حتى فولتير لم يَسْلَم من إساءات التنويريين!
عُلِّقت في صدر فولتير عبارةٌ لم يقلها قطّ: «أخالفك الرأي، لكنّي أدافع حتى الموت عن حقّك في قوله». وليست في شيء من كلامه، بل صاغتها كاتبة إنجليزية اسمها Evelyn Beatrice Hall سنة 1906 في كتابها The Friends of Voltaire، تلخيصًا لموقف بعينه؛ ثم اعترفت هي نفسها بعد ذلك أنّها عبارتها لا عبارته.¹
ومن الطرائف أنّ الموقف الذي لخّصته هذه الكاتبة الخرقاء، فتحوّل إلى قولة منحولة عليه، هو على النقيض التامّ من القصد! فلمّا أُحرق كتاب De l'esprit لهلفيسيوس سنة 1759 بأمر البرلمان والسوربون، لم يقف فولتير موقفَ المدافع المبدئيّ عن حقّ القول؛ بل كان يحتقر الكتاب أصلًا، وعلّق على حرقه ساخرًا: «كلُّ هذه الضجّة على عجّة بيض!»² فالأصلُ الذي زيَّفوا عليه شعارَهم: استهانتُه بمسألةٍ رآها أهونَ من أن يُغضَب لها، ثم تُساق دعاوى الرجل على أسوأ تشويهٍ ممكن، على أنّها إيمانٌ بحقّ المخالف، وحريّةُ قول، و«دفاعٌ حتى الموت» عن الآراء!
كان يكرّر شعارًا يختم به مئات رسائله: «اسحقوا العار» (Écrasez l'infâme)، يعني به الكنيسةَ والدين ويشبّه نفسه بكاتون الأكبر الذي كان يُنهي كلَّ خطبةٍ بقوله «قرطاج يجب أن تُهدَم».³
وكتب أيضًا إلى فريدريش الثاني أنّ الرعاع «لا يستحقّون أن يُنوَّروا، وتصلح لهم كلُّ عبودية».⁴ فالذين يرفعون العبارةَ المزوَّرة رايةً لـ«حريّة الفكر» عنده قد ابتلعوا تزويرَين: تزويرًا في نسبة القول عليه، وآخَرَ في فهم التنوير نفسه.
————————————
1. الفصل السابع مِن
The Friends of Voltaire, Evelyn Beatrice Hall, Saturday Review, 11 May 1935.
الاعتراف في ص198-199.
2.نفس المصدر ص198 كذلك.
3. Voltaire, Correspondence, Theodore Besterman.
4. نفس المصدر، Voltaire à Frédéric II (1767).
عُلِّقت في صدر فولتير عبارةٌ لم يقلها قطّ: «أخالفك الرأي، لكنّي أدافع حتى الموت عن حقّك في قوله». وليست في شيء من كلامه، بل صاغتها كاتبة إنجليزية اسمها Evelyn Beatrice Hall سنة 1906 في كتابها The Friends of Voltaire، تلخيصًا لموقف بعينه؛ ثم اعترفت هي نفسها بعد ذلك أنّها عبارتها لا عبارته.¹
ومن الطرائف أنّ الموقف الذي لخّصته هذه الكاتبة الخرقاء، فتحوّل إلى قولة منحولة عليه، هو على النقيض التامّ من القصد! فلمّا أُحرق كتاب De l'esprit لهلفيسيوس سنة 1759 بأمر البرلمان والسوربون، لم يقف فولتير موقفَ المدافع المبدئيّ عن حقّ القول؛ بل كان يحتقر الكتاب أصلًا، وعلّق على حرقه ساخرًا: «كلُّ هذه الضجّة على عجّة بيض!»² فالأصلُ الذي زيَّفوا عليه شعارَهم: استهانتُه بمسألةٍ رآها أهونَ من أن يُغضَب لها، ثم تُساق دعاوى الرجل على أسوأ تشويهٍ ممكن، على أنّها إيمانٌ بحقّ المخالف، وحريّةُ قول، و«دفاعٌ حتى الموت» عن الآراء!
كان يكرّر شعارًا يختم به مئات رسائله: «اسحقوا العار» (Écrasez l'infâme)، يعني به الكنيسةَ والدين ويشبّه نفسه بكاتون الأكبر الذي كان يُنهي كلَّ خطبةٍ بقوله «قرطاج يجب أن تُهدَم».³
وكتب أيضًا إلى فريدريش الثاني أنّ الرعاع «لا يستحقّون أن يُنوَّروا، وتصلح لهم كلُّ عبودية».⁴ فالذين يرفعون العبارةَ المزوَّرة رايةً لـ«حريّة الفكر» عنده قد ابتلعوا تزويرَين: تزويرًا في نسبة القول عليه، وآخَرَ في فهم التنوير نفسه.
————————————
1. الفصل السابع مِن
The Friends of Voltaire, Evelyn Beatrice Hall, Saturday Review, 11 May 1935.
الاعتراف في ص198-199.
2.نفس المصدر ص198 كذلك.
3. Voltaire, Correspondence, Theodore Besterman.
4. نفس المصدر، Voltaire à Frédéric II (1767).