السِّجِلّ

سِجِلٌّ متَّصلٌ للخواطر والشذرات — من الأحدث إلى الأقدم. تصفَّحْ كصفحات، أو انتقلْ عبر الجدول الزمني، أو ابحثْ في كل شيء عبر ⌘K.

يونيو 2024 55 منشور

صفحة 40 من 59

يونيو 2024
قبل سنتين لقيني أحد طلاب التوجيهي طالبا نصيحة تساعده في اختيار التخصص الجامعي، وملخص حديثي معه أنني نصحته بعلم الحاسوب Computer Science بدلا من تكنولوجيا المعلومات IT التي كان يفكر فيها. وقبل بضعة أيام لقيني مرة أخرى الحقُّ أنني لم أتذكره ولم أتعرف عليه إلا بعد أن ذكرني بالموقف السالف، فإذا به يقول بِدءَ الحديث: "أنا الذي لقيتني قبل سنتين، اليوم أنا الأول على دفعتي في الكليَّة كلها" هكذا تماما بدأ حديثه بتشدُّقٍ بالغ معي، قلت له هذا لا يعني شيئا البتة، وأنت والأخير على دفعتكم سواءٌ، عاد للتشدق، قلت له في أي جامعة تدرس؟ قال "جامعة فلسطين الأهلية" قلت له هذي ليست جامعة أصلا ولا تصلح أن تكون مدرسة إعدادية فضلا عن أن تكون جامعة بكليات، لم يستفهم، قفز يقول: "أنا يعطونني الميكروفون في معرض العلوم والتكنولوجيا بصفتي أكثر الطلاب نشاطا فيه"، قلت له يا أخي معرضكم هذا عبارة عن مكب نفايات ولا يعني شيئا، لم يستوعب، المهم، هاهنا وصل هو إلى ورقته الأخيرة فقال: "أتحداك وأتحدى كل طلاب علم الحاسوب في جامعة القدس أن يعملوا مثل مشروعي في المعرض"، قلت له وما مشروعك؟ قال: "Hospital Management System" هنا كدت أنا أن أرتمي على الأرض من الضحك، فقلت له يا رجل مشروعك هذا مشروع سخيف، افتح غت هب GitHub تجِدْ مليون مشروع مبتذل ومستهلك كهذا، لم يستوعب، ظل مقتنعا أن ما فعله في الجامعة شيء عظيم إلى الحد الذي يجعله يفاخر في مكان عام مع شخص لا يعرفه ولم يلقَه سوى مرة واحدة ومنذ سنتين.

ولقد كان خلال حديثه عن إنجازاته الجامعية تلك فرِحًا مبتهجًا وكأنه قد فَتَقَ الذَّرَة أو صعد كوكبَ عطارد، ولا زال يحضرني إلى الآن كيف أن طفلا مسكينا كذاك تضحك عليه الجامعة ببعض المسميات الخرقاء.

وللعلم سألته سؤالا بسيطا عن Pointer في لغة ++C إلا أنه عجز أن يجيب، هذا وهو الأول على دفعته، ولولا سماجته وثقالة ظله ولولا أنني لست مهتما كثيرا، لكنت أثبتُّ له أنه جلس ما جلسه في الجامعة لقاءَ العدم ولا شيء غير العدم.
1) الشنفرى -وهو في الجاهلية- ما كان يترك نشاطا لغزالٍ يدبُّ على الأرض إلا لاحقه عَدْوًا جنونيا وذبحه فأكله، ووقتها لم يكن هنالك كاميرات ولا هواتف ذكية ولا انترنت. فأنت الآن في عصر عبادة الانترنت وتسأل ذا السؤال؟ الناس صيَّروا الانترنت سيَّدا لهم، فلا تتوقع أقلَّ من انعدام تام للخصوصية، أي شيء يصل الانترنت، يستحيل -نظريا- ويقرُب من الاستحالة -عمليًّا- أن يُحذَف حذفا تاما. حتى ما تملكه على جهازك الشخصي، والذي تستطيع أن تفصِل عنه الانترنت، حذفُه نهائيا ليس بالسهولة التي تتصورها، بل قد يقرُب المستحيل أيضا إلا إذا حرقت جهازك أو بلعته.

2) سؤالك غير رَتِيب البتة، لكن مع ذلك، نعم؛ مزود الانترنت أو "أيا كان" على حد وصفك يستطيع أن يصل إلى الشاردة والواردة والصغيرة والكبيرة، ومع أن الوصول للمعلومات قضية واستخدامها أو توظيفها قضية أخرى، إلا أن المحصلة واحدة، أنت لستَ آمنا طالما أن جهازك متصل بالانترنت. وأقصر طريق لدرء هذا ألا تستخدم الانترنت. البلوكتشين يحاول التصدي، إلا أن الحلول التي تحلم بها تكاد تكون معدومة ولا تستحق الذكر.
كورس عن الخورازميات، التي اسمها [Algorithms]، ب200$!

أكيد أن هذا الأخرق سيعلم الطلبة، خوارزميةَ أقصر طريق ممكن Shortest Path Algorithm في الحلقة الأولى، وهم بدورهم سينفذونها على ذكائهم وميزانيتهم المالية، إي نعم! خوارزمية أقصر طريق ممكن للغباء منقطع النظير.

هنالك مشكلة تحسيبية، مصنَّفة NP-Hard، عالقة منذ زمن بعيد: مسألة البائع المتجول Travelling Salesman Problem، وهذه تحتاج مليارات السنين لحلها حلا كاملا، ولكن، بالوسع حلها لعدد معين من المُدُن، فباستخدام Ant Colony Optimization يمكن حلها لقرابة ال1000 مدينة، وبميزانية 100$ ! ويمكن حلها حلا مثاليا Exact Solution عبر خوارزمية Held-Karp ل25-30 مدينة، أيضا بميزانية 100$ !

فالآن أنت تستطيع أن تحل جزءًا من معضلة تحسيبية مخيفة مقابل 100$، ليأتيك من يريد تعليمك "الخوارزميات" لقاءَ 200$، أيُّ مسخرة هذه! أي سخافة وأي سماجة واستهتار بالناس!
المافيَوِية الأمريكية وجريانها على العلوم! والرياضياتيون الروس، حمير.

يحكي فلاديمير أرنولد -وحش من وحوش رياضياتيي القرن العشرين- أن كلمة "الأنتجلينسيا" الروسية ليس لها مرادف في أي لغة أخرى، والتي تعني النخبةَ المثقفة، وهذي جماعة تمثل مشهدا واقعيا لرفض التكسب المادي والترفع عن الكسب الشخصي لقاءَ تقديم إنجازات ثورية للمجتمعات

فينقل أرنولد عن صديقه فيرشيك أنه حاول الحصول على تأشيرة لدخول أمريكا، فسأله موظفو القنصلية عن راتبه في سانت بطرسبرج، وبعد سماع رده أصابهم الذهول، فقالوا: هل ستقنعنا أنك تنوي العودة إلى سانت بطرسبرج بهذا الراتب؟ ليجيب فيرشيك أن المال ليس كل شيء، وقد أذهلَ الموظفين إلى الحد الذي جعلهم يعطونه تأشيرة على الفور

ولكن الذي حصل مع أرنولد ذاته أدْعَى للتعجب، إذ قدَّم هو الآخر طلبا للحصول على تأشيرة، وأخَّروه ثلاثة أسابيع، ولمَّا سأل عن سبب التأخير؛ قالوا أن الأوراق يجب أن تُفحَص في واشنطن لأنه "حمار". طلب أرنولد توضيحا؛ فقالوا: لدينا أسماء معينة لكل جريمة: كلب، وقطة، ونمر، وجمل. وقد بيَّنوا له أن "حمار" هو الاسم البديل للعالِم الروسي.

~ ما نقلته قرأته من مقابلة مع فلاديمير أرنولد أجراها S. H. Lui
"قال القرشي: وامتحنت الخوارج شيعيا، فقال: أنا من عليٍّ ومن عثمانَ بريء²."

(2) يكون بقوله هذا بريء من عثمان، وتولَّى عليًّا، وتخلّص من الخوارج بإيهامهم أنه بريء من الاثنين

~ أخبار الظراف والمتماجنين، ابن الجوزي، ص71.
أَلقى عَلَيَّ الدَهرُ رِجلاً وَيَدا
وَالدَهرُ ما أَصلَحَ يَوماً أَفسَدا
يُصلِحُهُ اليَومَ وَيُفسِدهُ غَدا

~ دويد القضاعي، جاهلي.

فتحت هذا الكتاب لأقرأه للمرة الثالثة، ووجدت الوقت مناسبا لترشيحه واحدًا من أحسن الكتب التي قد يُبدَأُ بها لدراسة البلوكتشين؛ أساس نظري جدُّ متين، وصرامة رياضية، واتصال مع الشغل التطبيقي.

ومن ميزاته القوية أنه يؤسس فهما عميقا للبلوكتشين من خلال مهاجمة مسائل الحافظات الموزعة Distributed Ledgers التي تنبني عليها تكنولوجيا البلوكتشين كلها.

من أراد دراسةً حقَّة للبلوكتشين فعليه بهذا يبدأ به فينطلق انطلاقة حسنة
ترك بيتهوفن في طفولته انطباعا سيئا لدى أساتذته الموسيقاريين، إلى حد أنْ اشْتُهِرَ بأنه من الميؤوسِ منهم موسيقيًّا، وأنه لا يصلح كمؤلف موسيقي، حتى أن هايدن Hayden، الذي علَّم بيتهوفن التناغم لبعض الوقت، فشل في التعرف على إمكانياته.

~ كتاب الحقائق لإسحق عظيموف
( إن جزءًا كبيرًا من الرياضيات التي تصبح مفيدة فيما بعد، قد تطورت دون أي رغبة في أن تكون مفيدة، وفي وضع لا يمكن لأحد أن يعرف في أي مجال ستصبح مفيدة؛ ولم تكن هناك مؤشرات عامة على أنها ستكون كذلك. وبصفة عامة، من الصحيح بشكل عام في الرياضيات أن هناك فترة زمنية بين الاكتشاف الرياضي واللحظة التي يصبح فيها مفيدًا؛ وأن هذه الفترة الزمنية يمكن أن تتراوح بين 30 إلى 100 سنة، وفي بعض الحالات أكثر من ذلك؛ وأن النظام بأكمله يبدو أنه يعمل بدون أي توجيه، وبدون أي إشارة إلى الفائدة، وبدون أي رغبة في القيام بأشياء مفيدة. )

~ جون فون نويمان، واحد من أكبر الرياضياتيين المؤسسين في القرن العشرين، أبو نظرية الألعاب، ومن آباء علم الحاسوب.

( هذه قضية لا يجب أن يغفلها المشتغلون بالتخطيط الأكاديمي - لا سيما في مرحلة الدراسات العليا - في الجامعات في بلادنا، لما لي ذلك من خطورة إشغال المسلمين وإغراقهم في تخصصات كاملة مستوردة لا ثمرة لها ولا طائل تحتها عند التحقيق! ليس كل ما يظهر في جامعات الغرب من تخصصات جديدة تحت راية العلم الطبيعي أو التجريبي عموما، أو حتى تحت راية علم الرياضيات نفسه، يستحق أن ينقل عندنا! )

~ حسام مسعود، "مهندس" و"لديه دكتوراة في الهندسة"، ويُفتَرض أن يكون في قوله الأخير ثقةً أكثر من فون نويمان💤
مِن الأذى الذهني ما قتل

أذكر جيدا، عند بدايات تحمُّسي المعرفي واندفاعي العلمي -قبل سنوات خَلَتْ- أنني ما كنت أترك حشرةً تمر بجانبي، ولا طائرا يحلِّق فوقي، إلا ولاحظتُ من شدة التركيز أدقَّ تفاصيل الحشرة، وتتبعت الطائر حتى يذهب بي خيالي إلى البلد التي يهاجر إليها. فما كنت أدخل مكتبةً من طوابق عديدة إلا وجلست فيها ما لا يجلسه المحارب في ثكنته، إذ أقلِّب من الكتب ما أهمَّني وما لن يهمني، أعبر الصفحات، وأستشف العبارات، وكنتُ إذا خلصُتَ من مكتبات الورق اتجهت إلى مكتبات الحواسيب، فإذا بي أتتبع كل مقالة وأجري وراء كل مرجع في كتاب، فأمسي قد قرأت كتابا وأصبح قد أثقلت نفسي بعشرة أُخَر آخذُها إتاوةً من المراجع، أما مشيي أوساط الأحراش فقد كان أنقى، إذ لا أشعر بساعة تتلوها ساعة إلا وقبضة الفكر العاتية قد أسَرَتني، فإذا أصبحت فجرا تعقبت بومَ الحرش لأطارده بين الشجر وخلف الحُفَر، أما هذاك، فصفاءٌ ورخاء! وأما هذا -أيْ ذهني الآني- فتضعضعٌ وخِواء! حيثما كانت أوضاعٌ على جهة في السنين المنصرمة، فإنَّ أوضاع زمني هذا تعاكسها أتم المعاكسة، وتجثو على الطرف النقيض! فإذا مررت بمقالةٍ ورأيتُ إحالةً أتجنبها بل وأهرب منها بعيدا، أخشى أن أفتحها، أحس أن ذهني قد تشبَّع حتى تضعضع! فلا عادت له طاقةٌ للاحتمال ولا ظلَّت فيه شدةٌ لأي مجال. لآسَينَ على ضغط سنين مفيدٍ جِدِّ شديد، كلَّفني بغيرها دينًا غيرَ سديد!
بعد انقضاء زمن طويل على انتهائي من سلسلة مرجع تاريخ المنطق Handbook on the History of Logic، والتي بلغت 9000 صفحة، فإنني قد وقعت على تحفة فنية أخرى. ففي الصورة سلسلة مرجع المنطق الفلسفي Handbook of Philosophical Logic، وهو من 8000 صفحة، ننقض عليه حتى نأكل ما فيه أكلا.

المنطق الفلسفي يشتغل على إسقاط الأنظمة المنطقية المختلفة على مشكلات فلسفية لحلها أو لمحاولة حلها، يقاطعه منطق الموجهات Modal Logic، والمنطق الإبستي Epistemic Logic، ومنطق كثير القيم Many-Valued Logic، ومنطق الرتب العليا Higher-Order Logic والمنطق الحدسي Intuitionistic Logic، وغيرهم الكثير.

لعلي أجري تحليلات للمقروء هاهنا فأنشرها.
توصل غيرارد غينتزن إلى إثبات اتساقية Consistency مسلمات بيانو Peano Axioms عام 1936، عند عمر 27 سنة، وشغله الباقي في المنطق والرياضيات أعظم وأعظم

جزء ضخم مما نصفه بالمنطق الرياضي الحديث تتم محاكمته إلى مجموعة شروط، إذا وافقها قيل "منطق غنتزن - Gentzen Logic"، وإذا جاوزها لم نقل

مات غنتزن بسبب الجوع عند عمر 36 في معسكر تشيكي بعد اعتقاله كمواطن ألماني آخر الحرب العالمية الثانية

هذي سيرته الذاتية مدمجة مع أعماله المنطقية والرياضية. مؤلفة من 465 صفحة، وهي من أحلى المكتوب في تاريخ الرياضيات والمنطق الرياضي، ومن أحلى سِيَر المناطقة الرياضيين
صحيح أن الناس يجتمعون أكثرَ ما يجتمعون على مصلحة، أيًّا تكن طبيعتها، إلا أن المصالح تفرِّقهم على شاكلة أشد وأرذل من التي يجتمعون عليها، فإنْ كانت الصحبة تتأتى لأن اثنين وجدَا اشتراكات بينهما؛ الاشتراكات التي بالوسع النزول معها إلى أدنى حد بحيث نسميها مصلحة، فإنَّ تيتك الصُّحَب تشرد بعيدا عند أول واقعة تؤثر سلبا، وبذا فإنك تدفع كثيرا لكي تتحصل على علاقات اجتماعية واسعة، إلا أن ثمن انقضائها وزوالها أرخص، بَيْد أنه مكلف أكثر؛ تشتري بالغالي، وتُبَاع بالرخيص، وهاهنا الصفقة خاسرة من كل بد.

فلا أقول سوى ما قال شعيب بن حرب لرجلٍ جاء يدَّعي إيناسه بمكة: "جئت تؤنسني وأنا أُعالَج بالوحدة منذ أربعين سنة؟"
"لا عبرة لاستراتيجيتك إذا كان قلبك يميل لاستخدام السيف الطويل حينما تُدعَى للقتال في مكان ضيِّق، أو إذا كنت في منزل لا تتسلح فيه إلا بسيف رفيقك، كذلك، فإن بعض الرجال لا يمكلون من القوة ما يملكه الآخرون.

في مذهبي، فإنني أكره الروح الضيِّقة، ذات التصورات المسبقة، عليك دراسة هذا جيدا."

~ مياموتو موساتشي، كتاب الحلقات الخمس، كتاب الرياح.
لم يُتَحْ لي من الوقت كافيًا لإنجازه مكتملا بعد؛ لانشغالي بأعمال حياتية وبالتحسيب، ولأنني في السنة الجامعية الأخيرة؛ ومشروع تخرجي يتطلب جهدا وسيعا.

رَ، مبحثُ الكتاب شديد الاتساع عميق التغطية، فيه يقع التبيان للصراعات المذهبية بين شتى مدارس المنطق، منذ أرسطو وحتى بولتزانو وصولا للمنطق الرياضي. وبحث الصراع ذا من شأنه أن يحسم الثرثرة حول الصراع التيمي مع المقولات الأرسطية؛ فمن العسير أن تتوصل إلى نتيجة منطقية في بحث منطقي حول المنطق، من غير أن تستأصل الجذور التاريخية للخلاف بين المناطقة عموما؛ وبذا فنعم، إن واحدة من الجوانب الأساسية للكتاب هي أن يبتّ في هذي المسألة.
تفضلوا:

"لا يوجد دليل على أن المنطق الصوري متطلب سابق للتعلم، أو الفهم، أو التحدث بلغة طبيعية"

~ عالم التحسيب الأمريكي جون سُوَا، المنطق والأنطولوجيا والقياس، 2008

"المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد"

~ ابن تيمية(1263 - 1328)، الرد على المنطقيين
واحد آخر في رسالة قديمة يسأل إذا ما كنتُ ملحدا، بقي اثنان فحسب، واحد يقول عني معتزلي، والثاني يتهمني بالعمالة للموساد. وهكذا أصبح "بتاع كلو"
عموم التجار يريد أن يبيعك فحسب، ليس مهتما بما تستفيده منه، فإنْ باعك طعاما ما أقلقته صحتك، وإنْ باعك دواءً ما اهتم لشفائك، وإن باعك لباسا ما اهتم لسترك، بقدر ما يهتم لاستفادته المالية، والتجارة تعتمد الملاعبة النفسية أسلوبا رئيسا، كأن يُقال: "هذا بمئة دولار فقط."
فقط؟ أيُّ فقط هذه؟ يعني هل يمكن أن يُوصَف الثمن بِ"مئة دولار وخمسين يورو"؟ فالتجارة، من حيثُ المبدأ، تقوم على إقناع الناس، عبر غرائزهم أو احتياجاتهم أو استفادتهم، والإقناع بين البشر لا بد أن تتخلله ألعاب نفسية. فابتسامة صاحب المطعم، ولطافة بائع الملابس، وبشاشة صاحب محل الأجهزة الإلكترونية، إنما تدخل عندهم في العملية التجارية ذاتها، ويدري أصحابها أنها ستزيد من قَبولهم الذي سيزيد مبيعاتهم. إذا لم تدرك هذا العنصر الجوهري في التجارة، تَكُن أنت السلعة الأولى قبل بضاعتك التي ستحوزها منهم، أو تكن عميلا مغفلا على الأقل.
قد أفسد الانترنت حياة الناس بحق، وأفسد أذهانهم، إنك تلقى الرجل لُقيا حميمة وتخالطه مُكثِرًا وتحتك به، ثم إذا بك تُدهَش بأشياء لم تتخيل يوما أنك ستعرفها عنه، ولكن الانترنت مسخ الاجتماعيات مسخا، وأصبحت الرِّجالات تُعرَف من منشور فيسبوك أو تغريدة تويتر، إنما قد أُغرِقَ بنو آدم في أوهام تستفحل مع تطور التقنية وتُمرِضُ ولا تقدم أيًّا من العلاجات، إن التقنية وبالٌ، وفي حين أن الإنسان يسعى واهما إلى تطوير روبوتات واعية، أو ذكاء اصطناعي قوي، تجده حقيقةً مَنْ يتحول إلى روبوت، فهاهنا نحن أمام المضحك المبكي، والكوميديا السوداء، والملهاة المأساة. قد ادْعُيَّ أن من أغراض الذكاء الاصطناعي المزعوم تسهيلَ حياة الناس، وتخفيف أعبائهم، وإسعادهم، لكنَّ العكس التام هو الذي يتفشى، وإنْ حلَّ الذكاء المزعوم مشاكلا، فإنه مضافًا إلى تطور التقنية عموما، يخلق مشكلات قد تستعصي على الحل.
"وهكذا، أصبح الموضوع -في أمريكا خصيصا- يُعرَف ب[علم الحاسوب]، الأمر الذي يشبه إلى حدٍّ بعيد تسمية الجراحة بِ[علم السكاكين]، وقد أُدخِلَ في عقول الناس رسميا أن علوم التحسيب Computing Science مبحثُها الآلات وعتادها الطرفيّ، وهذا غير صحيح البتة"

~ أيدكسر دايكسترا، مقالة EWD 924: On a cultural gap 1986.
كتبت كودًا برمجيا من بضعة مئات السطور، ليجري تحليلا لقصيدة المهلهل "قربا مربط المشهر مني". والنتيجة كما ترون أمامكم! ما أعذب الشعر العربي! حتى حينما نحلله برمجيا ورياضيا يظهر نتائج بديعة

الذي فعلته؛ أولا: رمَّزت الكلمات (أجريت عليها Tokenization) لاستخراج الكلمات على حدة، وبعدها

ثانيا: حسبت ترددية كل كلمة في القصيدة، وولَّدت أزواجًا من الكلمات التي اتفق وقوعها (حدوث مشترك) بناءً على تجميعة لكل كلمتين

ثالثا: صنعت المِبيان Graph حيث العُقَد Nodes والأطراف Edges تمثل الحدث المشترك، وقد صِيغَت أحجام العقد بناءً على ترددية الكلمات، وصُنِعَت الأطراف بناءً على ترددية الحدوث المشترك

أخيرا استخدمت Plotly لاستخلاص شبكة تصويرية

حرفا (م، ن) هما الأكثر تكرارا بمعدل 23 مرة، ثنائيا! وهما متتاليان في الأبجدية العربية، فتأملوا!

* دقة الصورة عالية، حمِّلوها واعملوا تكبير لها لتظهر العناصر بوضوح

للدقة الأعلى، هاهنا الصورة كDocument
إنني أدفع من بصري وعُمْر عيوني ثمنا لقاءَ هوسي بعلوم التحسيب، الشيء الذي يستلزم ساعات طويلة أمام الشاشات. أقضي 18 ساعة يوميا أمام الحواسيب. أشعر أنه تعيَّن علي أن أكون مزارعا، فإني لا أستسيغ دخولي مجالا إلا لأخرج منه بأعلى ما فيه، ذا تعريف الهوس متجليا في أبشع صوره
تورطنا.