الفصل 5
حكم التقارب الصادق
يبقى بعد التدقيق سؤال يلحّ على كل قارئ معاصر لهذا الملف، وقد أجّلناه عمدًا إلى ما بعد البينات: ما موقع ابن تيمية من المنطق الرياضي الحديث؟ والسوق ممتلئة بجوابين جاهزين. جواب يقول: لقد أنصفه العلم الحديث؛ فما قاله في القياس قاله المحدثون بعده بقرون، فهو رائد سابق لعصره. وجواب يقول: لقد تجاوزه العلم الحديث؛ فنقده مشدود إلى جهاز قديم مات، والمنطق الذي هاجمه ليس منطقنا. والجوابان، على تضادهما، يشتركان في خطأ واحد: افتراض مقياس مشترك تُقاس عليه المسافة بين الرجلين، من غير تحرير لما يقبل القياس من دعاويه وما لا يقبله. هذا الفصل يحرر ذلك، فيقسم الحساب ثلاثة أقساط: ما يصادق عليه المنطق الحديث مصادقة مبرهنة، وما يسكت عنه سكوتًا اضطراريًا، وما تنازل عنه هو نفسه فالتقى مع خصم الأمس من حيث لا يُحتسب.
5.1 قسط المصادقة: مبرهنتان في قطعة الخصم
أثبت الفصل الرابع أن دعوى التكافؤ، مقروءة قراءتها اللزومية، تصح مبرهنتين دلاليتين داخل قطعة المحمولات الأحادية: تطابق النماذج المضادة، وخمول الشاهد استنتاجيًا. هذا هو القسط الذي يصادق عليه المنطق الحديث بلا تحفظ؛ بأدواته هو صيغ، وبمعاييره هو صح. ومن هذه الجهة كان ابن تيمية مصيبًا إصابة تامة في المسألة التي خالف فيها جمهور أهل زمانه من أتباع المنطق الأرسطي، وكان خصومه على خطأ بيّن في دعوى امتياز الصورة.
لكن حدود هذه المصادقة مرسومة بدقة لا يجوز تجاوزها سطرًا. المبرهنتان تعملان في القطعة الأحادية، وهي دار الخصم الأرسطي؛ فالمصادقة الحديثة هي على قضية في المنطق الأرسطي، لا على نظرية عامة في الاستدلال. خارج القطعة، حيث العلاقات بين الأطراف والأسوار المتداخلة، يقف الجهاز الأرسطي كله، شموله وتمثيله معًا، عند حد واحد؛ وهناك يعمل المنطق الحديث بصور لا يحملها التمثيل بشاهد واحد ولا يحيط بها قياس حملي. فمن مدّ المكافأة من مبرهنة عن جهاز محدود إلى حكم على الاستدلال الرياضي الحديث فقد قال ما لم يقله صاحبها وما لا يصح في نفسه. وبهذا يسقط نصف سوق «الرائد المبكر»: الرجل لم يسبق إلى نتائج المنطق الحديث؛ سبق إلى تشخيص صحيح لجهاز بعينه، والتشخيصان لا يتبادلان.
5.2 قسط السكوت: ما لا تبلغه لغة صورية
وأما القلب الحي لنظريته، وهو نظرية التسويغ التي كشفتها المبرهنة الثالثة، فالمنطق الحديث لا يصادق عليه ولا يكذبه، لأنه لا يملك أن يقول فيه شيئًا. من أين تُعلم الكبريات؟ ما الذي يضمن تماثل الأفراد في القدر المشترك؟ متى يجزم العقل باللزوم من شاهد أو شواهد؟ هذه أسئلة تقع قبل لغة المنطق الشيئية كلها، حديثها وقديمها. وجواب ابن تيمية عنها، كما رأينا، خرج من المنطق جملةً إلى الفطرة المنزَّل ميزانها والحكمة التي تسوي بين المتماثلات؛ وليس في المنطق الرياضي أداة تُثبت هذا الجواب أو تنفيه، كما ليس فيه أداة تثبت بديله الطبيعاني أو تنفيه.
وفي هذا السكوت عبرة تستحق التسمية: القاعدة التي علّمها ابن تيمية في نقد خصمه تنطبق على وارث خصمه. قال عن القياس الأرسطي إنه «ليس فيه إلا شكل الدليل وصورته»،1 وإن صورته لا تشهد لمواده؛ والمنطق الحديث صورٌ أغنى وأدق، لكنها صور، تفصل بين صحة الاستنتاج وصدق المقدمات فصلًا صار من أبجدياتها، ولا تشهد لمقدمة قط. فمن انتظر من المنطق الحديث أن يحسم قضية التسويغ التيمية فقد طلب من الآلة الجديدة عين ما بيّن الرجل أن الآلة القديمة لا تعطيه. الصورة، قديمها وحديثها، لا تشهد.
وقد يقال: إن للمسألة زاوية صورية أخرى من جهة أدوات غير التي اعتمدها هذا الكتاب. فليكن؛ حسبُ هذا الفصل ما أعلنته المقدمة: عدتنا هنا دلالية، والحكم المعروض حكم هذه العدة في حدودها، ولا ندّعي فوق ذلك.
5.3 قسط التنازل: ما تخلى عنه المنطق نفسه
بقي القسط الثالث، وهو ألطفها موقعًا وأقلها ذكرًا في هذا الملف. دعويان كانتا رأس ما حارب ابن تيمية: حصر طرق العلم في الجهاز، ودعوى العصمة الآلية التي حكم عليها بأنها «دعوى كاذبة بل من أكذب الدعاوى».2 فأين المنطق الحديث منهما؟ لقد أسقطهما من غير معركة. لا يدّعي منطقي معاصر أن صناعته تحصر طرق تحصيل المعرفة؛ ولا يدّعي أن صورة الاستدلال تعصم من الخطأ في المواد، بل قام علمه على التفريق الصريح بين الصحة والسلامة، وأوكل أمر المقدمات إلى العلوم والتجربة وسائر مصادر المعرفة. فالموضعان اللذان جعلهما الجهاز الأرسطي المتأخر عنوان شرفه، وقاتل عنهما قرونًا، خرجا من عقيدة الصناعة الحديثة خروجًا هادئًا لا يلتفت إليه أحد. ومن هذه الجهة، وحدها، يصح قول من قال إن الزمن حكم للرجل: لا لأن المحدثين قرأوه فاقتنعوا، بل لأن الصناعة حين نضجت تخلت من تلقاء نفسها عن الدعاوى التي بيّن هو فسادها، وأبقت من الجهاز ما أبقى هو: صورةً صحيحة لا نزاع فيها،3 منزوعًا عنها الاحتكار والعصمة.
ولهذا التنازل موازٍ تاريخي من الجهة الأخرى يستحق التثبيت، لأنه يسند دعوى الرجل التاريخية من حيث لا يعلم. زعم ابن تيمية أن تضعيف التمثيل وتقديس هيئات البرهان من كلام المتأخرين، لا من صلب أول الصنعة. والمؤرخ المدقق لقياس أرسطو في العصر الحديث، غونتر باتسيش، يقف الموقف نفسه من طبقات الشرح اليوناني: يذكر تعليقات الإسكندر الأفروديسي التي جعلت الشكل الأول برهانيًا والثاني جدليًا والثالث سفسطيًا فيصفها بأنها بارعة لكنها «مسخ منطقي»، ويقرر أن أمثالها مستشرية «من الإسكندر إلى برانتل».4 فتحميل الهيئات الصورية أوزانًا معرفية ليست فيها ظاهرةٌ شُرّاحية متأخرة على الضفتين: في اليونانية على يد الشُّرّاح، وفي دار الإسلام فيما شهد به «الردّ» من أن أقوى إشكالات التمثيل «حرره لهم نظار المسلمين» وأن التضعيف «من كلام متأخريهم».5 وليست الموازاة برهانًا على دعواه التاريخية في تفاصيلها، وسيأتي فحصها على نص أرسطو في الفصل الأخير؛ لكنها تكشف أن الذي رصده في تراثه له نظير موثق في التراث الذي ورثه خصومه.
5.4 الحكم المحصل
فليُكتب الحكم إذن في ثلاثة أسطر لا تحتمل الاختزال إلى شعار. يصادق المنطق الحديث لابن تيمية على مبرهنتي التكافؤ داخل قطعة خصمه، فيسقط بذلك امتياز الشمول على التمثيل سقوطًا نهائيًا. ويسكت اضطرارًا عن نظريته في تسويغ الكبريات، كما يسكت عن كل نظرية في التسويغ، لأن الصورة لا تشهد. ويلتقي معه، من غير قراءة ولا قصد، في إسقاط الحصر والعصمة اللذين كانا عنوان الجهاز القديم. فليس رائدًا للمنطق الحديث ولا ضحيةً له؛ هو صاحب نظرية في حدود المنهج الصوري صحّ منها داخل ميدانها ما يقبل البرهان، وخرج باقيها إلى ميدان آخر سيفتحه الفصل التالي: الميدان الذي علّق عليه الرجل التماثل والميزان والكلية كلها، وهو باب الإلهيات.