السِّجِلّ

سِجِلٌّ متَّصلٌ للخواطر والشذرات — من الأحدث إلى الأقدم. تصفَّحْ كصفحات، أو انتقلْ عبر الجدول الزمني، أو ابحثْ في كل شيء عبر ⌘K.

يناير 2024 82 منشور

صفحة 54 من 59

يناير 2024
"قال مسكويه: كان ابن المقفَّع يقِف قلمُه كثيرا؛ فقيل له في ذلك، فقال: إن الكلام يزدحم في صدري فيقف قلمي لأتخيَّره.
والكتاب يُتصفَّح أكثرَ من تصفُّح الخطاب، لأن الكاتب مختار والمخاطب مضطرّ؛ ومن يَرِدُ عليه كتابك فليس يعلم أسرعتَ فيه أم أبطأت وإنما ينظر أصبتَ فيه أم أخطأت، وأحسنتَ أم أسأت؛ فإبطاؤك غيرُ إصابتك كما أن إسراعك غير مُعَفٍّ على غلطك."

~ الإمتاع والمؤانسة، ص 66، أبو حيان التوحيدي، المكتبة العصرية، 2019.
(1)
لعلَّ الاشتغال البحثي المُجِدَّ على العلوم الطبيعية هدفٌ عريض لِأَنْ تسيء شرائح واسعة من الطلبة فهمَه، فهو وإن كان يُساءُ فهمُه عبر العصور بعمومها، يبقى لهذا العصر دورٌ أقبح في اللغط الذي يقوم حوله، فَذَا الانترنت وفَّر -بتسهيله المعرفةَ وتسطيحه للعلوم- بيئةً متسخة لانتشار ملايين "الأوراق البحثية" سنويا، إذ نُشِرَ سنة 2022 ما يزيد عن خمسة ملايين ورقة بحثية، لكنَّ التقدم المعرفي الفعليَّ في الحقول العلمية لا دَخْلَ له بهذي الضوضاء الزائدة التي تجعجع بها عشرات الآلاف من المجلات الأكاديمية سنويا، فقد نشرت مجلة نِيتْشَرْ Nature عامَ 2023 دراسةً¹ بحثت فيها الثورية Disruptiveness التي تتسم بها الأوراق العلمية وبراءات الاختراع، مفادُها أن الفترة ما بين عامَي 1945 و2010، شهدت انخفاضا في الثورية بنسبة 91.9% في العلوم الاجتماعية، وبنسبة 100% في العلوم الفيزيائية، وذا يَشِي بأنه على العكس من العصور السابقة، فإن الأوراق البحثية وبراءات الاختراع أقل تأثيرا من أن تدفع بالعلوم والتكنولوجيا في اتجاهات جديدة.

يتبع...

1.[https://www.nature.com/articles/s41586-022-05543-x]
"فضرورةُ الكلام وورطةُ عدم وجودِ ما يقال وشهوةُ التَكَيُّس أمورٌ ثلاثة يُمكِنها أن تُحول أعظم رجل إلى مهزأة، وهم إذا كانوا راغيبن عن إيجاد أفكار جديدة فإنهم بحثوا عن لباقاتٍ جديدة فتكلموا بلا تفكير، كمنْ يعلُكُ بلا عِلْكٍ، وتظاهروا بالأكل مع خورهم جوعا"

~ فولتير، رسائل فلسفية، 1734، حول الأكاديميات، ص170، ترجمة عادل زعيتر
اختيار العناوين على ذي الشاكلة مَرَدُّه الركض وراء ما قد يجذب الناس، وما قد يشدُّ غباءَهم وسذاجتهم، فهذا صاحب المقال يكتب عن نفسه: [مؤلف له أكثر من عشرين كتابا ومئات الدراسات الدينية والأدبية]، قد تصدَّر ليعرِّف شوبنهاور إلى الناس، ولم يجد تعريفا أدق من "الفيلسوف الذي يكره النساء"، فذا يشبه أن تكتب مقالةً أكاديمية عن الرياضيات وتعرِّفها: "العلم الذي يكرهه التلاميذ"، أو تصف الحاسوب بِ"الجهاز الذي يرهِق العينين".

ولكنَّ هذي الضروب التي يتردى فيها أمثال الكاتب هذا، ليست إلا صدىً للضحالة التي تعاني منها عقولهم، فكيف سيخرُج بمقال جديد يضيفه إلى قائمة "مئات الدراسات الدينية والأدبية"، إذا لم يرغي ويزبد ويجتذب الجمهور؟ فالحديث عن سيرة حياة شوبنهاور، أسهل وأرخَى عليه من أن يعذِّب نفسه بالاطلاع على أعمال شوبنهاور الفلسفية، لكنه يأبى إلا أن يزج بتفاهاته، وأن يقدِّم إلى القارئ فلسفة شوبنهاور معلَّبةً من خلال تتبع ما فعله في حياته، وأنه كان على خلافاتٍ مع أمه، وأنه "فشل" في التدريس في الجامعة، هاهنا يصبح الكاتب مدعاةً للشفقة، فكما أن العلوم الشعبوية مخلِّةٌ بما عليه العلم حقا، فإن التعامل مع الفلسفة على الطريقة الشعبوية ما هو إلا التردد ذاته للجري وراء استقطاب أوسع شريحة ممكنة من الجماهير التي تستهويها العناوين البراقة دون أي اهتمام حقيقي فيما تحويه تينك العناوين.
أتممت قراءة الأعمال الفلسفية الكاملة لديفيد هيوم، جمعها ناشرون إنجليز في أربع مجلدات، تزيد عن 2200 صفحة، هي على وجه الرئاسة ثلاث مجلدات ألفها هيوم مغطيةً نفس الرسالة، "رسالة في الطبيعة البشرية"، ثم حسَّنها بالرابع.

كان هيوم قد أنهى الثلاثة الأُوَل بين عامي (1739—1740)، ورأى فيها تمامَ مُنْجَزه الفلسفي، إلا أنه هُوجِم في أسلوبه بشدة، فقرر الاشتغال على أفكاره من جديد بجهوزية رآها أرصَن، وبِذَا ظهر المجلد الرابع، وهاهنا وقع بعض المحققين في حيص بيص، إذ أشكل عليهم فعلُ هيوم، وظنوا أنه يلغي بمجلده الرابع عمله الأول، الذي يشكِّل مادةً أدسَم، وسياقا أطول، مدعين أن المجلد الرابع أنضجُ فلسفيا، وأن هيوم تنصل من العمل الأول لأسباب فلسفية، إلا أن ما دعا هيوم إلى ذلك كان ما كان من الرؤية الأدبية، فالظاهر من العمل المتأخر تحسينٌ في الأسلوب وتنقيحٌ للحجج، ليس تغييراتٍ جذرية طالَت مذهبه.

إلا أن موسى وهبة أحب أن يستأنس بما يقرره المحققون، فعمِدَ إلى ترجمة كتاب من العمل المتأخر، في 200 صفحة، مفترضا أن هذا كافٍ للقارئ العربي كي يُلِم بهيوم! ويخطئ حتى حينما يتسأنس بغيره من المحققين، إذ أن العمل الذي أراد به هيوم أن يأتي كبديل لمجلداته الأولى "الرسالة"، لم يكن كتاب "مبحث في الفاهمة البشرية" فحسب، بل مضافًا إليه "مبحث في مبادئ الأخلاق"، و"التاريخ الطبيعي للدين"، ومقالات عديدة غطَّت كثيرا من الموضوعات.

ولمَّا كان هيوم إنجليزيا، كانت قراءته بالإنجليزية أمتع وأكثر إفادةً، بالأخص حينما ينقل إلى لغتنا أعمالَه أمثالُ موسى وهبة.
"إلا أن من شأن الاستبعاد الكلي لصورة أقل إيجابية لمستقبل أمريكا أن يكون تعبيرا عن نزعة انهزامية بلهاء، نزعة هروبية مشحونة بالبهجة البليدة. ثمة ثلاثة سيناريوهات أساسية عن كيفية وتوقيت حصول انهيار أمريكا المحتمل، تخطر بالبال. قد يأتي النقيض المتطرف منطويا على أزمة مالية حادة تفضي بغتة إلى إغراق أمريكا وجزء كبير من العالم في مستنقع ركود اقتصادي مدمر، وحالة النجاة بأعجوبة التي عاشتها أمريكا في 2007 تذكر بأن مثل هذا السيناريو المنذر بكارثة ليس افتراضيا مئة بالمئة.
متضافرةً مع جملة العواقب المدمرة لأي تورط عسكري مصعَّد في الخارج، يمكن لكارثة كهذه أن تُعجِّل - في غضون أعوام قليلة فقط - بنهاية تفوق أمريكا العالمي.
ومن غير المريح أن يكون ما سبق منطويا على احتمال التكشف في سياق انتفاضة عالمية معممة، متضمنا سلسلة انهيارات مالية، وانتشارا متفجرا لبطالة عالمية، وجملة أزمات سياسية، وتفكك بعض الدول الهشة عرقيا، وظاهرة عنف متصاعد من جانب جماهير العالم المستيقظة سياسيا والمحبطة اجتماعيا."

~ زبيغنيو بريجينسكي (مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق)، رؤية استراتيجية: أمريكا وأزمة السلطة العالمية، ص89، 2012، ترجمة فاضل جتكر، دار الكتاب العربي.
النقد العلمي والتأدب لا يلتقيان، وذا راجعٌ في حقيقة الأمر إلى أن ما يُساقُ علميًّا على أنه علمي، لم يُسَق بالتبسُّم في وجوه العلماء، ولا بأنْ يخرج إليهم المرء قائلا: "أنا مسكين، فلو تقبلون كلامي حفظكم الله"، بل مَن اقتحم عوالم العلوم والآداب قد بنى فِكَرًا بتهديم أُخَر، وعلا سُلَّمًا بعد أن تجاوز طوابقا، ففي حالٍ طبيعية كهذه، لا يخشى المرء كثيرا من أن توجه إليه النقود، لكنَّ البئيس الذي أقحَم نفسه في مسائل لم يخَضْ فيها سيرى أيَّ نقد وكل نقد وُجِّه إليه على أنَّ فيه قِحَّة تجاه شخصه الرفيع، ومقامه البديع، متوهما النقد على أنه معاملة شخصية له، كما لو أن الناقد سيلقي عليه الصباح، أو يُقبِل إلى غداء عنده في منزله، فإقحام الأساليب التي يستخدمها القوم في معاملاتهم الشخصية إلى دنيا النقد، كفيلٌ بأن يخرِّب الهدف الرئيس من وراء وجود النقد أصلا

تجد عيِّنات كثيرة قد استرسلت في لغو من الحديث ولهو، جل كلامها خاطئ، وبقية الكلام محل خلاف، إلا أن الواحد فيها قد اعتلت نبراتِه الثقة، وسادت سياقاتُه الفذلكة، وحينما يُنقَد، هذا إذا لم يكن يُنقَض، فإن الصياح يعم والغباء يطم، استهجانًا للشدة في النقد والحمية في الصد، ومطالبةً بتأديب الرد، على أساس أن صاحبنَا الذي تم عليه النقد قد كان مؤدبا، وهل الأدب في انتقاء الكلمات؟ أو روعة السياقات؟ أم في الاحترام الجوهري للخَرْطِ العلمي؟ فما دام صاحبنا محترما في أسلوبه وقحا في مضمونه، فإن القحَّة أولى بالأسلوب من المضمون!
أورغانون أرسطو من الأعمال التي قرأتها أربع مرات، أولها عام 2019 وآخرها قبل شيء من الشهور؛ فوقتما أردت إعادة قراءة رد ابن تيمية على المنطقيين، عكفت قبلها على المتن الأصلي لمنطق أرسطو من جديد، وحيثما تعرضت للفترة الإنجليزية للمنطق -إبان القرن التاسع عشر- قررت أن أعود ثانيةً إلى أرسطو، ليس في هذا إشارة إلى نقاء منطق أرسطو أو فخامته، فالسياق التاريخي هو الذي دعاني إلى قراءته مرة ومرتين، إذ أن قراءة النقد لا تستقر في الذهن عميقًا كاستقرارها بعد التمكن من المتون التي استدعت ظهور هذي المجابهات وذي النقود، وليس في ذلك أيضا أفضلية للمتن الأقدم الذي جرى نقده على النقودات التي لاحقته، إنما هي رياضة للذهن تمكنه من فهم أوسع وهضم أشدّ وجردٍ أسرع، وليكن مثالا أن التصدي الذي ترصد به ابن تيمية في رده على المنطقيين، يمكن لِمَن كان على علم بالسياق التاريخي ومضامينه، أن يستوعب أكثر من غيره مدى عبقرية ابن تيمية عبرَ تدبيجه الرد، فكما قال غوته: "سيظل في العتمة من لا يعرف تعلُّمَ الدروس التي جاءت بها الثلاثة آلاف سنة الأخيرة"
حينما سمع لويد شابلي، أحد الآباء المؤسسين لنظرية الألعاب Game Theory، خبرَ فوزه بجائزة نوبل في الاقتصاد، قال:

"أعتبر نفسي رياضياتيًّا، والجائزة في الاقتصاد، لكنني لم آخذ في حياتي كلها، إطلاقا، درسا واحدا في الاقتصاد"
"ومن العجائب ما اتّفق للقدماء بالبلاغة، ولم تقُمْ هذه البلاغة على حسْن الكلام المحكَم النظام فقط، بل كانت تؤثر تأثيرًا بالغا بالتزام الخطيب جانب الإيجاز، وما كان ليعبّر بالكلمات عن أعظم ما يمكن تأثيرًا، بل بالإشارات، وكان لا ينطق به، بل يُدلُّ عليه، وما يُعرض على العيون من شيء يهزُّ الخيال، ويحرِّك الفضول، ويجعل الذهن منتظرًا لما يقال، وفي الغالب يكون هذا الشيء قد قال كل شيء، ألم يكن تَرازيبُولُ وتارْكِنُ بقطعهما رؤوس الخشخاش، والإسكندر بوضعه طابعه على فم نديمه، وذيوجانس بسيره أمام زِنون، قد تكلّموا بأفصح من الخطب الطويلة؟ وأي إسهابٍ في الكلام كان يمكن أن يعرِب عن تلك الأفكار بمثل ذلك الأداء؟ وبينما كان دارا يحارب في سِيتْيَة مع جيشه تلقّى من ملك السِّيْت طائرًا وضفدعًا وفأرًا وخمسة نبال، ويسلِّم السفير الهديّة ويعود من غير أن ينطق بكلمة، ولو أتى هذا الرجل بذلك في أيامنا لعُدَّ مجنونًا، وتفهم هذه الخطبة الهائلة، ويرجع دارا إلى بلده بأقصى ما يمكن من السرعة، ولو وضعتم في مكان هذه الرموز كتابًا لوجدتم أن هذا الكتاب كلّما زاد وعيدًا قل تخويفًا، وما كان ليُعد غير حذلقة يقابلها دارا بالضحك."

~ جان جاك روسو، إميل أو التربية، ترجمة عادل زعيتر، ص363
بدأ صاحب الفيديو مقطعَه تحت قناة معنونة "فلسفة" بقوله:
"أريد أن أحاول أن أثبت لكم لماذا مفهوم الإرادة الحرة مفهوم غير منطقي وأنه بالفعل عبارة عن خرافة توارثتها البشرية لآلاف من السنوات وهو أن الإرادة الحرة شيء مكون لنا بينما هي في الأصل وهم موجود في عقولنا وليس له أي أساس منطقي"

والحقُّ أنه لم يفشل في إثبات أن الإرادة الحرة وهم، بل كان الفيديو خاصته مجرد عرض لما ورد هنا وجاء هناك، تجميع لمعلومات مبعثرة من غير ترتيب وإلقاءها في آذان المشاهدين، وذا العرض للمدارس العلمية والمذاهب الفلسفية كان مُخلِّا إلى أبعد الحدود بل ومُعيبًا لمن يُعرِّف عن نفسه أنه "خريج أوكسفورد"، وبذا نبدأ بقليل من المرح نتناول ما قاله، وليس هاهنا البتة تبيانٌ لرؤيتي في هذي المسائل، كل ما سوف أفعله أن أبين الأغاليط التي وقع فيها

1. سحب المتحدث -بشربة ماء- الفيزياء الكمومية على ظاهرة صناعة القرار عند الإنسان، دون أن يسرد حجة واحدة عن الموضوع أو أن يبني نظاما سرديا يبيِّن كيف يتدخل الميكانيك الكمومي في موضوعه المطروح، وكأنه يتوهم إثبات وهم الإرادة الحرة من خلال الزج بكلام مثير للمشاهدين، إلى الحد الذي قد يجعل قطة شرودنجر تدوخ، فذا المنحى الذي نحاه -أي تبسيطه للميكانيك الكمومي - يشبه كثيرا استخدام التيليسكوب لقراءة جريدة! وفي حين قد يورث ذلك بعض الجهال من المتابعين قليلا من المتعة، إلا أنه ليس الأداة المثلى أو الرئيسة في المحاججة في هكذا سياقات

2. استخدم التشبيهات والقياسات على عالَم الحيوانات لكي يفحص موضوع صنع القرار لدى الإنسان، وفي حين يبدو هذا جميلا، إلا أنه كذلك بعدٌ عن صلب المسألة المثارة واحتجاج بسيولة الماء على غرق من لا يجيدون السباحة

3. أتى المتحدث مرتين على الاستشهاد بآينشتاين في مسألةٍ حاميٌ وطيسُها في الفلسفة! وكأنه في دقائقه ال33 التي أطل علينا فيها على يوتيوب قد عَدِمَ شوبنهاور وهيوم ومدارس فلسفة العقل ليأتي باقتباس عن آينشتاين قاله معبرًّا عن نفسه وليس في جذب واجتذاب لأطروحة فلسفية، فما وزن أن تستشهد -مرتين- ب"اقتباس" عن آينشتاين في فيديو تدعي أنك ستبين لمشاهديه وهم الإرادة الحرة!

4. استرسل صاحب الفيديو في علم الأعصاب بحماسة طفولية لا تنبئنا إلا عن اطلاعه السطحي عليه، فهو قد أتى بتفسيرات على دراسات منحازة تماما إلى كفة الحتمية Determinism، وكأن كل مبحث علم الأعصاب مصبوب في الحتمية، فأنت هنا تنتقي "بعضا" من الدراسات وليس هذا موقف علم الأعصاب من الموضوع، إذ لم تأتِ حتى على مقاربة علمية أو حتى تاريخية للجدل الدائر في الدوائر العلمية هناك

5. حينما وصل به الفيديو إلى نظام العدالة، أشعَرَ المتابعين بأنه سوف يفك شيفرة من الشبكات بالغة التعقيد، وكأنه سيحل مكعب روبيك معصوب العينين، ففي حين أن فكرة الحتمية قد تقود إلى مزيد من التعاطف على حد زعمه في العدالة الجنائية، فإنها مجازفة خطيرة وقع فيها خالطًا بين الإرادة الحرة، المسؤولية، والقوانين.

عموما، يمكن للمرء أن يتحدث في موضوعات معينة من غير أن ينفخ بالونه أكثر مما يحتمل؛ لأنه سينفجر في النهاية، فالرجل بدأ الفيديو مدعيا أنه سيثت أن الإرادة الحرة وهم، لكنه لم يثبت إلا فشله في ذلك، بل وحتى فشله في عرض السياقات العلمية والتاريخية بصورة محترمة
تعرفت قبل شهر من الآن، تحديدا في 5/12/2023 على الموسوعة بالغة الضخامة "مرجع تاريخ المنطق Handbook of the History of Logic" - المؤلفة من أحد عشر مجلدا - وهأنذا اليوم أطوي الكتاب الخامس منها، الذي يشكِّل مع المجلدات الأربعة الأولى 4000 صفحة

من بين كل الكتب المنطقية التي قرأتها، العلمية البحتة منها أو التاريخية، فإن هذي السلسلةَ أكثرُ ما أمتعني وشدَّني، ومدَّني بفحاوٍ نفيسة، لطالما عدَدتُ طرقَ العلم المدروس من أبوابه التاريخية طرقًا لازما لي، فذا يقدِّم للذهن ما لا تستطيع الدراسة العلمية لوحدها أن تقدمه، خصيصا إذا ما مشت المعالجة التاريخية جنبا إلى جنب مع الدراسة العلمية المعمقة

من السلسلة، تعامل المجلد الأول مع كلٍّ من المنطق اليوناني والهندي والعربي، في حين عالجت بالثاني المنطقَ القروسطي ومنطق عصر النهضة، وبدأت في جرد بدايات المنطق الحديث خصيصا من لايبنتز إلى فريجه في المجلد الثالث، حتى تعاطت من خلال الرابع مع المنطق الإنجليزي في القرن التاسع عشر، ووصلت بالمجلد الخامس إلى ألونزو تشيرش بدءًا من برتراند راسل

أقل ما يمكن أن يُقَال عن السلسلة أنها تحفة فنية إبداعية بحق، يمكن للقارئ الذي لا خبرة له بالمنطق أن يباشر بدراستها، إلا أن العقبة ليست في استيفاء معلومات سابقة تمكنه من الفهم والهضم، بل في الطبيعة بالغة الدسامة للمجلدات، وتنوع المناحي التي هُوجِمَت بها المسائل، واختلاف الزوايا التي عُولجت من خلالها الموضوعات، لكن، ليس هذا بمانعٍ أحدًا مهتما بالمنطق أن يكف عنها، فهي تصل مرتبةً جدَّ عالية في الإفادة
انتهيت من قراءة أعمال ديكارت الفلسفية الكاملة، التي طبعتها صحافة جامعة كامبريدج معنونةً "كتابات ديكارت الفلسفية The Philosophical Writings of Descartes"، تقع في 1300 صفحة، بترجمة مباشرة عن الأصل اللاتيني والفرنسي، وكوني قرأت قبل سنوات طوال كلَّ ما تُرجِم عن ديكارت إلى العربية من كتب ومقالات، فإن هذي القراءة كانت تدعيما وتذكيرا أكثر مما أتت بجديد، وكانت زاويةً جديدة قد طُرِقت عبرَ التعرض لنفس الموضوعات في لغة مختلفة، وإذْ ذَا كان التذكير والتدعيم أعمقَ مما لو أعدت القراءة بالعربية، لكنَّ المجلدَّ الثالث الذي عُنِيَ بمراسلات ديكارت العلمية والفلسفية كان الإفادة الجديدة الحقة، إذ لم يُتَرْجَم أغلبه
من بين أساطين الرياضيات في العصر الحديث: كارل فايرشتراس، أبو التحليل الرياضي الحديث Modern analysis، وستيفن باناخ، أبو التحليل الدَّالِّي الحديث Modern functional analysis

كلاهما لم يتخرج من جامعة، لكنهما أسَّسا لحقول رياضية جديدة، ليست هذه حجةً خالصة في صفِّ التعليم الذاتي ضد التعليم الجامعي، لكن العكس هو ما ينبغي التطرق إليه، أيْ أن كون أحد الأكاديميين لديه شهادة هنا وشهادة هناك، ويناديه القوم "دكتور"، ليس إطلاقا دالًّا على أنه صاحب علم وأفضل من غيره، فكم مِن "دكتور" في الجامعات خبرناه وهو غرٌّ قد حاز مكانةً ووقارا إلا أنه عَدِمَ العلم الذي يضحك به زيفا على طلابه، فالدليل الحق على العلم الحق هو العلم ذاته، ليست الشهادة، الشهادة تعني أن دارسها درس كذا وكذا من الموضوعات، ولا تعني أنه فهمها أو هضمها
"إذا كنتُ قادرا على أن أثبت عبرَ المنطق [يقصد المنطق الرياضي] أنك سوف تموت بعد خمسة دقائق، فسأكون حزينا على أنك ستموت، لكن حزني سوف يتم تخفيفه بشدة من خلال المتعة في الإثبات"

~ ج. إتش. هاردي في رسالة إلى برتراند راسل
"فمحنة الأدب في هذه الأيام مرجعها أن كل من أعوزه المال يستطيع أن يجلس إلى مكتبه ويدبج شيئا يبيعه، ما دام الناس من الغفلة والغباء بحيث يشترون كل ما يُطبع. ولقد كان من آثار تلك المحنة ضيعة اللغة، بعد ضياع الأدب، وهو وزر ثقيل في أعناق ذلك الحشد الهائل من محترفي الكتابة ممن يكسبون عيشهم من وراء هوس الناس بالإقبال على كل مستحدث من الكتب"

~ شوبنهاور، الحواشي والبواقي 1851، مقالة التأليف.
أصبحت أقاطيع من الشبان والشابات تخال الالتحاق ببعض البرامج - التي لا تخرج عن كونها محو أمية في المواضيع التي تتناولها - التحاقًا سيجعل منها في مقدَّمِ الرَّكْب، لا لشيء، إلا لأن وقتًا قد قُضِيَ وجُهدًا صُرِفَ، فلا يفرق هذا كثيرا عن دورات التنمية البشرية في الشاكلة، ذا يعدك بقيادة الأمة، وذاك يعدك بالطيران من غير أجنحة، وكلاهما سيَّان، بهرجة زائدة، ونفخ بالبوق، وترويج لا ينقطع
إعادة نشر من أرشيف حسابي القديم؛ لمن يهمه أو أهَمَّه

هذه خطة خارطة طريق مؤلفة من 200 صفحة ترسم مسارًا متسقا وصارما لدراسة المنطق الرياضي، بدءًا من الأساسات حتى أكثر المواضيع تقدما، وهي دليلٌ نفيس لطالب المنطق الرياضي

إذ ينطلق بيتر سميث من نظرية المجموعات Set theory ويمر بمنطق الرتبة الأولى Firts-order logic ومنطق الرتبة الثانية Second-order logic، ونظرية النماذج Model theory، حتى يخرِط الحسابيات Arithmetic، والقابلية للحساب Computability، وعدم الاكتمال Incompleteness، وصولا إلى جرد أكثر تقدما لنظرية المجموعات، ثم يعبر إلى المنطق الحدسي Intuitionistic logic، ونظرية البرهان Proof theory، ومنطق الموجهات Modal logics، ليختم ببعض الموضوعات الأكثر تقدما.

يتقرح سميث في المقدمة عدة استراتيجيات للدراسة الذاتية من كتب المنطق، وهو إذ يرسم الخطة فإنه يوضح الطريق ويعبده، ويعطي لمحات تقديمية شافية للموضوعات المُعْنَى بها، في حين يقع على الدارس البدء -ذاتيا- في مساره الشخصي

الحق أن الخطة ذي مكافأة قيِّمة يقدمها بيتر سميث للراغبين في تعلم المنطق الرياضي ذاتيا؛ هذي الخطة ستصنع فارقا في مسار الدراسة وطبيعتها
ما أن يبدأ عربيٌّ بلَوْكِ الإنجليزية بدءَ حديثه، ومنتصفه، وتصل به السماجة أن يربط حروف الجر والعطف العربية بكلمات وسياقات إنجليزية، حتى يبدأ شكله أمامي يتصير من إنسان طبيعي إلى ضفدع، أو وزغة، إلى أن أراه مسخًا فأغادر مجلسه أو أتوقف عن سماعه

حينما تتحدث إلى جمهور عربي، فإنه لا معنى البتة لِأن تقرع طبول آذاننا بلسانك الوزغيّ، يكفيك تأدبا أن تقول -ضرورةً- بالإنجليزية ما قَصُر من المصطلحات العلمية بعد ذكرها بالعربية ما استطعت، فيكون قولُك إياها بالإنجليزية مجرد تدعيم

أما عن الموضة الرائجة هذه الأيام من تشدق بالإنجليزية في حديث بالعربية، فهي موضة بئيسة تنبئُنا عن أشخاص سِماجٍ سماعهم يثقل الأذنين ويرهقها قبل أن تُفهم، والحق أن لا داعيَ يظهر وراء استرسالاتهم التشغيبية سوى أنهم سطحيون في كلتي اللغتين، فذا النوع من السفهاء إنما يمارس غباواته اللغوية أمام جمهور غير متمكن من العربية ولا الإنجليزية، جمهورٌ عامي في العربية، ويعرف عن الإنجليزية ما يعرف العارفُ العالمي؛ فتبهره من الجانبين القدرة المُتَوَهْمة في المتكلم الأخرق الذي يقضي وقته بالاستماع إليه
شبكات التواصل ليست فضاءً للتعبير ومساحة لتبادل وجهات النظر كما تُوصَف أحيانا، بل هي أكبر سلة مهملات فكرية في العصر الحديث، وهي مزبلة من نوع خاص؛ القمامة فيها غير قابلة للتدوير، بل يمكن فقط أن تتبدل وتتنقل بين أشكال النفايات المختلفة

فكما حذَّر شوبنهاور من تخريب الروايات -عامةً- لأذهان الشبان؛ إذ أنها تخلق جوا من الخيال غير النافع الذي يدفع بهم لتوقعات لا يمكن تحقيقها وغرق في أواهم يصعب الخروج منها، فإن مواقع التواصل تلعب أدوارا شبيهة، تتمثل في إنشاء بيئة تعج بإبعاد الناس عن الواقع المعاش، والزج بهم في مكان افتراضي ثلاثة أرباعه لا تشبه الاجتماعيات الواقعية بشيء، كان الانترنت ليكون أصفى وأجمل لو توقف تطور التواصل الشبكي عند البريد الإلكتروني Email
بعد سنوات طويلة من دراسة علم التحسيب، وعلم التحسيب النظري، فإنني أتيقن بأن عوالم الرياضيات هي أفخَر العوالم الممكنة، ولو عاد بي الزمن إلى الوراء، لاخترت تسخير كل الوقت للرياضيات، ولما كانت عندي البتة أية مشكلة في أن أكون جاهلا تماما في علوم التحسيب

التجريد والصرامة اللتان تقدمهما الرياضيات يجعلانها العلم الأرفَع والأنفَس على الإطلاق، وبعد أن تذوق دماغي الشيء اليسير من عوالمها، فإنني أجد هوسا معمقا يحثني على سبر الأغوار إلى أعمق المستويات الممكنة، إنني واثق أشدَّ الثقة في أن ما تستطيع الرياضيات أن تقدمه لي ذهنيا، لا يمكن لأي شيء آخر أيًّا كان أن يمدني به، قلْ لي عشْ مفردا عزبا، أقُلْ لك حسنا، قلْ لي عش ولا تذهب بمَلَكَتك الرياضية أبعدَ حد ممكن، أقُلْ لك لا. سبر الرياضيات إلى أعمق حد ممكن أصبح مطلبا ضروريا لكي يعيش ذهني في سلام
ثم يظن المبرمج، أو طالب أو خريج علم الحاسوب أنه متميز عن سائر التخصصات لأنه كتب 100 سطر من الكود Code البرمجي.
ويطير فرحا إذا شاهد فيديو 15 دقيقة عن لغة برمجة لا يتم تدريسها في جامعته، بذلك يستطيع أن يجعجع على بقية الطلاب
قرأت هذا الكتاب أيام المدرسة، قد يكون الموساد أكثرَ أجهزة الاستخبارات نتانة ووطاءة في القرنين المنصرمين، ما كان للاحتلال أن يكون على ما هو عليه الآن لولا استخباراته الخارجية، هنالك استماتة إسرائيلية تبلغ حدًّا من الجنون بخصوص تقوية الاستخبارات الخارجية

يُصرَف على الموساد 10 مليار شيقل سنويا، أي قرابة ال3 مليارات دولار، وهذا الرقم يجعله واحدا من أضخم الأجهزة على مستوى العالم، عدا عن أنه يوظف قرابة 7000 شخص، أجرى الموساد عمليات واسعة في مصر والمغرب وتونس وأوغندا وأفريقيا الجنوبية والسودان وإيران والعراق والأردن ولبنان وسوريا والهند وماليزيا وكوريا الجنوبية وباكستان وفرنسا وألمانيا...إلخ...تكاد لا تكون هنالك دولة لم ينفذ فيها الموساد قذاراته
عندما أجاب جون فون نويمان مسألةً طرحها عليه جورج دانتزيغ عبرَ نظرية كاملة

الرجل يسار الصورة هو جورج دانتزيغ، الرياضياتي الذي اشتهر بحله مسألتين وُضِعَتا على السبورة كمسائل غير محلولة في الإحصاء Statistics أرَّقتا المجتمع الرياضي زمنا طويلا؛ إلا أن دانتزيغ وصل متأخرا فظنهما واجبا منزليا

أصبح دانتزيغ مثالا للعبقرية، لكن، ماذا حصل حينما التقى وحشُ وحوش الرياضيات جون فون نويمان بدانتزيغ؟

عام 1947، تحديدا 3/10، زار دانتزيغ مكتبَ جون فون نويمان في معهد الدراسات المتقدمة في جامعة برينستون، بدأ دانتزيغ يشرح لجون فون نويمان مسألةً عالقة في البرمجة الخطية Linear Programming كان اسمُها Air Force problem، إلا أن فون نويمان تصرف على غير عادته -على حد وصف دانتزيغ- وقال بنفاد صبر: "امضِ إلى المطلوب"، وصف دانتزيغ المسألة قليلا، وخلالَ أقل من دقيقة كان قد ألقى بالوصف الهندسي Geometric والجبري Algebraic على السبورة، هنا، قام جون فون نويمان من قعدته قائلا: "نعم هذه!" وللساعة والنصف اللاحقة ابتدئ نويمان واستمر في إعطاءِ دانتزيغ محاضرةً في النظرية الرياضية للبرامج الخطية Mathematical theory of linear programs

وعند نقطة محددة رأى فيها نويمان غانتزيغ بعينين زائغتين وفم مفتوح -لأنه بحث في أدبيات المسألة ولم يجد شيئا- قال فون نويمان:
"لا أريدك أن تظن أنني أسحب كل هذا من جعبتي في لحظة كالساحر، لقد أكملت مؤخرا كتابا في نظرية الألعاب Theory of Games مع أوسكار مورغينستيرن، الذي أفعله أنني أحدس أن المشكلتان متماثلتان، النظرية التي أؤسسها لمشكلتك شبيهة بالمشكلة التي طورناها للألعاب

قال دانتزيغ بعد هذا: "لقد تعلمت Farkas' Lemma و Duality للمرة الأولى"

~ المصدر قصة يحكيها دانتزيغ عن نفسه نقلتْها IFORS