الفصل 6

المحرك الإلهي

انتهى التدقيق إلى صفقة معلنة الطرفين: نزعٌ لامتياز الصورة، وثمنُه خروجُ التسويغ الأخير للكليات من المنطق إلى الإلهيات. وانتهى حكم التقارب إلى أن ذلك الثمن هو بالضبط ما يقع خارج كل لغة صورية. فلم يبق إلا النزول إلى الباب الذي رُحّل إليه العبء كله. وليس هذا الفصل ملحقًا وعظيًا بكتاب منطقي؛ هو معاينة الأرض التي تقف عليها الآلة التيمية كلها، والتي أعلنها الرجل من أول صفحة حين سمى أصول منطقهم «من أصول فساد قولهم في الإلهيات».1 فالكتاب الذي درسناه كتابُ إلهياتٍ حوربت في مقدماتها المنطقية، ومن قرأه منطقًا خالصًا قرأ نصفه.

6.1 ضمان التماثل: السنة والحكمة

كشفت المبرهنة الثالثة أن كل كبرى كلية تفتقر إلى مصحح، وأن مصححها عند الجميع يمر بالمعينات وجزم اللزوم. بمَ يُضمن أن اللزوم المجزوم به من شاهد يسري على الغائب؟ وما ضامنُ التماثل أصلًا؟ هنا جواب ابن تيمية الأخير، وهو ليس قضية منطقية بل قضية في رب العالم: «العادة تتبع إرادة الفاعل، وإرادة الفاعل الحكيم هي إرادة حكيمة فتسوي بين المتماثلات».2 فاطراد العالم أثر حكمة فاعل مختار، لا ضرورة عمياء في المادة ولا عادة ذهنية في العارف. ولهذا كان لمبدأ التماثل عنده هيكل استثناء معلن لا تملكه الطبيعانيات: العادة تنخرق، والنار لا تحرق السمندل والياقوت، وخرق العادة «مقام آخر»؛3 أما الذي لا ينتقض البتة فهو ما أخبر الله أنه لا ينتقض من سننه.4 وبهذا الميزان الدقيق ردّ على استدلالٍ من طرفي النقيض: على من جعل الاطراد ضرورةً قديمة فاستدل بآيات السنة على قدم العالم، كما صنع السهروردي المقتول في ألواحه، بأن انخراق العادات معلوم بالحس والمشاهدة؛5 وعلى من جعل الإرادة ترجيحًا بلا مرجح فأسقط التماثل رأسًا، بأن السنة تقتضي «أن حكم الشيء حكم نظيره» اقتضاء حكمةٍ لا اضطرار.6

وعلى هذا الضمان ينتصب الميزان الذي مر بنا في نقد المعيار، وهنا موضع بيانه الموجب. الميزان الذي أنزله الله مع الكتاب «يفسره السلف بالعدل ويفسره بعضهم بما يوزن به، وهما متلازمان»؛7 وحقيقته المعرفية القدرُ المشترك الذي به يُعرف تماثل المتماثلات: «كان هذا القدر المشترك الذي هو العلة هو الميزان التي أنزلها الله في قلوبنا لنزن بها هذا ونجعله مثل هذا فلا نفرق بين المتماثلين، والقياس الصحيح من العدل الذي أمر الله به».8 فالميزان المنزل ليس نظامَ استدلال مخصوصًا بل ملَكةُ وزنٍ مغروزة، والقياس الصحيح فرعٌ من العدل؛ ولهذا قرر أن الموازين العقلية حق كما ذكر الله في كتابه، «وليست هي مختصة بمنطق اليونان وإن كان فيه قسط منها»، وأن «صيغ التمثيل هي الأصل وهي أكمل».9 هذه هي الحلقة الأخيرة في سلسلة التسويغ التيمية: الشاهد يقيم اللزوم، واللزوم يسري بالتماثل، والتماثل مضمون بالحكمة، والحكمة صفة فاعل واحد. من هنا فصاعدًا لا منطق؛ توحيد.

6.2 الآيات: دلالة على العين لا على القدر المشترك

فإذا انعكس النظر من تسويغ الكليات إلى معرفة الله نفسه، ظهر وجه الحاجة العميق إلى غير القياس. القياس بصورتيه لا يعطي إلا كليًا؛ ومطلوب هذا الباب عينٌ لا كلي: «أشرف الموجودات هو واجب الوجود، ووجوده معيّن، لا كلي... فإذا لم تُعلم إلا الكليات لم يُعلم شيء منها».10 فكل قياس ينتهي إلى محدَث مطلق أو واجب مطلق، والعينُ «إنما يُعلم عينه بعلم آخر يجعله الله في القلوب، وهم معترفون بهذا لأن النتيجة لا تكون أبلغ من المقدمات».11 ومن هنا فرّق تفريقه الحاسم بين الدليل والقياس: «والدليل أعم من القياس»؛ فالآيات التي ملأ الله بها كتابه دليلٌ من نوع آخر: علامةٌ معيّنة تستلزم عينَ مدلولها، كالشمس آية النهار: «فالآيات تدل على نفس الخالق سبحانه، لا على قدر مشترك بينه وبين غيره. فإن كل ما سواه مفتقر إليه، فيلزم من وجوده وجود عين الخالق نفسه».12 وهذا هو الاستدلال بأحد المتلازمين المعينين على الآخر الذي رأينا في الفصل الثالث أن قسمة القوم أسقطته من الحساب؛ فأشرف أبواب الاستدلال كلها كان في العمود الذي حذفوه.

وأما الطريق القرآني إلى ما لا شاهد له من الغيب فليس شمولًا ولا تمثيلَ مساواة، بل تمثيلُ الأَولى: الرب «لا يجتمع هو وغيره تحت كلي تستوي أفراده»،13 فكل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به، وكل نقص نُزّه عنه مخلوق فتنزيه الخالق عنه أولى. وعلى هذا النسق أجرى القرآن إمكانَ المعاد: يستدل بالنشأة الأولى وبإحياء الأرض، والإمكان الخارجي «يُعلم بأن يُعلم وجوده في الخارج أو وجود نظيره أو وجود ما هو أبعد عن الوجود منه»؛14 فإذا كان الأبعد عن قبول الوجود موجودًا فالأقرب أولى. اعتبارٌ بالنظير وبما فوق النظير؛ تمثيلٌ مصعَّد لا يفتقر إلى كلية تستوي أفرادها، ولذلك وحده يصلح للباب الذي أفراده لا تستوي.

6.3 علم الله بالجزئيات: وحدة السلاح

ويبلغ الملف ذروته حيث يلتقي خصما «الردّ»، المنطقي والإلهي، في نقطة واحدة. قال ابن سينا ومن وافقه: إن الله يعلم الجزئيات «على وجه كلي» بحيث لا يعزب عنه مثقال ذرة. وابن تيمية يواجه هذا القول بسلاحه الذي جرّبناه في مواد البرهان نفسها: «العلم بالكلي، وهو القدر المشترك بين الجزئيات، لا يفيد العلم بشيء من الجزئيات البتة... ولو كانت الجزئيات تُعلم من الكليات لكان من علم مسمى شيء قد علم كل شيء فإنها كلها جزئيات هذا المسمى». ثم يطبقه على الدعوى: «وهذا أيضًا مما يدل على فساد قول ابن سينا ومن وافقه على أن الباري يعلم الجزئيات على وجه كلي... فإن هذا تناقض بيّن لمن تصور حقيقة الأمر»؛ وخاتمتها الساخرة: «وهم دائمًا يشبعون أنفسهم بالمحال بمثل هذه الكليات».15 فليتأمل القارئ وحدة السلاح: المقدمة التي أسقطت برهانهم عن معرفة الموجودات المعينة في الفصل الثالث، وهي أن الكلي لا ينال معينًا، هي بعينها التي تسقط إلههم عن معرفة خلقه. ليس في «الردّ» حجتان، واحدة للمنطق وأخرى للإلهيات؛ حجة واحدة تدور على الجهتين، ولهذا كان الكتاب واحدًا.

ويحرص وهو يهدم على ضبط النسب: هذا القول «ليس من كلام قدماء الفلاسفة كأرسطو وأصحابه ولا جمهورهم، وإنما هو معروف عن ابن سينا وأمثاله. وقد أنكر ذلك عليه إخوانه الفلاسفة كابن رشد وغيره».16 فالخصومة هنا أيضًا مع صياغة سينوية متأخرة لا مع الفلسفة جملة؛ بل يستدعي على نفاة الصفات شهودًا من داخل البيت: أبا البركات البغدادي ومن معه ممن قالوا لإخوانهم إن حجة التنزيه المزعومة بلا حجة، حتى صح أن يقول: «فكان من تنزيه الرب وإجلاله تنزيهه عن هذا التنزيه وإجلاله عن هذا الإجلال».17 وأقسى ما في الملف عاقبتُه العملية التي يرويها عن أصولهم في العبادة نفسها: إذا كان المدبر لما تحت فلك القمر هو العقل الفعال، فالمتحصل من دينهم أن يُسأل القمرُ ويستعاذ به، «فهو عندهم الرب الذي يُسأل ويُستعاذ به».18 هكذا تنتهي إلهيات الكلي المحض: ربٌّ لا يعلم عبده، وعبدٌ يستغيث بالوسائط.

6.4 عاقبة الطريق بشهادة أهله

ولو كان هذا كله جدلًا مذهبيًا لاحتُمل فيه القيل والقال؛ لكن الرجل يختم ملفه بشهادات لا يملك الخصم ردها، لأنها صادرة عن أساطين الطريق في منتهاه. الخونجي، إمام المنطقيين في زمانه وصاحب مصنفاتهم المعتمدة، حكى من حضره عند موته أنه قال: «أموت وما علمت شيئًا إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى الواجب»، ثم قال: «الافتقار وصف سلبي. أموت وما علمت شيئًا».19 والرازي، أوسع أهل الكلام المتفلسف حيلةً، كتب في آخر عمره: «لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن».20 وتلميذه الخسروشاهي قالها ثلاثًا لسائله: «والله ما أدري ما أعتقد».21 ليست هذه الشهادات برهانًا على فساد الجهاز؛ البرهان مضى في الفصول قبلها. هي شهادة الميدان على أن الآلة التي وُعدت العصمةَ لم تعصم حتى أئمتها من الحيرة، وأن الطريق الذي رُحّل إليه التسويغ في هذا الفصل ليس ملجأ ضعفٍ لجأ إليه رجل حديث، بل هو الذي شهد له كبار أهل الآلة حين صدقوا أنفسهم.

بقيت خطوة أخيرة: وضع هذا الكتاب كله في خريطة الدرس القائم، وبيان ما الذي أضافه إلى ما كُتب في قرنٍ عن «الردّ على المنطقيّين». وذلك فصل الختام.

الحواشي

  1. الردّ، ص 46.
  2. الردّ، ص 435.
  3. الردّ، ص 345 إلى 346.
  4. الردّ، ص 434.
  5. الردّ، ص 435.
  6. الردّ، ص 435.
  7. الردّ، ص 416.
  8. الردّ، ص 417.
  9. الردّ، ص 428.
  10. الردّ، ص 167.
  11. الردّ، ص 390.
  12. الردّ، ص 390.
  13. الردّ، ص 193.
  14. الردّ، ص 364.
  15. الردّ، ص 520 إلى 521.
  16. الردّ، ص 520.
  17. الردّ، ص 508.
  18. الردّ، ص 506.
  19. الردّ، ص 292 إلى 293.
  20. الردّ، ص 366.
  21. الردّ، ص 372.