يزداد اقتناعي مؤخرا بأن دكاتير الجامعات لا يفرقون كثيرا عن الطلبة من حيث هم محكمون بنظام أبله يرغم أشدَّهم ذكاءً على أن يغدو بهلوانا في سيرك يصفق فيه الجميع للجميع.
الفارق في الشواكل فقط: الطالب يتوهم أنه محكوم بمن يفوقه علما وقدرا من المعرفة فيما الأخيرُ ليس في مكانة علمية 《شاهقة》عن طالبه، ولا هو بفائقه كلَّ ذلك المقدار المفترَض.
كما أن المحاضِر يظن أن مَن تحته يخضعون له ويرونه قدوة محتمَلة أو على الأقل يستفيدون —بحق— من علمه المزعوم، فيما هو ليس ذا تأثير يُذكَر على مشاوير الطلبة العلمية إذ تحكمها مُعطَيات ذات بأس أقوى على التأثير.
لعلَّ الحالة التي تستحق دراسةً أوسع وتمثِّل مشهدًا سينيمائيا أعقَد: رئيس الجامعة ومدراء الأقسام بالأخص الإدارية، فهؤلاء أوهمتهم مناصبهم الهشَّة أنهم في سلطة وسطوة تسوق الطلبة كقطيعٍ ممن مطلوبٌ منهم الطاعة وإظهار الاحترام، شيءٌ —هكذا— مثل النظام المدرسي في العصر القروسطي، إذ يرتهن تفوّق الطلبة بما يظهر عليهم من إقرار لتراتبية الهَرم الإداري. إلا أن الواقع يعكس حقيقةً أشد نصاعة، أيًّا تكون المسميات الإدارية والأدوار المنوطة بهؤلاء فإنهم ليسوا سوى أحجارا في رقعة أكبر قد تمثَّل مؤسسةً ضمن وزارة تتبع لدولة تحكمها تعقيدات أكبر، وهذي بدورها جزء من نظام أكبر.
ولذا فإن الطالب الذي سيوشك على إلقاء التحية أمام كل دكتور ويوقره على شاكلة مصطنَعة مفتَعَلة أكثر مما يحتملها مقامه الطبيعي، وينبري لإسباغ الهيبة على الإداريين في جامعته، ولذا فإن تصرفاته تلك ليست إلا نابعةً من استيعاب غير كامل ومفتقِرٍ لِمَا يمثّله دور المؤسسة الحقيقي الذي هو جزءٌ منه.