من الورقة البيضاء، ترجمة جزء عما كتبته بالإنجليزية:
في طبيعة المجتمعات الرقمية
قبل الخوض في التفاصيل التقنية، فإنَّ من الحكمة أن نتأمل في سبب إنشاء البشر للمجتمعات الرقمية أصلًا، وفي الاحتياجات النفسانية التي تلبيها هذه الروابط سريعة الزوال. ولكأنَّ القضيةَ تتمثل في صراع الإنسانية الأبدي ضد العزلة—ما أسماه شوبنهاور "معضلة القنفذ"؛ يسعى الناس للتواصل لكنهم يخشون أن يظهروا ضعفهم؛ يتوقون للانتماء بينما يحافظون على استقلاليتهم الفردية.
وإنَّ في عموم القنوات الرقمية حلٌّ يبدو غريبا لهذه المشكلة القديمة. فقناة التلغرام –مثلا– تمنح منشئها وهم التأثير دون عبء العلاقات المتبادلة المباشرة. فإن المتابعين يحصلون على القيمة مع الحفاظ على هويتهم غامضة أو خفية. ومشغل القناة يصبح نوعًا من الحاكم الرقمي، يحكم مملكة طوعية حيث يمكن للرعايا المغادرة بنفس سهولة قدومهم.
إلا أن هذه الحرية الظاهرة تخفي تبعية عميقة. فمنشئ القناة يستثمر سنوات في زراعة الثقة، وتطوير الخبرة، وبناء السمعة —أشكال من رأس المال الاجتماعي تبدو كما لو أنها موجودة دوما لكنها زائلة تحت أي تهديد تفرضه قوانين المنصة التي تستضيف القناة. وعندما تفشل المنصات أو تتغير السياسات، فإن هذه الثروة الاجتماعية المتراكمة تختفي كأنها لم تُوجد قط.
كما أن الأثر النفسي ليس بهيِّنٍ. فملحوظٌ أنَّ أصحاب القنوات يطورون ارتباطات عاطفية عميقة بمجتمعاتهم تنافس تلك الموجودة في الشراكات التجارية التقليدية أو حتى العلاقات الأسرية. لكن، وبخلاف أشكال التنظيم الاجتماعي الأخرى، فإن المجتمعات الرقمية تعيش في فراغ قانوني حيث أن المُلكية والاستخلاف —أي نقل الملكية رقميا— والحكم، تظل مفاهيم عصيَّةً على التحديد والتعريف.
ولذا ننقاد إلى مفارقة غريبة: خلق الإنترنت أكثر الأدوات تطورًا للتنسيق والتكافل في التاريخ، لكنه أحاطها بهياكل مُلكيَّة وأسوار أكثر بدائية من تلك التي تحكم كنائس العصور الوسطى. لعمري وكأن المطبعة اخْتُرِعَت شريطةَ أن تكون الكتب للتأليف فقط! لا للبيع أو التوريث قطعا…
في طبيعة المجتمعات الرقمية
قبل الخوض في التفاصيل التقنية، فإنَّ من الحكمة أن نتأمل في سبب إنشاء البشر للمجتمعات الرقمية أصلًا، وفي الاحتياجات النفسانية التي تلبيها هذه الروابط سريعة الزوال. ولكأنَّ القضيةَ تتمثل في صراع الإنسانية الأبدي ضد العزلة—ما أسماه شوبنهاور "معضلة القنفذ"؛ يسعى الناس للتواصل لكنهم يخشون أن يظهروا ضعفهم؛ يتوقون للانتماء بينما يحافظون على استقلاليتهم الفردية.
وإنَّ في عموم القنوات الرقمية حلٌّ يبدو غريبا لهذه المشكلة القديمة. فقناة التلغرام –مثلا– تمنح منشئها وهم التأثير دون عبء العلاقات المتبادلة المباشرة. فإن المتابعين يحصلون على القيمة مع الحفاظ على هويتهم غامضة أو خفية. ومشغل القناة يصبح نوعًا من الحاكم الرقمي، يحكم مملكة طوعية حيث يمكن للرعايا المغادرة بنفس سهولة قدومهم.
إلا أن هذه الحرية الظاهرة تخفي تبعية عميقة. فمنشئ القناة يستثمر سنوات في زراعة الثقة، وتطوير الخبرة، وبناء السمعة —أشكال من رأس المال الاجتماعي تبدو كما لو أنها موجودة دوما لكنها زائلة تحت أي تهديد تفرضه قوانين المنصة التي تستضيف القناة. وعندما تفشل المنصات أو تتغير السياسات، فإن هذه الثروة الاجتماعية المتراكمة تختفي كأنها لم تُوجد قط.
كما أن الأثر النفسي ليس بهيِّنٍ. فملحوظٌ أنَّ أصحاب القنوات يطورون ارتباطات عاطفية عميقة بمجتمعاتهم تنافس تلك الموجودة في الشراكات التجارية التقليدية أو حتى العلاقات الأسرية. لكن، وبخلاف أشكال التنظيم الاجتماعي الأخرى، فإن المجتمعات الرقمية تعيش في فراغ قانوني حيث أن المُلكية والاستخلاف —أي نقل الملكية رقميا— والحكم، تظل مفاهيم عصيَّةً على التحديد والتعريف.
ولذا ننقاد إلى مفارقة غريبة: خلق الإنترنت أكثر الأدوات تطورًا للتنسيق والتكافل في التاريخ، لكنه أحاطها بهياكل مُلكيَّة وأسوار أكثر بدائية من تلك التي تحكم كنائس العصور الوسطى. لعمري وكأن المطبعة اخْتُرِعَت شريطةَ أن تكون الكتب للتأليف فقط! لا للبيع أو التوريث قطعا…