كثير من الناس يقضي جُلَّ وقته في التعرُّض للمشتتات الذهنية والسوالب الفكرية ثم يتذمر متسائلا لماذا لا تأتيه أفكار إبداعية أو رؤى خلَّاقة؟

ومن جملة هذه المؤثرات: الإنترنت عموما، والإكثار الإدمانيّ لقراءة المقالات والكتب، والغرق في الاجتماعيات والثرثرة المفيدة وغير المفيدة مع أصحاب غير مفيدين

أول سنتيمتر في سلوك طريق الإبداع يتمثل في أن تكون متأكدا من هذا الدماغ الذي في رأسك، هل هو ملكك؟ وهل أنت حقا تفكر باستخدامه على طرائقك وأساليبك الخاصة؟ أم أنك آلة مجترَّة يستعملها الآخرون ولا فائدة من ورائها؟

ولأقرِّب الصورة، عليك أن تتعلم | كيف | تفكِّر من زاوية تخصك ترى عبرها ما لا يحسن غيرك أن يرى، أعني أن تتوقف عن استعمال مناظير الآخرين في الرؤية

يقول بول ديراك -أحد أعظم فيزيائيي التاريخ- "أنا لا أقرأ البتة، القراءة تمنعني من التفكير". ها رأيت؟ تصوّر؟ وهذه حقيقة شهد شوبنهاور عليها وشدَّد فقال مثلا: "القراءة إنْ هي إلا التفكير برؤوس الآخرين لا برؤوسنا نحن" (راجع مقالته: عن تفكير المرء لنفسه، مترجمة تحت عنوان "فن الأدب: مختارات من شوبنهاور")

فالخروج إلى الطبيعة الخالية والمشي إذ ذاك مشيا طويلا، أمر لو فعله الناس كما يفعلون مع الجلوس على شبكات التواصل، لكانت أذهانهم للفِكَرِ أقدَح، وللنظر أمرَح، ولو توقَّف المرء عند كل حقيقة يمعن فيها عقله ويُشغل فيها رأسه فيتأملها من جوانبها الخفية والعصية، لشحذ ملكاته وقوَّاها. هذي تفاصيل بسيطة لكنها إما غائبة عن الناس أو مستَخفٌّ بها، بيد أنها شديدة الأهمية والمفصلية.

يتبع...