يا شباب، في العشرينيات يتوفر لكم من المزاج المتقد والتركيز الذهني ما قد لا يعاودُكُم في لاحقِ سنين حيواتكم. وهذه مرحلة تأسيس وبناء وإعمار، وقد يستطيع الرجلُ أن يزاول الفِكْرَ والشرعيات والفلسفةَ والأدبيات وهو في حالٍ مالية متواضعة بل وقريبة من حد الفقر، لكنه لا يستطيع فعلَ كل ذلك إذا كان المالُ همًّا من همومه وطريدةً من طرائده، ألم يقل شامفور أن جريان الطبيعة لا يفرض غنًى ولا فقرا بل يكفي المرء أن يكون مستقلا؟

في اعتقادي فإن الرجل إذا ما كان قادرا على الأكل والشرب وشراء بعض الكتب بين الفينة والأخرى فإن هذا وحده أكثر من كافٍ ليبرِّز ويَبُزَّ أقرانه، أنا أعلم أن كثيرا من السلف كانوا أثرياء إلى جانب اتساع علومهم، كما أن هذا حاضر في كثير من المعاصرين، إلا أنها ليست قاعدةً تَعُمّ ولا شيئًا يصلح لِأَنْ يُدعَى كل الشبان إليه…

إنني أعرف من الأصحاب والرفاق مَنْ كانوا جهابذةً في ميادينهم عمالقةً في مكتنزهم العلمي قبل أن يجرَّهُم سيلُ الهموم الحياتية التي ترجع كلُّ جذورها إلى مطاردة المال، فتجد الواحد فيهم بعد أن صفعته قبضة الحياة العاتية قد صار لا يقوى على سماع، مجرد سماع حديث فكري أو علمي فضلا عن قراءة كتاب أو حتى مقالة قصيرة.

لعله يتبع…