هل تسرق الفنون مفاهيما رياضية وحوسبية في التعبير عن نفسها؟ أليس بمُلاحَظٍ -مثلا- أن الفنون العظيمة وذات المعاني هي القادرة على التجرُّد والتجريد Abstraction؟ فانظروا مثلا إلى الشعر العربي: كلام يقوله أصحابه ونقرأه مكتوبا بعد مئات السنين إلا أنه محافظٌ على رونقه وعمقه، وهو وعلى أنه كلام إلا أنه يأخذ بسامعه أو حافظه إلى عوالم جديدة من الخيالات الخصبة. هذا تجريد، أليس كذلك؟ وانظروا مثلا للموسيقى الكلاسيكية، إذ تقف وراءها نظرية الموسيقى Music Theory ويتحد في إنتاج مقطوعاتها عدد كبير من الآلات، إلا أنك تسمعها -لو أردتً يعني- اليوم عبر ملف mp3، لا رقص فيها، ولا أشياء بصرية، ولكنها تأخذ الآذان كذلك إلى عوالم أخرى. هذا تجريد، أليس كذلك؟

ولكن فلنتجاوز هذا إلى لب القضية، ألا نرى أن الفن الرخيص هو الفاقد لمعاني التجريد هذه؟ أي أنه عاجز في أصله وأساسه عن التجرُّد! الأغاني أصبحت لا تعتمد على جودة الصوت ولا العمق الموسيقي، بل على الفتاة شبه المتعرية المحاطة ببعض الذكور في مقطع يسمونه "فيديو كليب"، وعلى إشغال المستمع والمشاهد بحركات الرقص والاستعراض الرخيص عديمة المعنى، والتي ليست في لبها فنا وليس لها أدنى علاقة بالفنون.