثٍ ●●●● وآل مُهلّب وأبي يزيدِ
ولولا خشيةُ الرحمن ربي ●●●● حَشَرْتُ الناس كلهم عبيدِي"

~ مناقب الشافعي، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: السيد أحمد صقر، الجزء الثاني، ص62، مكتبة دار التراث.
هذا جزء من مناظرة بين ملحد 'متخصص في التاريخ الإسلامي'، و'متخصص في العقيدة والفلسفة الإسلامية'.
يُقال أن من ذكاء المرء أن يختار من الخصوم خصما قويا ليناظره، فمثلُ هذا لا يناظَر.
00:22
وقتَ حسابي القديم لمَّا كنت أُكْثِر من النشر عن رد ابن تيمية على المنطقيين، أحد معارفي الذي لا يعرف عني سوى أنني شديد التقريع، رآني فقال لي: "مالك ولابن تيمية؟ هذا عالِم!"
فقلت له: "ومالي؟"
قال: "حتى العلماء لم يَسْلموا من شَرِّك!"

أخذت أبيِّن له ما كنتُ أنشر، فلمَّا فهم مقاصدي، فإذا به يقول: "لكنَّ ابن تيمية متشدد، وأنا لا أحب السلفيين!"

استحضرت ذلك لموقف شبيه حصل معي مؤخرا، إذ أرسلتُ الشعرَ الذي قُلتُه أخيرا لأحد الشعراء من معارفي القدامى، ووضعته بين علامَتَيْ اقتباس. فتفاعل بأحببته وقال: "جميل". فلمَّا علم أنه لي قال: "الزم الفلسفة والمنطق ودعك من الشعر فهو ليس لك."