نصيحة للقُرَّاء الحريصين على وقتهم
إذا لم تعرف ما في رأسك فلن تحسن إيصاله لغيرك، فيا لها من مهزلة حينما تُضَاف اللغة التعيسة والتالفة إلى الأفكار المشوَّشة التي لا يعرف صاحبها عنها أي شيء. بعض القُرَّاء يحار في فهم كتابات طغمة الأدعياء ممن اقتحموا عوالم الفلسفة والأدب على غفلة، في حين عليه ألا يتعب نفسه في مطالعتهم من الأساس. إن الوظيفة الرئيسَة للقارئ تتمثل في كشف وتتبُّع الكيفية التي يفكر المؤلفُ بها، فمن المقدمة بل من السطر الأول عليه أن يباشر التحقيقات الرصينة متعقِّبا أسلوب المؤلف في التفكير، التفكير؟ ها؟ نعم، التفكير، أوليس هذا مؤلِّفُك قد فكَّر فكتب؟ أم أن ما هو مكتوب يأتي من المحيط الأطلسي؟
وإنَّ أسلوب المؤلف في الكتابة، يكفي وحدَه لكشف طريقته في التفكير، إنني إذا ما أمسكت كتابا أقرؤه، جلس مؤلفه أمامي للاستجواب من أول صفحة، وأستطيع أن أتبيَّن كثيرا من أغراضه وطرائقه التي قد يحاول إخفاءَها، فإذا ما لمستُ عنده سوءا في التعبير يخفي وراءه اختلالا في التفكير عرفتُ من فوري أنه لا يحسن صنعته وأنه يكتب ما لا يفهمه هو نفسه، فعلى أي شيء أضيع وقتي في إكمال كتابه؟ ضعْ في حسبانك كلَّ الوضع أن عددا لا يُحصى من المؤلفين قد جلس ليؤلف وليست عنده أي بضاعة نقيّة في ذهنه ليطرحها، إنما قُصاصات من هنا وغيوم من هناك، وتشوّشات جمعها في جُمل مبهمة لم يحسن حتى أن يلبسها لغةً جميلة، وليس ضروريا لكي تكتشف طرائقه في التفكير أن تلم بكل منتوجه، بل يكفي -كما أشار شوبنهاور- أن تتبين الكيفية التي يفكر بها، وهاهنا يظهر الأسلوب الكتابي بوصفه البوابة الفاضحة، فهو الجسر الرابط بين ما في ذهن الإنسان وبين الفرصة الأخيرة للكشف عنه، فإما أن يظهر صافيا مترابطا وإما أن يتبدّى مشوَّهًا لا ترابط بين أجزائه، فالمؤلف الذي لم يحسن التفكير لن يحسن الكتابة فيفضحه أسلوبه، لذا فإن إصرار القرَّاء على مطاردة بعض الكتب وملاحقة بعض أدعياء الصنعة يجعل الحالَ كالسيرك حقا، منصة وجمهور في عروض بالية لا تقدم ولا تؤخر.
إذا لم تعرف ما في رأسك فلن تحسن إيصاله لغيرك، فيا لها من مهزلة حينما تُضَاف اللغة التعيسة والتالفة إلى الأفكار المشوَّشة التي لا يعرف صاحبها عنها أي شيء. بعض القُرَّاء يحار في فهم كتابات طغمة الأدعياء ممن اقتحموا عوالم الفلسفة والأدب على غفلة، في حين عليه ألا يتعب نفسه في مطالعتهم من الأساس. إن الوظيفة الرئيسَة للقارئ تتمثل في كشف وتتبُّع الكيفية التي يفكر المؤلفُ بها، فمن المقدمة بل من السطر الأول عليه أن يباشر التحقيقات الرصينة متعقِّبا أسلوب المؤلف في التفكير، التفكير؟ ها؟ نعم، التفكير، أوليس هذا مؤلِّفُك قد فكَّر فكتب؟ أم أن ما هو مكتوب يأتي من المحيط الأطلسي؟
وإنَّ أسلوب المؤلف في الكتابة، يكفي وحدَه لكشف طريقته في التفكير، إنني إذا ما أمسكت كتابا أقرؤه، جلس مؤلفه أمامي للاستجواب من أول صفحة، وأستطيع أن أتبيَّن كثيرا من أغراضه وطرائقه التي قد يحاول إخفاءَها، فإذا ما لمستُ عنده سوءا في التعبير يخفي وراءه اختلالا في التفكير عرفتُ من فوري أنه لا يحسن صنعته وأنه يكتب ما لا يفهمه هو نفسه، فعلى أي شيء أضيع وقتي في إكمال كتابه؟ ضعْ في حسبانك كلَّ الوضع أن عددا لا يُحصى من المؤلفين قد جلس ليؤلف وليست عنده أي بضاعة نقيّة في ذهنه ليطرحها، إنما قُصاصات من هنا وغيوم من هناك، وتشوّشات جمعها في جُمل مبهمة لم يحسن حتى أن يلبسها لغةً جميلة، وليس ضروريا لكي تكتشف طرائقه في التفكير أن تلم بكل منتوجه، بل يكفي -كما أشار شوبنهاور- أن تتبين الكيفية التي يفكر بها، وهاهنا يظهر الأسلوب الكتابي بوصفه البوابة الفاضحة، فهو الجسر الرابط بين ما في ذهن الإنسان وبين الفرصة الأخيرة للكشف عنه، فإما أن يظهر صافيا مترابطا وإما أن يتبدّى مشوَّهًا لا ترابط بين أجزائه، فالمؤلف الذي لم يحسن التفكير لن يحسن الكتابة فيفضحه أسلوبه، لذا فإن إصرار القرَّاء على مطاردة بعض الكتب وملاحقة بعض أدعياء الصنعة يجعل الحالَ كالسيرك حقا، منصة وجمهور في عروض بالية لا تقدم ولا تؤخر.