التفكير من خلال الكليشيهات

ردًا على

"لا يستطيع الإنسان إلا أن يتحمل قدرًا محدودًا من الخوف

ردًا على رسالة
التفكير من خلال الكليشيهات، الذي يتخصص فيه أهل شبكات التواصل، تفكيرٌ مرَضِيٌّ يؤسف له.

قد يستوعب قارئ ما، من مقولة أردان دو بيك هذه، في سياق من الاستيعاب العلمي أو الاجتماعي المحصور، أو غيره، مما يتأثر به مزاجه أو يسيطر على انشغالاته، فيكون القبْس أو الاقتباس مرآةً تعكس قدرة ذهنه على التلقي.
ولكن هذا القارئ يقع في محرَّمة كبيرة إذا ظن واهما أنه استوعب، فيما قد يصور له أنه قناعة، أن مقولةً كهذه -مثلا- إذا قرأها في مكان عابر، وليكن كتابا أو منشورا في شبكة، تعطيه جرعةً مما قد يحسبه وعيا يعتمل في علقه.

وأردان دو بيك، العسكريّ ومنظِّر الحرب الفرنسي ابن القرن التاسع عشر، لم يجلس وراء مكتب ليدبِّج كتابه دراسات الوغى فيحرُم إذن اقتيات الأدباء والإنشائيين عليه. وإذ تخرج من أكاديمية عسكرية عام 1844، وشارك في اقتحام صِهريج سيباستوبول في 1855، وقع أسيرًا في يد الروس، وأُفرج عنه بعد ثلاثة أشهر، ثم كان في حملة سوريا 1860-1861 وحملات أفريقيا 1864-1866، قتلتْه قذيفة بروسية في مدينة ميتز الفرنسية، وهو على رأس فوجه: فوج مشاة الخطّ العاشر في 1870.

ومن سيرته وما تعكسه على كتبه، تجد أنه بعث سنة 1868 رسالةً ،وهي استبيان إلى ضبّاط قادوا تحت النيران في حروبٍ سابقة، يسألهم عمّا جرى فعلًا: متى سقط السلاح من اليد، ومتى انقلب الصفّ، وأين كانوا حين ظنّوا أنفسهم يقاتلون. لم يطلب لائحةً ولم يلقِ خطابًا، أراد أن يفحص الشهادات. وإذ تجده يكتب من التحليلات ما كان فاتحا ومحفِّزا على تطوير قراءة العوامل النفسية في النظريات الحربية، تلقى أنه يتحاشى الصياغة في أي قوالب أدبية، فيأتي كتابه دراسات الوغى على شواكل الوقائع، وليس المذكِّرات واليوميات.

وإذ يمرُّ قارئٌ على قبسته "لا يستطيع الإنسان إلا أن يتحمل قدرًا محدودًا من الخوف. اليوم، يجب على المرء أن يبتلع في خمس دقائق الجرعةَ التي كان يبتلعها في ساعة واحدة زمنَ تورين Turenne." فإنه لا بد أن يفهم السياق والظرف والحافز، الذي يدفع أردان دو بيك لصياغة مِثل هذا.

فمما لاحظه خلال دراساته وممارسته، التي شهدت تطورا سريعا للأسلحة النارية وأدوات الحرب، أن الإنسان هو أداة القتال الأولى، وأن ما يُسمّى «الصدمة» قد يكون أسطورة غير مفحوصة إذا لم يُقَف عليها. فالجيشان لا يتلاقيان بالحربة، بل ينقلب أحدهما قبل التماسّ. والمعركةُ مساومةٌ معنويّة تُحسم قبل الدم. أما وصفه على سبيل الاستعارة لزمن تورين، الذي نقل فكرة كبرى في سطرَيْن، هو هذا كلّه مضغوطًا: في وقت تورين، كانت الجيوش جيوشَ رمح وبندقية معًا: فثلثُ الكتيبة تقريبًا رَمّاحون يحمون أصحاب البنادق أثناء الرمي، وكانت البنادق من صنف الفتيل، أي: ثقيلة تناهز خمسة كيلوغرامات، وتُحشى من الفوهة بنحو عشرين حركةً مرتَّبة، ويتدلّى من يد الرامي حبلٌ مشتعل، قد يفضحه ليلًا، ويخذله في المطر، ويحرق جاره إن أخطأ. وتحتاج الرمية الواحدة دقيقة أو دقيقتين، ومدى قتلها: 80 مترًا إلى مئة، وما بعدها ضجيج. أما المدفع فمن البرونز، أملس يُحشى من الفوهة، ويقذِف كرةً صمّاء بمعدّل رميةٍ أو رميتين، وإذا استقرّ في موضعه لا يبرحه، والكرةُ تشقّ في الصفّ أخدودًا وتمضي؛ فلا تنفجر فيه.

إذا حاولت صورنة أو قولبة ذلك في تلخيص سريع، تجد أن: نطاق الموت شريطٌ رفيع، 100 متر. والمعركة تستغرق ساعات، لكنّ لحظة الخطر الفعليّ تنحصر في دقائق. والجنديّ الذي يقف كتفًا بكتف، يرى ضابطه ويراه ضابطه، ويرى مَن يقتله. عنده ساعاتٌ ليخاف، وليس عنده إلا دقائق ليُقتل، فالخوفُ مبثوثٌ بالتوزيع على مدّة طويلة.

ففي عام 1847، وهي من فترة أردان دو بيك، أصبحت الرصاصة رصاصةَ مينييه، أي: قذيفةً مخروطيةً مجوّفة القاعدة، تتمدّد بضغط الغاز فتُمسَك بالتخديد، وهو إحداث الشقوق فيها، فتصير سلاحًا يصيب إصابةً جماعيّة، ورفعت مدى الإصابة وشدة الفتك رفعًا محسوسًا، فأصبح الحدّ القاتل بدل 100 متر: أربعمئة. وبفضل من بندقية شاسبو، طراز عام 1866، صار الحشوُ ممكنًا للجندي جاثيًا ومنبطحًا، بعد أن كان السلاحُ يفرض على صاحبه أن ينتصب واقفًا.

والسبق البروسيّ لتطويرها، في نفس العام، صدم أوروبا كلَّها وحفزها على إعادة كتابة لوائح مشاتها، وذا هو السياق المباشر لاستبيان أردان دو بيك سنة 1868. بل وفي نفس السنة ازداد تكثيفُ النار: بصنع رشّاشة دو ريفي، التي سمحت ب125 طلقةً في الدقيقة؛ وبمدفعية مخدَّدة تقذف قنبلةً ذات صاعقٍ تنفجر بين الرجال، لا كرةً تمرّ بينهم.

وإذ أنه بين الرجلين، تورين وأردان دو بيك، ما يقرب حدًّا زمنيا متمثلا ب200 سنة، قتلت تورين كرةُ مدفعٍ طائشة عند سالزباخ سنة 1675، أثناء استطلاعه. وأردان دو بيك، كما ذكرتُ، قتلته قنبلةٌ بروسيةٌ أمام ميتز عام 1870. فطرفا المقولة رجلان قتيلان بينهما قرنان، والفرقُ بين المقذوفين هو الأطروحةُ كلُّها.

(( يستغرق الأمر عشرين عامًا لنقل الإنسان من حالته النباتية التي يكون عليها في رحم أمه، ومن حالته الحيوانية البحتة التي هي قدره في طفولته المبكرة، إلى الحالة التي يبدأ فيها نضج العقل بالظهور، وقد استغرق الأمر ثلاثين قرنًا لمعرفة القليل عن بنيته، وسيستغرق الأمر الأبدية كلها لمعرفة شيء عن روحه، أما قتله فلا يلزمه سوى لحظة. ))
~ فولتير, Dictionnaire philosophique, article "Homme" — in Œuvres complètes de Voltaire, Éditions Garnier Frères, Paris — Vol. 19 (Questions sur l'Encyclopédie, Part 5)

— 15 فبراير 2026 ·
https://qasawa.com/p/2216