استطراد في شيء من دلائل الإعجاز
مما رواه عبد القاهر الجرجاني في الدلائل –«فصل إنّ ومواقعها»¹– أنْ راح الكِنديُّ إلى أبي العبّاس المبرّد يزعم أنّه وجد في كلام العرب حشوًا، وحجته مبناها: [يقولون «عبدُ الله قائمٌ»، ثم «إنّ عبدَ الله قائمٌ»، ثم «إنّ عبدَ اللهِ لقائمٌ»، ألفاظٌ تتكرّر ومعنًى واحد.]² فردّ أبو العبّاس بما مفاده أن: [المعاني مختلفةٌ لاختلاف الألفاظ؛ الأولى إخبار، والثانية جوابُ سائل، والثالثة جوابُ منكِر.]³ فلم يقدر الكندي جوابًا.
ثم يزيده الجرجاني: إذا خفي هذا على الكِنديِّ حتى ركب فيه ركوبَ المعترض، فما ظنُّك بالعامّة ومَن هو في عِداد العامة، ممن لا يخطر شِبهُ هذا بباله؟
ثم يمضي إلى الأمضى، فيُنشد بيتَ بشّار بن برد⁴: «بكِّرا صاحبيَّ قبلَ الهجيرِ / إنّ ذاكَ النجاحَ في التبكيرِ»، فيقول مفادا: تدخل «إنّ» فترتبط الجملةُ بما قبلها وتتّحد به، حتى كأنّ الكلامَين أُفرغا إفراغًا واحدًا، وكأنّ أحدَهما سُبِكَ في الآخر. فإذا أسقطتَها نَبا الثاني عن الأوّل وتجافى معناه عن معناه، ولم تجد له به سبيلًا حتى تجيءَ بالفاء؛ ثم لا ترى الفاءَ تردُّ عليك ما كنتَ تجدُ بـ«إنّ».
فهو ذا الميزان إذن: الفاءُ تُصرّح بالتعليل من خارجٍ فتجعله دعوى مستأنَفة، و«إنّ» تُضمره في السَّبك فتجعله مفروغًا منه. تلك تعطِف، وهذه تُذيب.
وشواهدُه من التنزيل: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾، ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾، ويجعل أبيَنَها ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ وهي من هود. ثم يقول إنّها من الكثرة بحيث لا يدركها الإحصاءُ، ويمضي.
لكنه لم يقف عند ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾، ولا عند ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾، تركهما. فالقياس ينسحب، فآخذُها أنا.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾. «إنّ» ولامُ الابتداء معًا: جوابُ منكِرٍ على قسمة أبي العبّاس. فمن المنكِر؟ الإنسانُ نفسُه. ما من أحدٍ يُقرّ لك بأنّه يئوسٌ كفور. فليس التوكيدُ المضاعف إفادةَ خبرٍ لخالي الذهن، بل خصومة: إذِ الآيةُ تُجادل المخاطَبَ في نفسه، وتجرّه.
ثم فلأُجرِ اختبارَ الجرجاني: أسقط «إنّ» وقل «فهو يئوسٌ كفور». صارت الفاءُ تُخبر أنّ اليأسَ |حَدَثَ| عند النزع، فيصبح أثرًا طارئا ولّده الحرمان! ومع «إنّ» ينقلب الكلام من الحدوث إلى الكشف: ليس النزعُ صانعَ اليأس بل كاشفَه؛ جِبِلّةٌ كانت راقدةً فأُوقظت. فحرفٌ واحدٌ إذن نقل الآيةَ من نازلةٍ إلى طبيعة متسقة. ويشدُّ أزرَه النظمُ كلُّه: جملةٌ اسميّةٌ لا فعليّة، وبناءُ مبالغةٍ ثابتٌ (يئوس، كفور) لا فعلٌ متجدّد (يئسَ، كفرَ)؛ فالاسمُ للثبوت والفعلُ للحدوث.
ثم فلأَنظُر إلى أختها. النزعُ يُخرج ﴿يَئُوسٌ كَفُورٌ﴾، وردُّ النعماءِ بعد الضرّاء يُخرج ﴿فَرِحٌ فَخُورٌ﴾: ضدّانِ في الظاهر، من علّةٍ واحدةٍ في الباطن: أنّه لا يرى إلّا النعمة، ولا يرى المُنعِم. فإذا رُفعت قنَط، وإذا رُدّت فَخَر. وأمضى ما في الآيتين إفصاحٌ منصوب في الضمائر: ﴿أَذَقْنَا﴾ و﴿مِنَّا﴾ و﴿نَزَعْنَاهَا﴾ في كلام الله، ثم ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ في كلامه هو. ذهبت السيّئاتُ كأنّها ذهبت بذاتها! وكأنما لا مُذهِبَ ولا رادَّ! فأسقط المُنعِمَ من الجملة إسقاطًا، وأبقى الياء!
ولمَ حُكيَ الثاني بلسانه وأُخبِرَ عن الأوّل إخبارًا؟ لأنّ القانطَ يسكُت والزاهيَ ينطق. فاستُنطق، ثم أُتبِعَ نطقُه بـ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ حكمًا مُبرَمًا بعد اعترافٍ أدلى به بلسانه، لا دعوى تلتمس بيّنة. ثم ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: لو كان اليأسُ عارضًا لكفى في دفعه زوالُ سببه؛ لكنّه لمّا كان جِبِلّةً مؤكَّدةً بـ«إنّ» واللام، لم يُنقَض إلّا بمكتسَبٍ يُنازع الجِبِلّةَ منازعةً: صبرٌ وعمل. فالاستثناءُ برهانٌ رجعيٌّ على أنّ «إنّ» جاءت لتقرير الطبع لا لتقرير الحادثة.
وهذا كلُّه من حرفٍ لا معنى له في نفسه، مفردًا. وعلى هذا يجري استطراد أشياء كثيرة في الدلائل من الجرجاني: أنْ ليس في اللفظة مجرّدةً مزيّةٌ ولا فضل، وأنّ الفصاحةَ لا تسكن الكلمةَ بل تسكن موقعَها من أختها. فمَن بحث عن الإعجاز في المفردات فإنما يبحث عما لن يجد؛ بل هو في السَّبك، وحده.
1. دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق محمود شاكر، مكتبة الخانجي، ص315
2. الصفحة ذاتها.
3. الصفحة ذاتها.
4. ص316
مما رواه عبد القاهر الجرجاني في الدلائل –«فصل إنّ ومواقعها»¹– أنْ راح الكِنديُّ إلى أبي العبّاس المبرّد يزعم أنّه وجد في كلام العرب حشوًا، وحجته مبناها: [يقولون «عبدُ الله قائمٌ»، ثم «إنّ عبدَ الله قائمٌ»، ثم «إنّ عبدَ اللهِ لقائمٌ»، ألفاظٌ تتكرّر ومعنًى واحد.]² فردّ أبو العبّاس بما مفاده أن: [المعاني مختلفةٌ لاختلاف الألفاظ؛ الأولى إخبار، والثانية جوابُ سائل، والثالثة جوابُ منكِر.]³ فلم يقدر الكندي جوابًا.
ثم يزيده الجرجاني: إذا خفي هذا على الكِنديِّ حتى ركب فيه ركوبَ المعترض، فما ظنُّك بالعامّة ومَن هو في عِداد العامة، ممن لا يخطر شِبهُ هذا بباله؟
ثم يمضي إلى الأمضى، فيُنشد بيتَ بشّار بن برد⁴: «بكِّرا صاحبيَّ قبلَ الهجيرِ / إنّ ذاكَ النجاحَ في التبكيرِ»، فيقول مفادا: تدخل «إنّ» فترتبط الجملةُ بما قبلها وتتّحد به، حتى كأنّ الكلامَين أُفرغا إفراغًا واحدًا، وكأنّ أحدَهما سُبِكَ في الآخر. فإذا أسقطتَها نَبا الثاني عن الأوّل وتجافى معناه عن معناه، ولم تجد له به سبيلًا حتى تجيءَ بالفاء؛ ثم لا ترى الفاءَ تردُّ عليك ما كنتَ تجدُ بـ«إنّ».
فهو ذا الميزان إذن: الفاءُ تُصرّح بالتعليل من خارجٍ فتجعله دعوى مستأنَفة، و«إنّ» تُضمره في السَّبك فتجعله مفروغًا منه. تلك تعطِف، وهذه تُذيب.
وشواهدُه من التنزيل: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾، ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾، ويجعل أبيَنَها ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ وهي من هود. ثم يقول إنّها من الكثرة بحيث لا يدركها الإحصاءُ، ويمضي.
لكنه لم يقف عند ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾، ولا عند ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾، تركهما. فالقياس ينسحب، فآخذُها أنا.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾. «إنّ» ولامُ الابتداء معًا: جوابُ منكِرٍ على قسمة أبي العبّاس. فمن المنكِر؟ الإنسانُ نفسُه. ما من أحدٍ يُقرّ لك بأنّه يئوسٌ كفور. فليس التوكيدُ المضاعف إفادةَ خبرٍ لخالي الذهن، بل خصومة: إذِ الآيةُ تُجادل المخاطَبَ في نفسه، وتجرّه.
ثم فلأُجرِ اختبارَ الجرجاني: أسقط «إنّ» وقل «فهو يئوسٌ كفور». صارت الفاءُ تُخبر أنّ اليأسَ |حَدَثَ| عند النزع، فيصبح أثرًا طارئا ولّده الحرمان! ومع «إنّ» ينقلب الكلام من الحدوث إلى الكشف: ليس النزعُ صانعَ اليأس بل كاشفَه؛ جِبِلّةٌ كانت راقدةً فأُوقظت. فحرفٌ واحدٌ إذن نقل الآيةَ من نازلةٍ إلى طبيعة متسقة. ويشدُّ أزرَه النظمُ كلُّه: جملةٌ اسميّةٌ لا فعليّة، وبناءُ مبالغةٍ ثابتٌ (يئوس، كفور) لا فعلٌ متجدّد (يئسَ، كفرَ)؛ فالاسمُ للثبوت والفعلُ للحدوث.
ثم فلأَنظُر إلى أختها. النزعُ يُخرج ﴿يَئُوسٌ كَفُورٌ﴾، وردُّ النعماءِ بعد الضرّاء يُخرج ﴿فَرِحٌ فَخُورٌ﴾: ضدّانِ في الظاهر، من علّةٍ واحدةٍ في الباطن: أنّه لا يرى إلّا النعمة، ولا يرى المُنعِم. فإذا رُفعت قنَط، وإذا رُدّت فَخَر. وأمضى ما في الآيتين إفصاحٌ منصوب في الضمائر: ﴿أَذَقْنَا﴾ و﴿مِنَّا﴾ و﴿نَزَعْنَاهَا﴾ في كلام الله، ثم ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ في كلامه هو. ذهبت السيّئاتُ كأنّها ذهبت بذاتها! وكأنما لا مُذهِبَ ولا رادَّ! فأسقط المُنعِمَ من الجملة إسقاطًا، وأبقى الياء!
ولمَ حُكيَ الثاني بلسانه وأُخبِرَ عن الأوّل إخبارًا؟ لأنّ القانطَ يسكُت والزاهيَ ينطق. فاستُنطق، ثم أُتبِعَ نطقُه بـ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ حكمًا مُبرَمًا بعد اعترافٍ أدلى به بلسانه، لا دعوى تلتمس بيّنة. ثم ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: لو كان اليأسُ عارضًا لكفى في دفعه زوالُ سببه؛ لكنّه لمّا كان جِبِلّةً مؤكَّدةً بـ«إنّ» واللام، لم يُنقَض إلّا بمكتسَبٍ يُنازع الجِبِلّةَ منازعةً: صبرٌ وعمل. فالاستثناءُ برهانٌ رجعيٌّ على أنّ «إنّ» جاءت لتقرير الطبع لا لتقرير الحادثة.
وهذا كلُّه من حرفٍ لا معنى له في نفسه، مفردًا. وعلى هذا يجري استطراد أشياء كثيرة في الدلائل من الجرجاني: أنْ ليس في اللفظة مجرّدةً مزيّةٌ ولا فضل، وأنّ الفصاحةَ لا تسكن الكلمةَ بل تسكن موقعَها من أختها. فمَن بحث عن الإعجاز في المفردات فإنما يبحث عما لن يجد؛ بل هو في السَّبك، وحده.
1. دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق محمود شاكر، مكتبة الخانجي، ص315
2. الصفحة ذاتها.
3. الصفحة ذاتها.
4. ص316