أحسب في أحايين كثيرة أنَّ جزءًا مما يَعِنُّ لي ولا أنشره، فيه من الخير واللياقة الكثير، مع ذلك لا أنشره؛ ليس لأنه دُونٌ أو قميئ، ولا لأنه ضحل لا يصلح، بل لأن في تحسينه والتحفظ عليه إلى حين خيرٌ أعظم، وفي حين أن الدماغ واحد، إلا أن أفكاره عديدة، وحتى الفكرة الواحدة لها تشعيبات ومقاربات متباينة، والنظر إليها ممكنٌ من زوايا عدة، فعلى أيِّ شيء أُحمل، وإلى أيِّ حدٍّ أُرسَل، إذا ما عنَّ في البال خاطر وجَلَى في الذهن حاضر؟ أمسكه من خِنَاقه إلى أنْ أقْطع عنه النَّفَس، وأكتم صوته تماما، فإذا حلَّ ذلك حلَّ معه برودٌ ذو رهبة، فالفكرة أنَّاء التأمل إنما تكون ساخنة وتغلي كالبركان، فوجبَ إذن القبض عليها عبرَ تجميدها وإحالتها جليدا لا حِسَّ له، حتى تُضرَبَ الضربةَ الكاسحة فتتكسر، وهناك تمْثُلُ حاضرةً مطيعة، بيِّنة المعالم ذات تشكُّل واضح، ومن ثَمَّ تليق لمقارعة غيرها والترصُّد في الميدان.