لدى عوام الناس مشكلة ثقافية تتمثل في أن النقد والانتقاد غرضه 《عِداء النجاح ومعاداة الناجحين》،وكأنّه واجبٌ علينا أن نصفِّق ونرفع القبعات كلما رأينا مخبولا وراء مايكروفون يثرثر، وفي الوقت الذي يصبح فيه كل من هب ودب ضيفا في بودكاست يجري تسويقه على أنه 《مثال للنجاح》فإنه قد وجب التصرف على شاكلة معاكسة تماما والبدء في النقد 《الهدَّام》لا البنَّاء، بل والشتم والغلَط جائز في مثل ذي الحالات، فلا بد أن يشعر الحشرات بحجومهم الحقيقية، وألا تأخذهم النشوة بأنهم قد أصبحوا من الصفوة لمجرد أنْ استضافهم تاجر مشاهدات أخرق في بودكاست. وهذا يعيدنا إلى قضية جوهرية: ما معنى النجاح من حيث الأصل؟ ما الذي يمنع أن يكون عامل النظافة الذي يشتغل في شوارع البلديات أشد نجاحا من جحافل الحمقى من هؤلاء الذي يُصَدَّرون في شبكات التواصل؟ لماذا لا يستضيفيونه في بودكاست ليحدّثهم عن تفاصيل حياته؟ ثمَّ ما حقيقة هذه الموضة المتمثلة في تصدير تفاصيل حياة شخص إلى الناس يستمعون لها ويتناكفون حولها؟ إنك ما إنْ أجْلَسْتَ امرأً وأمامه مايكروفون حتى ظنَّ الدنيا تدور حوله وأنه أصبح مركزا مؤثرا في الأرض، وهكذا دواليك يصنع الإنترنت وهما مجتمعيا عملاقا سيصعُب تهديمه فيما بعد، وستؤدي هذه الصرعات المزيفة بأجيال جديدة إلى التَّلَف والفشل الحقيقي الذي سيستشري في بيئة من النجاح الموهوم.