أعرِفُ الرجال لسنين طويلة أكون فيها قد اطلعت على تفاصيل من حيَوَاتِهم كثيرة وعاصرت معهم مشكلات مستعصية؛ إلا أنني أَعُدُّ من الواحد حتى العشرة مئة مرة قبل أن أفكر بإسداء نصيحة معيَّنة أو التدخل في خصوصية بعينها، وإذا ما حصل وأسديت نصيحةً فإنني قد أقضي وقتا بعدها أتفكر في مدى ملائمة نصيحتي أو لزوم طرحها من الأساس. وهاهنا أستطيع قولَ هذا: تُعرَفُ غباوة المرء بإسراعه إلى التدخل في غيره ونصحه بكل ما هب ودب وإزعاجه بالكلام الفارغ وقضّ مضجعه بثرثرة لا تفيد. وأعجَبُ كل العجب من امرئ لم يعرفني إلا من ثلث ساعة مضت فإذا به ينبري ناصحا لي متدخلا في خصوصيات لا يعلم عنها شيئا، أعجب من غباوته وضحالة عقله وسوء ما هو فيه. ولكنَّ هذا عشر معشار من أطباع بني آدم القميئة التي لا تُطَاق، فإذا أسلمنا في سردها وعدّها ما بقي من سبب واحد يحثُّ على أن يكون الإنسان اجتماعيا أو كثيرَ أصدقاء.

أعرف Ahmad S. Mahareeq منذ سنين الجامعة الأولى ولا أذكر أنْ سبق لكلينا أن حاول إملاء رؤاه على الآخر بل حتى لم أقل له إطلاقا جملًا من قبيل "أريد مصلحتك"، "لأنني أرغب في إفادتك" ولم يسبق له هو كذلك أن بادرني بشيء من قبيل أنه يعرف مصلحتي أكثر مني، ولذا تجد شكل العلاقة ذا تُكتب له عشرات السنين في حين أنَّ منْ حرمهم الله من ذكاء وفير وأوتوا من الحماقة الكثير ليس في الوسع تحملهم أو أخذهم بالحِلْم. لا أحاول سرد أمر شخصي بقدر ما أحاول الوصول إلى قاعدة مؤداها أن الحياة الاجتماعية عموما شيءٌ مما ينقص العمر ويزيد الهم ويسرق الصفاء.