أنهيت دراسة كتاب 《ابن سينا والتقليد الأرسطي: مدخل لقراءة أعمال ابن سينا الفلسفية》يقع في 650 صفحة
حينما كتب غوتاس 《إن المركز الرئيس والمسيطر الذي أخذه ابن سينا في تاريخ الفلسفة في العالم الإسلامي قد أُعطِيَ له بحق وهو حي》¹
فإنه سدد ضربة تاريخانية هامة، فهذا الطرح يتحدى النظرة السائدة بأن أعمال ابن سينا لم ترَ النور سوى بعد وفاته، فعلى العكس، أتى طرح غوتاس مفيدا بأنه قد جرى الاعتراف بابن سينا كشخصية قالبة للموازين من قِبَل أقرانه، الأمر الذي يفسر لماذا شعر الفلاسفة اللاحقون بأنهم مجبورون على أن يتكيفوا مع أعماله ويتعاملوا معها، إما عبر القبول، أو المراجعة وإعادة النظر، أو الرفض.
يرى المؤلف كذلك أن 《عددا من المنحولات بدأت تُنسب إليه، حتى أصبحت شخصية ابن سينا "الصوفية" طاغية》² أمرٌ يكشف استيلاء ثقافي رهيب، فذا لا يشير إلى خلل تاريخي فحسب بل يوضِّح كيف أن القامات الفلسفية في الوسع إعادة هيكلَتِها لخدمة أجندة ثقافية وفكرية معينة. لذا، فإن تحويل ابن سينا من فيلسوف أرسطي كبير إلى "سيد الاستنارة الصوفية والمعرفة الغنوصية الباطنية" يبيِّن أنه تعرَّض لاستعمار وسرقة ثقافية بئيسة! ومن خلال ربط هذا التصوف بالهوية الوطنية الإيرانية (بسبب أصوله الفارسية) فإن غوتاس يشير إلى أن الطرح الفلسفي قد يشطح بأبعاد تتشابك مع الفخر الوطني والتراتبية الثقافية.
وحين نتعرض لمقولة ابن سينا 《الأشياء المجهولة تُكتَسَب عن طريق الحد الأوسط من القياس الأرسطي، ويجري الحصول على هذا الحد من خلال سرعة الفهم، حيث أن التخمين الصحيح يسيح في النفس》³
فإننا أمام تمركز إبستمي ضخم، وليس الأمر منوطا بوصف طريقة للتعلم بل محاولة لتأسيس نظرية معرفة تردم الهوة بين الملاحظة الأمبيرية والتفكير المجرد. فوصف "سيحان" الحد الأوسط في النفس يشي بحدث معرفي صُدفي، ولكنه حدث يحصل داخل إطار هيكلي من المنطق. وهذا التصور إنما يمثِّل حل ابن سينا لمعضلة فلسفية أساسية: كيف نستقرئ المبادئ الكليانية من الملاحظات الجزئية؟ ومن خلال الإجابة بِ"استعداد النفس للتأثر بالعقل الفاعل" يحسب حسابا للإلهام الذهني الذي لا يتطلب تبصرة صوفية مع إبقاء طبيعة الخوارق المعرفية.
يقول ابن سينا قولا رائقا: 《إنه ليس من عادتي في هذه الكتب أن أنخرط في التمسك الحزبي بأي شيء سمعته أو افترضته، وخاصة فيما نشأت عليه، كما هي عادة السوفسطائيين》⁴ وهاهنا يُعرِّض بالطرائق الكلامية والمذاهب الفلسفية العصية على النقد.
كما أنه يقول: 《إنني أحمي التعاليم الفلسفية من هؤلاء الذين يستفزونها، ومن الجهلاء، وأولئك الذين لا يتمتعون بذكاء شديد》⁵ وإشارته للذكاء الشديد ليست عبثية، بل في صلب فلسفته أن الحدود في القياس يجب أن تُعرف بسرعة وعلى السليقة، الأمر الذي يفتقده مَن ليس عندهم من الذكاء كثيرٌ.
1. ص. xi
2. ص. xi-xii
3. ص. 8-9
4. ص. 41
5. ص. 48-49
يتبع...
حينما كتب غوتاس 《إن المركز الرئيس والمسيطر الذي أخذه ابن سينا في تاريخ الفلسفة في العالم الإسلامي قد أُعطِيَ له بحق وهو حي》¹
فإنه سدد ضربة تاريخانية هامة، فهذا الطرح يتحدى النظرة السائدة بأن أعمال ابن سينا لم ترَ النور سوى بعد وفاته، فعلى العكس، أتى طرح غوتاس مفيدا بأنه قد جرى الاعتراف بابن سينا كشخصية قالبة للموازين من قِبَل أقرانه، الأمر الذي يفسر لماذا شعر الفلاسفة اللاحقون بأنهم مجبورون على أن يتكيفوا مع أعماله ويتعاملوا معها، إما عبر القبول، أو المراجعة وإعادة النظر، أو الرفض.
يرى المؤلف كذلك أن 《عددا من المنحولات بدأت تُنسب إليه، حتى أصبحت شخصية ابن سينا "الصوفية" طاغية》² أمرٌ يكشف استيلاء ثقافي رهيب، فذا لا يشير إلى خلل تاريخي فحسب بل يوضِّح كيف أن القامات الفلسفية في الوسع إعادة هيكلَتِها لخدمة أجندة ثقافية وفكرية معينة. لذا، فإن تحويل ابن سينا من فيلسوف أرسطي كبير إلى "سيد الاستنارة الصوفية والمعرفة الغنوصية الباطنية" يبيِّن أنه تعرَّض لاستعمار وسرقة ثقافية بئيسة! ومن خلال ربط هذا التصوف بالهوية الوطنية الإيرانية (بسبب أصوله الفارسية) فإن غوتاس يشير إلى أن الطرح الفلسفي قد يشطح بأبعاد تتشابك مع الفخر الوطني والتراتبية الثقافية.
وحين نتعرض لمقولة ابن سينا 《الأشياء المجهولة تُكتَسَب عن طريق الحد الأوسط من القياس الأرسطي، ويجري الحصول على هذا الحد من خلال سرعة الفهم، حيث أن التخمين الصحيح يسيح في النفس》³
فإننا أمام تمركز إبستمي ضخم، وليس الأمر منوطا بوصف طريقة للتعلم بل محاولة لتأسيس نظرية معرفة تردم الهوة بين الملاحظة الأمبيرية والتفكير المجرد. فوصف "سيحان" الحد الأوسط في النفس يشي بحدث معرفي صُدفي، ولكنه حدث يحصل داخل إطار هيكلي من المنطق. وهذا التصور إنما يمثِّل حل ابن سينا لمعضلة فلسفية أساسية: كيف نستقرئ المبادئ الكليانية من الملاحظات الجزئية؟ ومن خلال الإجابة بِ"استعداد النفس للتأثر بالعقل الفاعل" يحسب حسابا للإلهام الذهني الذي لا يتطلب تبصرة صوفية مع إبقاء طبيعة الخوارق المعرفية.
يقول ابن سينا قولا رائقا: 《إنه ليس من عادتي في هذه الكتب أن أنخرط في التمسك الحزبي بأي شيء سمعته أو افترضته، وخاصة فيما نشأت عليه، كما هي عادة السوفسطائيين》⁴ وهاهنا يُعرِّض بالطرائق الكلامية والمذاهب الفلسفية العصية على النقد.
كما أنه يقول: 《إنني أحمي التعاليم الفلسفية من هؤلاء الذين يستفزونها، ومن الجهلاء، وأولئك الذين لا يتمتعون بذكاء شديد》⁵ وإشارته للذكاء الشديد ليست عبثية، بل في صلب فلسفته أن الحدود في القياس يجب أن تُعرف بسرعة وعلى السليقة، الأمر الذي يفتقده مَن ليس عندهم من الذكاء كثيرٌ.
1. ص. xi
2. ص. xi-xii
3. ص. 8-9
4. ص. 41
5. ص. 48-49
يتبع...