السِّجِلّ

سِجِلٌّ متَّصلٌ للخواطر والشذرات — من الأحدث إلى الأقدم. تصفَّحْ كصفحات، أو انتقلْ عبر الجدول الزمني، أو ابحثْ في كل شيء عبر ⌘K.

نوفمبر 2024 65 منشور

صفحة 24 من 59

نوفمبر 2024
تصوّر الموت منغِّصٌ للعيش، ولا يزداد المرء هناءً في الدنيا إلا كلما ازداد توهمه بابتعاد حتفه عنه وظنِّه أن آجال الآخرين أقرب من أجله.
الموت حقيقة مؤجَّلة، يصعب أن يتصالح معها الإنسان حينما تخصه ولكنه يراها عادية في غيره، ولكي يأخذ عِزَّه وينال مجده في مطاردة الحياة وما فيها عليه أن يتخلى عن تصويب أنظاره نحو حتمية فنائه، فهو يعيش كما لو أنه لن يموت البتة، ويخال أن استمتاعه سيدوم للأبد، ولذا فإنه يظل دوما راغبا في المزيد، وكلما شبع جاع أكثر.
"سأموت"، التوقف عند هذه الحقيقة المؤجلة وتمعنها وإمعان النظر فيها يقضّ المضجع ويسحق الكبرياء...
《من كانت له زوجة وأطفال فقد أعطى رهائن للحظ؛ لأنهم عوائق للأعمال العظيمة سواءٌ في الخير أو الشر. ولقد صدرت أحسن الأعمال وأعظمها فضلا على الناس من رجال غير متزوجين أو بلا أبناء، فهم تزوجوا الناس وأحبوهم تعويضا عن ذلك》

~ فرنسيس بيكون، أعمال فرنسين بيكون في خمسة مجلدات، المجلد الأول، الأعمال الأخلاقية، عن الزواج والحياة الفردانية، ص455. طبعة لندن الشهيرة.

قصد بيكون بجملة "أعطى رهائن للحظ" أن الزوجة والأطفال أصبحوا رهائن للمجهول، بسببهم يصبح الزوج أكثر حذرا، وأقل استعدادا للمغامرة والمخاطرة، ويعني بالحظ الاحتمالات الكثيرة التي قد تحكم وضعه وتوجهه في اتجاهات يجهلها.
اتسم فرنسيس بيكون، صاحب التصانيف الغزيرة، بازدواجية بل ازدواجيات في شخصيته تثير الدهشة. ففي حين أنه فيلسوف كبير وموسوعي حاذق إلا أنه كان منغمسا في الحياة وشهواتها كلَّ الانغماس. فيضع كتابه "تقدم التعلّم" عام 1605 ثم إذا به يرأس غرفة التعذيب الخاصة بالبلاط الملكي، ولم تنجح اهتماماته الفلسفية بصرفه عن السعي المجنون لبلوغ مكانة دنيوية مرموقة، فيبذل في سبيلها من أنواع الخسة وضروب النذالة بذلًا قلَّ أن يُوجد له نظير في التاريخ الثقافي. مثال ذلك أن إيرل أوف إسِّكس، أحد نبلاء البلاط المقربين منه، احتضنه ووفر له من سبل الحماية الكثير، بل منحه إقطاعية كاملة، فإذا ببيكون يشهد زورا ضده في إحدى الوقائع؛ الأمر الذي تسبب بإعدام إيرل! ولا تتوقف وقاحته هنا بل يأخذ بكل طيب نفس ألفًا ومائتي جنيه مكافأةً قدَّمتها له الملكة. وإذ سارع في تقلّد المناصب فحاز لقبَ "السير" لم يلبث أن أُدين بالرشوة وغُرِّم وأُقصيَ عن تولي المناصب أبد الآبدين.

يقول: 《إنني أطوي الجوانح على نزوع إلى البحث لا يتصف به أي إنسان آخر. وتعي ذاكرتي من السوابق القانونية أكثر مما يعرفه أي إنجليزي آخر، وأين هو قريني في اليونانية واللاتينية؟ فأنا، بالحقيقة دائرة معارف حية، وقد أدركت منذ صباي جوانب الخطأ وأسباب الشطط التي تردى فيها الفكر الإنساني منذ عهد أرسطو》

ويؤثر عنه -على اتساع كتاباته- أنه كان قادرا على ترديد ما ورد في كل كتاب من كتبه كلمة بكلمة من ذاكرته.

إنه فرنسيس بيكون، فيلسوف الشوارع!
لا يعرف القارئ العربي كتابا لفرنسيس بيكون سوى "الأورغانون الجديد"، ولكن هذه إحدى الطبعات الكاملة لأعماله، وهي حطبنا لهذا الشتاء، لعلها تنجح في تجديد مزاج القراءة.
نصيحة للقُرَّاء الحريصين على وقتهم

إذا لم تعرف ما في رأسك فلن تحسن إيصاله لغيرك، فيا لها من مهزلة حينما تُضَاف اللغة التعيسة والتالفة إلى الأفكار المشوَّشة التي لا يعرف صاحبها عنها أي شيء. بعض القُرَّاء يحار في فهم كتابات طغمة الأدعياء ممن اقتحموا عوالم الفلسفة والأدب على غفلة، في حين عليه ألا يتعب نفسه في مطالعتهم من الأساس. إن الوظيفة الرئيسَة للقارئ تتمثل في كشف وتتبُّع الكيفية التي يفكر المؤلفُ بها، فمن المقدمة بل من السطر الأول عليه أن يباشر التحقيقات الرصينة متعقِّبا أسلوب المؤلف في التفكير، التفكير؟ ها؟ نعم، التفكير، أوليس هذا مؤلِّفُك قد فكَّر فكتب؟ أم أن ما هو مكتوب يأتي من المحيط الأطلسي؟
وإنَّ أسلوب المؤلف في الكتابة، يكفي وحدَه لكشف طريقته في التفكير، إنني إذا ما أمسكت كتابا أقرؤه، جلس مؤلفه أمامي للاستجواب من أول صفحة، وأستطيع أن أتبيَّن كثيرا من أغراضه وطرائقه التي قد يحاول إخفاءَها، فإذا ما لمستُ عنده سوءا في التعبير يخفي وراءه اختلالا في التفكير عرفتُ من فوري أنه لا يحسن صنعته وأنه يكتب ما لا يفهمه هو نفسه، فعلى أي شيء أضيع وقتي في إكمال كتابه؟ ضعْ في حسبانك كلَّ الوضع أن عددا لا يُحصى من المؤلفين قد جلس ليؤلف وليست عنده أي بضاعة نقيّة في ذهنه ليطرحها، إنما قُصاصات من هنا وغيوم من هناك، وتشوّشات جمعها في جُمل مبهمة لم يحسن حتى أن يلبسها لغةً جميلة، وليس ضروريا لكي تكتشف طرائقه في التفكير أن تلم بكل منتوجه، بل يكفي -كما أشار شوبنهاور- أن تتبين الكيفية التي يفكر بها، وهاهنا يظهر الأسلوب الكتابي بوصفه البوابة الفاضحة، فهو الجسر الرابط بين ما في ذهن الإنسان وبين الفرصة الأخيرة للكشف عنه، فإما أن يظهر صافيا مترابطا وإما أن يتبدّى مشوَّهًا لا ترابط بين أجزائه، فالمؤلف الذي لم يحسن التفكير لن يحسن الكتابة فيفضحه أسلوبه، لذا فإن إصرار القرَّاء على مطاردة بعض الكتب وملاحقة بعض أدعياء الصنعة يجعل الحالَ كالسيرك حقا، منصة وجمهور في عروض بالية لا تقدم ولا تؤخر.
حدسية abc التي تبدو هيِّنة استغرقت من موتشيزوكي عام 2012 إثباتا من 500 صفحة، فأتى ياماشيتا عام 2017 ب300 صفحة أخرى من التوضيحات، وفي عام 2018 اكتشف شلوتز وستيكس خللا في النتائج، ليخرج موتشيزوكي بعدها موضِّحًا أنهم أساؤوا فهم جوانب عديدة من النظرية وقاموا بتبسيطات مُخِلَّة.

هي ذي المنهجية الطبيعية في التعامل مع المسائل العلمية الدقيقة، فمثل هذه الأمور ليست متروكة للجزيرة ولبعض المهرجين في الجامعات العربية

الصورة من محاضرة مقدَّمة للرياضياتيين عن لغة البرمجة هاسكل

https://youtu.be/qaPdg0mZavM?si=bdYVenstAqFHW1Ia
قيس العصا
"وأجمل ما فيه حبه للنزهات الخلوية في الغابات والجبال، فساعات العزلة والنزهة كانت تقوم عنده مقام الصلاة، يصغي خلالها إلى حفيف الأشجار ووقع قطرات الماء ويسمع أصواتا غريبة...لقد كان يبكي إذا مات عصفور"

~ هيرمان راوشنغ، محادثات مع ه.ت.ل.ر، 1932-1934.
ما هو التشفير من طرف لطرف End-to-end encryption الذي ترونه عند استعمال الواتس أو الماسنجر؟ ولماذا يقتضي منع مقدمي الخدمة أنفسهم -كالواتسآب أو التلغرام- من الوصول للمحادثة؟

يعتمد هذا التشفير على أساسات كثيرة، أولها التعمية المتناظرة Symmetric-key cryptography، وهنا عندنا خوارزميات AES (Advanced Encryption Standard) التي تستخدم المفتاح ذاته للتشفير ولفضّ التشفير. تشتغل AES على 128 بِتْ مع حجوم للمفاتيح من 128 و192 و256 بت.

ولكنَّ التعمية غير المتناظرة Asymmetric أكثر تقدما، ومن أشهر خوارزمياتها RSA المسمَّاة على أسماء ثلاثة علماء تشفير، وECC (Elliptic Curve Cryptography)، هذه الخوارزميات تستعمل زوجا من المفاتيح — مفتاح عام للتشفير ومفتاح خاص لفضّ التشفير

إذن فكل مستخدم يولد زوجا من المفاتيح، المفتاح العام تجري مشاركته مع الطرف الثاني في حين يبقى المفتاح الخاص معروفا لصاحبه فحسب، وعملية توليد المفتاح تتضمن اختيارا للمعاملات تختلف باختلاف الخوارزمية المستعملة، ففي RSA: يجري توليد عددَيْن أوليَّيْن كبيريْن جدا p وq، وبحساب المودولاس
n = pq
واختيار أسّ التشفير e مع
φ(n) = (p-1)(q-1)
كعددين أوليين فيما بينهما فإن أسّ فضّ التشفير d يجري حسابه كمعاكس ضربي نمطي Modular Multiplicative Inverse ل
e modulo φ(n)

ولإنشاء نظام آمن للتشفير المتناظر يجري المستخدمون بروتوكولا لتبادل المفاتيح، كDiffie-Hellman:

1. يتفق قيس وليلى على عدد أولي p ومولِّد g
2. تختار ليلى رقما سريا a، تحسب A = g^a mod p، وترسل A لقيس.
3. يختار قيس رقما سريا b، يحسب B = g^b mod p، ويرسل B لليلى.
4. تحسب ليلى السر المشترك s = B^a mod p
5. يحسبه قيس كذلك، s = A^b mod p

والآن لدى كل من قيس وليلى نفس السر المشترك
s = g^(ab) mod p
والذي لا يمكن لأي طرف دخيل يعرف A وB فحسب أن يحسبه.

يتبع...
مؤثرو شبكات التواصل خصوصا أصحاب المحتوى المرئي، وتحديدا الذين يكونون بأنفسهم البضاعةَ التي يجري تسويقها، اعتمدوا في نجاحهم على عاملَيْن: إغراء المتابعين والتعويل على غبائهم. هل يستطيع امرؤٌ في رأسه عقل أن يبيِّن لي معنًى واحدا وراء فتاة عندها مليون متابع لا شغل لها إلا هزّ خصرها وليّ أنفها وطعج فمها ووضع ذلك في فيديو تكتب فيه تقلباتها الهرمونية؟ ماذا يفعل الملايين هناك؟ وهي ماذا تفعل؟ ثم إذا لقيها "الجماهير" في الشارع انهالوا عليها بالعناق وأخذوها بالأحضان، هو ذا تعريف شهرة الإنترنت، هز خصرك والوِ أنفك واطعج فمك ولن يصفِّق لك الناس فحسب بل سيجعلونك تصفّق على مؤخراتهم. بئس الإنترنت هذا.
قيس العصا
خطة خارطة طريق لدراسة البلوكتشين، أصيغها من خلال تجربتي

بإيجاز سريع غير مخِلّ، نعرف البلوكتشين، سمحت تكنولوجيا الحافظة الموزعة(Distributed Ledger-DLT) بالتضافر مع علم التشفير بظهور ما نعرفه اليوم مما يسمى بالبلوكتشين؛ فمن حيث أبسط التعريفات الممكنة فإن البلوكتشين هو بنية بيانات(Data Structure) ومن حيث تعريف معقد فإن تلك البنية هي حافظة موزعة من الكُتل النامية والتي يكون بعضها مرتبطا بأمان بالبعض الآخر من خلال خوارزميات تشفير معينة

ولئلا ينقلب المنشور إلى ساحة أكاديمية أبدأ في خرط الخطة، بدايةً، ولشح المصادر، أرى أن أمام الدارس خيارَيْن أولاهما أن يحاول الدراسة من يوتيوب وهذا في نظري غير فعال كثيرا، لقلة الفيديوهات المخصصة للبلوكتشين ولانعدام عمق التغطية، أما الثاني والذي أريد الحديث عنه فهو الدراسة الممنهجة من الكتب

للبدء في رحلة هدفها أن تصنع مطور أو مبرمج بلوكتشين فإن أمورا عمومية يجب أن تُغطَّى وُتعطى، وهي الأشياء المفاهيمية التي تلزم أي شكل من أشكال التطوير التي سيسمى عليها الدارس لاحقا، وعند هذا الجزء لست أعرف كتابا أعظم ولا محتوىً أجمد من كتاب تريكاتي ولبتون
[Blockchain and Distributed Ledgers: Mathematics, Technology, and Economics]

الآن، تقريبا هذا الكتاب عبارة عن وصفة سحرية لأنه سيختصر على الدارس طريقا طويلة في تشذيب المفاهيم وتهذيب المضامين، فبعده يكون ممتازا أن تبدأ الدراسة في علم التشفير، وواحدة من أقصر الطرق أن يُمسَك كتاب أندرياس بولفينغ
[Cryptographic Primitives in Blockchain Technology: A Mathematical Introduction]
فهو يكاد يكون الكتاب الوحيد في علم التشفير المخصص للبلوكتشين

هاهنا، وإذا ما هضمت الكتابين السابق ذكرُهما فإنك على جهوزية جيدة للبدء في دراسة التطوير الفعلي، إذ ستحتاج لغةً برمجية محببة للإندستري مثل[Solidity, Rust, Go...etc]، ولأن الموضوع يصبح مرهقا إذا كان مفصِّلا حين انعدام الحاجة لتفصيله، فإنني أتوقف هنا وأترك الأمر لمن يريد الدراسة بعد إنهاء الكتابين إذ سيكون قادرا على شق بقية الطريق وحده

في الصورة مكتبتي الإلكترونية للبلوكتشين، تُجاوز 150 كتابا

تتمة للمنشورات السابقة: هذه مجموعة من 20 كتابا، تغطي مستويات عديدة في علم التشفير، لغة البرمجة Solidity وبلوكتشين الإثيريوم، وبلوكتشين Hyperledger Fabric، بالإضافة إلى قليل من موضوعات أخرى هنا وقليل هناك.
"حب الوطن هو شغف الحمقى وأشد المشاعر حماقة"

~ آرتور شوبنهاور، الحواشي والبواقي
وجبة لذيذة في علم التشفير من 600 صفحة، السيطرة على العالم تبدأ من هنا.
أقترح ترجمة Social Media على "شبكات الإنترنت الاجتماعية" وأي معنى يطوف حول الوصف الأخير قد يفي بالغرض، إلا أن ترجمتها ب"مواقع التواصل" قبيحة جدا ولا تستقيم لمن له آذان.

عنصرٌ أساسي في لفظ Social Media هو التقنية، ولنقل أن الإنترنت هو الدعَّامة الحقيقية لوجود هذه الشبكات.

من يعرفني هنا جيدا يدري بأنني أبذل جهدا مستمرا في ترجمة كلمات كثيرة لم تترجم من قبل وليست بذات شهرة أو تقويم ما هو مترجم إلى ما هو أنسب. وأظنني اصطلحت على ترجمات جديدة اتضح أنها لائقة، كاصطلاح [علم التحسيب] الذي اتخذ مكانه بدلا من [علم الحاسوب] لأنني أؤمن بأن الاسم الصحيح في الإنجليزية أصلا هو Computing Science وليس Computer Science متأثرًّا أشد التأثر في هذا الصدد بألمعِ ألمعيي علماء التحسيب أيدسكر دايكسترا.

وقد لاقى هذا الاصطلاح رواجا جيدا هنا على الشبكة وبعض مواضع الإنترنت، كذلك استخدمه بعض الدكاتير عندنا في الجامعة.
من الشقّ النظري، فجُلُّ العلوم في الوسع دراستها دراسة ذاتية لا يلزمك فيها أستاذ يلقي عليك أو جامعة ترتب لك موضوعاتك، أما من الشق العملي فتتخذ القضية منحًى مختلفا إذ ليست الدراسة الذاتية بصالحة لكل الناس ولا يستطيعون على اختلاف أمزجتهم وقدراتهم أن يتَحَصلوا على العلوم بكفاءة كالتي تتأتى للطالب الجامعي أو غيره.

وفي حين أن الدراسة الذاتية تتطلب جهدا أكبر أو تركيزا أعمق وخطة محكمة مع انضباط عظيم، إلا أنني أرى فيها مَسْلكا شاحذا للقريحة يفوق مسلك التلميذ وأستاذه، وقد لا نخطئ لو قلنا أن الإنسان الذي يدرس وحده يشبه امرأً معزولا في جزيرة وقد تحتم عليه أن يجد سبل النجاة ويصارع ليصل ويبقى.

وبينما استطعت أن أنكبّ على حقول علمية واسعة وأصل فيها حدا من الإتقان والبراعة فُقْتُ فيها كثيرا من الأكاديميين الذين درسوا بالطريقة التقليدية وحصَّلوا شهادات عليا، إلا أنني فشلت في استئناف دراساتي لحقول أخرى، وحتى في الحقول التي تمكنت منها واجهتُ ضياعًا وتشتتًّا عند البدء. ولا زلت على أية حال أرى بأفضلية التعلم الذاتي على غيره ومتيقن من أنه يحمل في طياته عظَمَةً لا تُبارَى. الحقُّ أن مزاجي الذي يفرضُ علي وضعا خاصا إذ أنه شديد التقلب سريع التذبذب قد نغَّص علي كثيرا في بداياتي فقضيت بضعا من السنوات حتى غلبته وعبرتُ خط الأمان، ولذا فإنني أتروى كل التروي حينما يطلب أحدهم نصيحتي حول الدراسة الذاتية، فللقضية تلابيب عميقة قد تنسحب على امرئ بعينه ولا تنسحب على غيره.

ولألَخِصَّ شيئا مما أود قوله وعلى شاكلة تخصني وحدي أقول عبرها أمرا شخصيا، لم أبدأ التعلم الذاتي ولم أتخذ قرارا باعتماده مصدرًا جوهريا لدراساتي العلمية إلا لأنه لم يَرُقْ لي أن يرسم لي أحدهم مسارا ولذا وجدت في الانكباب الفوري على الكتب عزاءً شديدا أفرحني وانتشلني من الحزن والكآبة الغَميقة التي مُنِيَ بها مزاجي واتصفت بها شخصيتي، فلا أحب أن يتوقع مني أحد أن أرشح له مسارا ذهنيا بالنيابة عنه هو، قد تسألني في قضية علمية فأجيبك، وتسألني في خطة لدراسة علم فأجيبك، ولكنّ سؤالك إياي عما يناسبك فذي تجارة لا أرتضيها ولا أرضى نقودها وأرفضُ أن أبيعك دور الطبيب أو المعالج النفسي اللذين لم أقتنع يوما بجدوى وجودهما من الأساس، فاسأل نفسك أولا واعرفها جيدا واسعَ وراء أسرارها، بذا تكون أحطت بما يلزمك جوهريًّا والبواقي حواشٍ تستكملها من هنا وهناك...
《إننا نعلم أن الرياضياتيين لا يهتمون بالمنطق كما أن المناطقة لا يهتمون بالرياضيات. للعلم الدقيق عينان، وهما الرياضيات والمنطق، أما الطائفة الرياضية فتُعمي العين المنطقية، وأما الطائفة المنطقية فتعمي العين الرياضية، وكلّ واحدة تعتقد أنها ترى عبر عين واحدة بوضوح أكبر من الرؤية بكلتَي العينَيْن》

~ أغسطس دي مورغان
The Athenæum, 18/7/1868, p.71
عند الحديث عن قصص من قَبيل أن أديسون فشل مرات عديدة وظل يحاول غيرَ يائس حتى نجح، تُرسَم صورة وردية تُحشى في رؤوس الناس حشوا مفادُها أن الأمل العظيم والإصرار على المواصلة مصيرُهما نجاح مؤكد وتحقيق للأماني. لكنَّ المذكور عن أديسون أو غيره لا يمثل عشر معشار القضية، فالمسحوقون والمحطّمون مغيَّبون عن الشاشة أمامك لا تسمع لهم حسًّا ولا يصلك منهم خبرٌ، هذا إنْ مرَّوا في بالك كخاطرة قصيرة من الأساس، إنهم محرومون حتى من أن يخطروا على ذهنك أو أن تفكر بهم. إنْ كان للدنيا شرورٌ تُعرَف بها فالأمل أكبرُها، الأمل مسؤولٌ عملاق عن قضّ مضاجع البشرية بأكملها ولم يَجْرِ بنو آدم وراء سراب عظيم خدَّاع كجرْيِهم وراء الأمل، وقد شربوا من مياه طمعًا في النجاة فاتضح أنها مُسْكِرَة...
على المقاييس المتعلقة بالشخوص وأحوالهم، ذهنيةً كانت أو رهينة بظروف، فقد يغيِّر المرء معاييره كل يوم وتنقلب رؤاه بين عشية وضحاها وما من امرئ لم تتبدل قناعاته أو تتزحزح آماله، هذا مفهوم. ولكنًّ القماءة كل القماءة أن يسعى ابن آدم المتقلب الذي لا يملك من أمره شيئا فضلا عن أن يملك من أمر غيره، إلى محاكمة نفوس غيره ظنا منه بانسحاب ما هو فيه توًّا ولحظةً من ظروف على مَن سواه، ليسارع بعدها في شق الصدور واستكشاف النوايا، قُبحا لحالٍ كذي، إن المرء ليجلس حياته بأكلمها ولم يعرف ذاته تمام المعرفة ولا هو سبر أغوار نفسه فليس عنده أساسا من حكم يستطيع تقديمه لنفسه بينه وبينها، فإذا به ينبري متفرِّغا للناس. أيُّ قبحٍ شرٌّ من هذا؟
أذكى طرائق التسويق أن تبيع ما لستَ تملكُه، وأن تستفيد مما ليس عندك، وتكون ماهرا جدا لو كانت البضاعةُ المتداوَلَة هي أنت.

سأطلق قريبا شبكة إلكترونية تأخذ اسم SpotTheScam.org وفيها لائحات عريضة بأسماء المخادعين من أمثال كمال المرزوقي هذا، وشخوص النصابين الذين وصلوا حدًّا عاليا من التغرير بشريحة واسعة من الجماهير، ستتمثل وظيفة الموقع في تتبع أكاذيبهم وإثباتها بالحجة والدليل ومن ثَمَّ فضحهم والتحذير منهم. وستطال يد موقعنا هذا كلُّ من تسوِّل له نفسه ادّعاء ما ليس فيه زورًا وبهتانا واستخفافا بالعقول، وبذا فإنَّ المجال مفتوح أمام مَن لم يحسن آباؤه تربيته ليذوق طعم الأدب من جديد.
إجادة ركوب الترند تتطَّرد مع العجز عن التأثير في فحاويه، فإذا عَدِم امرؤٌ صناعة القرار، فإنه يحاول أن يكون جزءا من صناعته، فإذا عدم، فإن آخر أمنياته أن يكون من جُملة المتأثرين به.
إذا ما أتقنت الرياضيات اللازمة لعلم الحاسوب (رياضيات التقطيع) وزِدْتَها بالرياضيات التي لا تلزم لعلم الحاسوب، كسائر حقول الرياضيات المتصلة، فإنك دبَّابة قادرة على قذف الصواريخ.

جُلّ الطلبة لا يتقنون الرياضيات المتقطعة فضلا عن المتصلة، ثم إذا بهم يخالون أنفسهم مَهَرَة تحسيبيًّا! عزيزي المبرمج الذي لا يعرف سوى البرمجة إنك مجرد حِرَفَي أو مِهَني ولست برجل علم، يمضي عمره في دراسة علم الحاسوب والاشتغال كمبرمج أو مطور برمجيات إلا أن بينه وبين علم الحاسوب جبال بعيدة

وكما قال دايكسترا: تسمية علم التحسيب Computing Science بعلم الحاسوب تشبه تسمية الجراحة الطبية بعلم السكاكين! أو كما هو منحولٌ عليه: علم الحاسوب ليس عن الحواسيب مثلما أن علم الفلك ليس عن التلسكوبات.

ملاحظة: المذكور أعلاه ينطبق على أغلب دكاتير علم الحاسوب في الجامعات العربية وليس على الطلبة فقط.

يتبع...
قيس العصا
كان جون فون نويمان، عند السادسة من عمره، يقسِم ويضرب رقمين من 8 منازل في رأسه
وفي رأسه أيضا، كان يستطيع حساب π إلى المنزلة 23,000

في حين أن أول جهاز حاسوب[ENIAC] تم استخدامه لحساب π، والذي -بالمناسبة- كان جون فون نويمان الشخصية الرئيسية وراء تطويره وتصميمه، حسب π إلى المنزلة 2,037

ما شاء الله! الرجل يعيش ويموت قبل أن يتمكن الحاسوب -الذي صممه بنفسه- من أن يسبقه في العمليات الحسابية!
أحسن ما قد يقدمه عدوٌّ لي أن يقلل من شأني، فذلك وضعٌ قابل للاستغلال جيدا، إنه مثل أن تُدعَى إلى مبارزة فيجلب خصمك سكينًا، وأنت تجلب ابتسامة...ومسدسًّا.