انبرى كل كاتب حقير يتصبب من ضعف القلم وفقر الفكر

انبرى كل كاتب حقير يتصبب من ضعف القلم وفقر الفكر، يتوارى خلف ستار الغموض المتعمد، ليدّعي أن اللغة عاجزة عن حمل أسمى معانيه وأعمق مقاصده. فبدل أن يسعى جاهداً ليُنير الطريق لقارئه بعبارات واضحة كبلّور، راح يصرخ له بسخرية محتقنة: «ألم تدرك ما أعنيه؟»، فإنْ لم يرد قائلاً: «لا أبالي»، وطرح الكتاب جانباً، أُجبر على الاعتقاد بأن بين دفتيه عمق لا يُدركه فكره الضعيف، وبينما تتسع عيناه دهشةً، أطلق على مؤلفه صفة الفيلسوف الغارق في بحور الدهشة والغموض.

ومن بين ثمرات هذه المهزلة أنّ أهل إنجلترا إذا أرادوا وصف شيء غامض معقد حتى أفق الغيب المطلق، يقولون It is like German metaphysics، أي «كالميتافيزيقا الألمانية»؛ تماماً كما يُقال في فرنسا: «واضح كزجاجة الحبر»، حيث يختبئ الغموض في أوضح الصور، ويُحتفى بالسخف تحت عباءة التعقيد.

أمّا ما يميز كتابات الفلاسفة في عصرنا، فهو ظهورها كهيئات خاوية تتماهى في فقاعة من التفاهات، حيث لا تملك شيئاً حقيقياً لتُعلِنَه، وهذه الظاهرة تجد انعكاسها عبر كل الأصوات الفلسفية الكبرى من سالات إلى هيغل، ومن هربارت إلى شلايرماخر. فالفكرة التي تكاد تكون رقيقة، معدومة، وتتلاشى وتذوب في بحار من الكلام المفرط، كطريقة مثلية من التخفيف لا تُراعي ذرة من المعنى، فتتواصل تلك الطلاسم صفحة تلو صفحة متّكئة بثقةٍ عمياء على صبر القارئ الألماني الذي لا ينضب.

وها هو العقل، ذاك السجين المحاصر في زنزانة القراءة العبثية، يلهث بلهفةٍ يائسةٍ نحو وهج الفكر الصلب، ذاك الفكر الجوهري الثابت الذي يُنير دروب الإدراك، فيخفق كقلب العطشان في قفار الصحراء العربية القاحلة باحثاً عن قطرة ماء تروي ظمأه، لكنه لا يجد سوى سراب قاتل من الفراغ المقيم، حيث يغوص فيه غوصاً عميقاً في موتٍ بطيءٍ كئيبٍ صامت يجرّه بلا هوادة إلى هاوية اللاوعي القاتل التي لا تُفلت منها الأرواح.

~ شوبنهاور، الفلسفة الجامعية، ص48–49، ترجمة د. باسم صابر ميخائيل، دار الرافدين.