تصوَّر أنك في حاجة أن تقرأ كتابا معينا من أوله لآخره لتحكمَ عليه وعلى كاتبه بالضحالة. وكأني بهؤلاء أصحابِ ذلك المطلَب البائس يُهَيَئ لهم أن كل القرَّاء على شاكلتهم، فلا بد أن ينتهوا من كامل الكتاب للحكم عليه، ولكنَّ غباءً مدقعا يتمظهر هاهنا، الكتاب في جوهره عنصران: أسلوبٌ ومضمون، الأسلوب هو الذي يكشف هوية الكاتب ومدى متانة فحاويه، والمضمون ممتدٌ على الصفحات الطوال، فما حاجتي بإنهاء المضمون كلِّه إذا كنتُ قد عرفت أن الأسلوب معطوب ومضروب؟ فعلى العكس من الشائع، الأسلوب لا المضمون هو البوابة الرئيسة إلى فكر الكاتب ونسق أفكاره واتساق أطروحاته، وأيُّ قارئ متمرس في وسعه اكتشاف تقاطيع ذهن الكاتب –على حد وصف شوبنهاور– من الصفحات الخمس الأولى، وإلا فكيف يقرر المرء أن ينهي هذا ويرمي ذاك أو يندم على شراءه؟

إن هذه الدعابة التي يتقافز بها القردة من أدعياء الثقافة لَهِيَ المبرر الأول للسطو على جيوب القرَّاء وأوقاتهم.