قاعدةُ أنْ عامِلْ الناس كما يعاملونك فاسدةٌ، بل حينًا يستحق مَن هدد باعتداء ولم يعتدِ بعدُ أن يُعتَدَى عليه ويُسبَقَ بضربة تؤدبه، ولأجل هذا قال زُهير: 《ومن لا يَظلِم الناس يُظلَم》. وحينًا يستحق مَن اعتدى أن يُسكَت عنه ويُعاقَب بعدم فعل ما يتوقعه، ولكنَّ قاسما وحيدا مشتركا يسري جريانه في كل القواعد، أنك لستَ بخافضٍ جناحك للناس إلا واستعلوا عليك وأكلوا لقمتك من الكبرياء وأخفضوا عزتك ما سنحت لهم في ذلك من الفرص سانحة، وإذ ذاك فلا بد أن يُضرَب أي مُحاولٍ للانتقاص ضربات شديدة تنسيه حليب أمه، فقانون البشر أوسخُ من قانون الغاب، والناس لا يتركون مجالا للنيل من بعضهم إلا واستغلوه شر استغلال، ولا بد للساعين في هذه الدنيا من التأسي بقول الشنفرى: 《ولستُ بمحيار الظلام إذا انتحت |||| هُدَى الهوجل العسّيف يهماءُ هوجَلُ》أي أن يتقي المرء الحيرة وقتَ يتحير خصومه، ولو اجتمع الناس على شيء أيا يكون هذا الشيء لَتفرقوا بعد ثانية واحدة من تضارب مصلحة أو تضاد منفعة تخصهم، وأيَّما امرئ قد أخذته العذوبة بأطباع البشر وأرهف الحسَّ بإحسانه الظن فيهم فعليه أن يراجع حساباته ويعيد النظر في أمره، فكما قال شوبنهور مصدَّقًا: 《الأنانية تحكم العالَم》وليس عند أحدٍ مِن منفعة يقدمها لك سوى أن تسبقها منفعةٌ لنفسه، فاعرف حقيقة الدنيا ولا تجامل نفسك وغيرك بما ليس عندك ولا فيهم فتأتيك ضربة تضطرك أن تصحو من غفلتك مرغما