تلقى الألمعيّ ديراك كتابَيْن كهدية من أوبنهايمر، إلا أنه رفضها قائلا: "أنا لا أقرأ، فالقراءة تمنعني من التفكير"¹

وقد أشار نيتشه ومن قبله شوبنهاور لهذا المعنى كثيرا، أفلم يقل شوبنهاور《القراءة إنْ هي إلا التفكير برأس إنسان آخر لا برؤوسنا نحن》²؟

أولم يقل: 《وأهل العلم هم أولاء الذين أدمنوا القراءة من صفحات الكتب، أما أهل الفكر والنبوغ فهم أولئك الذين اتجهوا رأسا إلى كتاب الطبيعة، وهم الذين أضاؤوا الطريق أمام الإنسانية وساروا بها قدما في طريق الرقي.

فأفكار الإنسان إذا ما كان لها أن تتصف بصفة الحقيقة، وأن تكون حية، فإنها يجب أن تكون أفكاره هو . لأن تلك هي وحدها الأفكار التي يستطيع أن يفهمها فهما كاملا، أما الاطلاع على أفكار الآخرين فأشبه بالاقتيات على فضلات المآدب التي لم يُدع الإنسان إليها أو اكتساء ثياب الغير، بما خلفه وراءه زائر مجهول.

والفكر المقروء لا يمت إلى الفكر النابع من ذوات نفوسنا بصلة، إلا بقدر ما تمت الصورة المطبوعة لنبات في حفرية من حفريات ما قبل التاريخ إلى البرعم المتفتح في قلب الربيع.

فالقراءة لا تزيد على كونها بديلا عن الفكر الأصيل النابع من الذهن . وهي بمثابة وضع الذهن في سرج كالجواد . وما هذا الحشد العارم من الكتب إلا كثرة من الدروب الكاذبة تتسرب أمامنا وتتوه فيها خطانا، أما ذلك الذي لا يقوده إلا تفرده ونبوغه، ذلك الذي يفكر لنفسه فكرا تلقائيا طليقا واضح المعالم، فهو وحده الذي يحوز تلك البوصلة السحرية التي يمكن أن تهديه سواء السبيل، فالإنسان ينبغي ألا يقرأ إلا عندما تركد أفكاره ويصيبها الأسن في نبعها، وهو ما قد يحدث لأفضل العقول، أما متى تناول الإنسان كتب الغير لا لشيء إلا لتشتيت أفكاره هو النابعة من نفسه فإنه يكون قد انساق إلى خطيئة ضد الروح المقدسة، ويكون أشبه بذلك الذي يهرب من روعة الطبيعة الحية ليحملق في متحف من النباتات الجافة الميتة أو في رسم لمنظر طبيعي على لوح من نحاس.》³

1. نقل هذه القصة الفيزيائي الشهير لويس ألفاريز
في سيرته الذاتية: Alvarez: Adventures of a Physicist, 1987, ص87.
2. فن الأدب: مختارات من شوبنهاور، مقالة "عن تفكير المرء لنفسه"، ص145، ترجمة وتعليق: شفيق مقار، المركز القومي للترجمة.
3. فن الأدب: مختارات من شوبنهاور، مقالة "عن تفكير المرء لنفسه"، ص143، ترجمة وتعليق: شفيق مقار، المركز القومي للترجمة.