الفصل 4

تدقيق دعوى التكافؤ

في الصفحات التمهيدية من «الردّ على المنطقيّين»، قبل أن تبدأ المقامات الأربعة أصلًا، يضع ابن تيمية على الطاولة أغرب ما في «الردّ»: «قد بسطنا في غير هذا الموضع الكلام على أن كل قياس شمول فانه يعود إلى التمثيل، كما أن كل قياس تمثيل فانه يعود إلى شمول، وأن جعلهم قياس الشمول يفيد اليقين دون قياس التمثيل خطأ»1. ثم لا يتركها؛ يعود إليها المرة بعد المرة عبر «الردّ»، بأداة تحليلية جديدة في كل عودة، حتى تستوي دعوى مكتملة العدة: أن القياس الحملي الذي جعله المنطق الأرسطي ذروة الآلة، وقياس التمثيل الذي جعله في حضيضها، سواء.

كل من كتب عن «الردّ» نقل هذه الدعوى. أحد لم يحاكمها. مسحتُ الدوريات المنطقية والاستشراقية فلم أقف على تدقيق صوري واحد منشور لها: الأدب كله ينقل ويصف ويقوّم نثرًا، وأقرب الأعمال الصورية إلى موضوعها صورنت قياس العلة عند الشيرازي أو حجج الأصوليين عامة، ولم تمس دعوى الرجل الذي جعل التكافؤ نفسه أطروحة. هذا الفصل يفعل ما لم يُفعل: يحرّر الدعوى من نصوصها، ويصوغها في قطعة الخصم الصورية، ويبرهن ما يصح منها، ويعيّن أين تنكسر إن انكسرت، ويحسب ثمنها.

وليقرأ هذا الفصل من لا صبر له على الرموز مطمئنًا: الرموز فيه قليلة، وكل رمز يترجَم بجملة عربية قبله أو بعده. والعُدة هي التي أعلنتها المقدمة، لا زيادة عليها.

4.1 خمس دعاوى تحت جملة واحدة

أول ما يظهر لمن قرأ نصوص المكافأة مجموعةً — لا متفرقةً في مقاماتها — أن تحت الجملة الواحدة خمس دعاوى متمايزة المضمون والقوة، وأن أكثر سوء الفهم المحيط بـ«الردّ» وليدُ الخلط بينها.

الأولى: تكافؤ الحاصل بحسب المادة. «تفريقهم بين قياس الشمول وقياس التمثيل، بأن الأول قد يفيد اليقين والثاني لا يفيد إلا الظن، فرق باطل. بل حيث أفاد أحدهما اليقين أفاد الآخر اليقين، وحيث لا يفيد أحدهما إلا الظن لا يفيد الآخر إلا الظن. فإن إفادة الدليل لليقين أو الظن ليس لكونه على صورة أحدهما دون الآخر»2. ومعيارها: «والاعتبار بمادة العلم لا بصورة القضية»3، «ثم إن كان ذاك الدليل قطعيًا فهو قطعي في القياسين، وإن كان ظنيًا فهو ظني في القياسين»4. هذه دعوى في حاصل القياسين المعرفي عند تثبيت المادة، لا أكثر.

الثانية: قابلية التحويل في الاتجاهين. «فكل قياس شمول يمكن جعله قياس تمثيل. فإذا أفاد اليقين لم يزده التمثيل إلا قوة»5؛ والعكس مبيَّن بأمثلة مشغولة شغلًا فقهيًا دقيقًا6، ثم تمتد التحويلية إلى الصور كلها: «كل قياس في العالم يمكن رده إلى الاقتراني»7. هذه دعوى تركيبية في قابلية الصياغة، غير الأولى.

الثالثة: تشريح الفارق الصوري. إذا حُوّل التمثيل إلى شمول، ماذا يبقى منه؟ جوابه بالحرف، في أدق نص في «الردّ»، مصوغًا بالرموز: «إذا كان المقصود إثبات الجيم للألف والحد الأوسط هو الباء فقيل: كل ألف باء وكل باء جيم، أنتج: كل ألف جيم؛ ولكن يحتاج ذلك إلى إثبات القضية الكبرى مع الصغرى. فإذا قيل: الألف جيم قياسًا على الدال، لأن الدال هي جيم، وإنما كانت جيمًا لأنها باء، والألف أيضًا باء، فتكون الألف جيمًا لاشتراكهما في المستلزم للجيم وهو الباء، كان هذا صحيحًا في معنى الأول لكن فيه زيادةُ مثالٍ قيست عليه الألف مع أن الحد الأوسط وهو الباء موجود فيهما»8. التمثيل الصحيح شمولٌ وزيادة مثال؛ والسؤال الحقيقي — الذي سيشغل نصف هذا الفصل — ما وظيفة الزيادة.

الرابعة: الأصلية التكوينية. وهي أقوى من التكافؤ وباتجاه واحد: «فالعلم بثبوت الوصف المشترك لأصلٍ في الخارج هو أصل العلم بالقضية الكلية؛ وحينئذ فالقياس التمثيلي أصل للقياس الشمولي: إما أن يكون سببًا في حصوله وإما أن يقال: لا يوجد بدونه، فكيف يكون وحده أقوى منه»9؛ وفي صيغة حصرية: «فلا يمكن قط أن يحصل بالقياس الشمولي المنطقي الذي يسمونه البرهاني علمٌ إلا وذلك يحصل بقياس التمثيل الذي يستضعفونه: فان ذلك القياس لا بد فيه من قضية كلية، والعلم بكون الكلية كليةً لا يمكن الجزم به إلا مع الجزم بتماثل أفراده في القدر المشترك، وهذا يحصل بقياس التمثيل»10؛ وتحتها نظرية في ماهية التعقل نفسه: «فان خاصة العقل معرفتُه الكلياتِ بتوسط معرفته بالجزئيات، فمن أنكرها أنكر خاصة عقل الإنسان»11.

الخامسة: استثناء واحد معلن. «إلا إذا كانت القضية الكلية معلومة بنص المعصوم فهنا يكون الاستدلال بها أولى من الاستدلال بقياس التمثيل، لكن الدليل هنا يكون شرعيًا»12. سنرى أن هذا الاستثناء — الذي يُقرأ عادة استدراكًا فقهيًا — يُشتق اشتقاقًا من بنية الدعوى نفسها.

ويحيط بالخمس حدّان صرّح بهما تصريحًا يقطع الطريق على من يهاجمه ومن ينصره بغير حق. الأول تسليم بصحة الصورة: «وإذا قيل: كل ا: ب، وكل ب: ج، وكانت المقدمتان معلومتين، فلا ريب أن هذا التأليف يفيد العلم بأن كل ا: ج. وهذا لا نزاع فيه»؛13 فليست الدعوى إنكار عصمة الشكل. والثاني أن الصورة عنده صامتة لا كاذبة: «فان قياسهم ليس فيه إلا شكل الدليل وصورته»؛14 فليست الدعوى أن الصورة تغش، بل أنها لا تشهد.

هذا التحرير الخماسي ليس ترفًا تصنيفيًا؛ هو الذي يقتل القراءتين المتعجلتين معًا. من قرأ الرابعة وحدها — أولية الجزئي، توليد الكلي من المعاينة — خرج بابن تيمية تجريبيًا يستبق مِل، وهي القراءة التي شاعت منذ مقدمة حلاق. ومن قرأ الأولى وحدها ظن أن تصديق الرجل مسألة مطابقة سهلة مع المنطق الحديث. وسيتبين أن الدعوى تصمد حيث لم يضعها الفريقان، وتكلّف صاحبها ثمنًا لم يحسبه الفريقان.

4.2 الترجمة: ماذا تقول الدعوى بالضبط؟

أعمل في قطعة المحمولات الأحادية: محمولان F (الوصف الجامع) وG (الحكم)، وفردان a (الأصل) وb (الفرع). وهذا قيد أضعه أنا لا هو، وتسويغه أن القياس الحملي الأرسطي نفسه لا يتجاوز هذه القطعة؛ فهي دار الخصم بعينها.

ترجمة الشمول لا تحتاج اجتهادًا: كبرى ∀ x (F(x)→ G(x))، صغرى F(b)، والمطلوب G(b)؛ وهو اقتران الشكل الأول في مادته.

ترجمة التمثيل لا تحتاج اجتهادًا أيضًا، لأن ابن تيمية كتب معجم الترجمة بيده: «والحد الأوسط فيه هو الذي يسمى في قياس التمثيل علةً ومناطًا وجامعًا ومشتركًا ووصفًا ومقتضيًا»15؛ «فالحد الأكبر في قياس الشمول هو الحكم في قياس التمثيل، والحد الأوسط هو الجامع المشترك ويسمى المناط، والحد الأصغر هو الفرع»16؛ والكبرى «بيان تأثير الوصف المشترك»17. فالتمثيل: شاهدٌ F(a) ∧ G(a)، وفرعٌ F(b)، ودعوى جامعٍ — أن F مستلزم لـG — والمطلوب G(b).18

وهنا الموضع الحرج في الترجمة كلها، وهو الذي يقرر مصير الفحص: ما الكبرى؟ لها قراءتان. قراءة ماصدقية: ∀ x (F→ G) اطّرادًا واقعًا في البنية وكفى. وقراءة لزومية: أن بين الوصفين علاقة تسري على كل ما حقق F، مقفلةً تحت التماثل. وابن تيمية يقرأ كلية القوم لزوميةً بنص لا يحتمل: العلم بالكلية لا يحصل «إلا مع الجزم بتماثل أفراده في القدر المشترك»19، وقراءته لعبارة «كل ب: ج» قراءةُ لزوم بين الأفراد: «فلا بد أن يُعرف أن كل فرد من أفراد الجيم يلزم كل فرد من أفراد الباء»20. فالتسوية بين كبرى الشمول ودعوى الجامع في التمثيل ليست تسامحًا في الترجمة؛ الكبرى — إذا أريد بها علم لا لفظ — هي عين دعوى الجامع. أقولها بصراحة المنهج: هذه القراءة اللزومية عمود إعادة البناء كله، ولم أجد في «الردّ» نصًا يعامل الكلية معاملة ماصدقية خالصة تصلح نقضًا لها.

4.3 مبرهنتان صغيرتان

سمّيتهما مبرهنتين وهما — منطقيًا — تمرينان أوليان؛ قيمتهما ليست في صعوبتهما بل في أن أحدًا لم يسلّطهما قط على هذه الدعوى بالذات، وفي أن نتيجتهما تحسم نزاعًا عمره قرون.

م-1 (تطابق النماذج المضادة). خذ بنيةً تُصدق مقدمات التمثيل كلها وتكذب نتيجته: فيها F(a) وG(a) وF(b) و¬ G(b). هذه البنية نفسها تكذّب كبرى الشمول (فيها فرد يحقق F دون G) وتصدق صغراه. وبالعكس: كل بنية تكذب الشمول وفيها شاهدٌ للاقتران تكذب التمثيل. فعند تثبيت F وG، صنف النماذج المضادة للقياسين واحد: ما يقتل هذا يقتل ذاك، وما يعصم هذا يعصم ذاك. وهذا هو المضمون الدلالي الدقيق للدعوى الأولى — «فرق باطل. بل حيث أفاد أحدهما اليقين أفاد الآخر اليقين»21 — وقد قالها هو تركيبيًا: «فهذا هو هذا في الحقيقة، وإنما يختلفان في تصوير الدليل ونظمه»22.

م-2 (خمول الشاهد استنتاجيًا). أضف الشاهد F(a) ∧ G(a) إلى مقدمتي الشمول: لا يتغير في علاقة اللزوم شيء؛ الكبرى والصغرى تكفيان، بشاهد وبغير شاهد. ثم احذف الكبرى وأبقِ الشاهد: ينهار كل شيء؛ {F(a), G(a), F(b)} ⊭ G(b)، والنموذج المضاد جاهز بلا عناء. فالشاهد صفري الإسهام في مستوى الاستنتاج، والتمثيل الصحيح قياس شمول مطويّ حرفيًا. وليست هذه تصحيحًا لابن تيمية بل تثبيتًا لما قاله: «كان هذا صحيحًا في معنى الأول لكن فيه زيادة مثال»23.

فالحكم الصوري المجرد: الدعويان الأولى والثانية صحيحتان مبرهنتان داخل القطعة، بشرطين معلنين: قراءة الكبرى لزوميًا، وهي قراءته المنصوصة؛ وتثبيت المادة، وهو منطوق دعواه نفسها: «إذا كانت المادة واحدة».24 لم يجانب الرجل الصواب في شيء من هذا، ولا مهرب للمنطق الأرسطي منه داخل قطعته.

لكن لو كان هذا كل شيء لكانت المكافأة ملاحظة ذكية لا أطروحة. القلب في المبرهنة الثالثة.

4.4 الزيادة: ما الذي يحمله المثال؟

انقل السؤال من «ماذا يلزم عن المقدمات؟» إلى سؤال آخر لا تراه آلة الاستنتاج أصلًا: «من أين عُلمت الكبرى؟». هنا تنقلب الصورة انقلابًا تامًا.

كل مسالك إثبات الكبرى التي يتداولها الفريقان — التجربة، والدوران، والمناسبة، والسبر الذي «ينفي المزاحم، وإلا فمتى حصل الأثر مقرونًا بأمرين لم تكن إضافته إلى أحدهما دون الآخر بأولى من العكس»25 — تمرّ كلها بالمعينات: شاهدٌ أو شواهد يُدرك فيها اقتران الوصف بالحكم ثم يُجزم باللزوم. فالشاهد الذي أثبتت م-2 خموله في مستوى الاستنتاج هو حجر الزاوية في مستوى التسويغ، وقد يكون لا غنى عنه البتة: «ولأن المثال قد يكون ميسِّرًا لإثبات التعليل بل قد لا يمكن بدونه»26.

م-3 (حمل الشاهد تسويغيًا). الصيغتان تلزم عنهما النتيجة نفسها، لكن عُدة تسويغ الكبرى واحدة فيهما، والتمثيل يُظهرها والشمول يطويها. ولست أنسب إليه هذه المبرهنة تأويلًا؛ وجدتها عنده بحروفها تقريبًا: «وإذا قيل: فمن أين يعلم أن الجامع مستلزم للحكم؟ قيل: من حيث تُعلم القضية الكبرى في قياس الشمول... فأيّ شيء ذُكر في علمه بهذه القضية الكلية فهو موجود في قياس التمثيل، وزيادةَ أن هناك أصلًا يمثَّل به قد وُجد فيه الحكم مع المشترك، وفي قياس الشمول لم يذكر شيء من الأفراد التي يثبت الحكم فيها»27. ثم يحسم وظيفة الزيادة حسمًا يمنع قراءتها خطابةً: «فكان ذكرُ الأصل في القياس العقلي لينبه العقلَ على المشترك الكلي المستلزم للحكم، لا لأن مجرد ثبوت الحكم في صورة يوجب ثبوته في أخرى بدون أن يكون هناك جامع يستلزم الحكم»28.

فللزيادة وظيفتان لا واحدة. نفسية-معرفية: «لكن زدتَ في قياس التمثيل ذكرَ الأصل الذي ضربته مثلًا للفرع، وهذا لأن شعور النفس بنظير الفرع أقوى في المعرفة من مجرد دخوله في الجامع الكلي»29، و«ذكر الكلي المشترك مع بعض أفراده أثبت في العقل من ذكره مجردًا عن جميع الأفراد باتفاق العقلاء»30. وتسويغية: «وذكر الأصل يُتوصل به إلى إثبات إحدى المقدمتين»31. وأمثولته فيها من أدق ما كتب: الوزّان الذي يزن بالصنجة قدرًا من النقدين ثم يزن بها نظيره «والأول شاهد — والناس يشهدون أن هذا وُزن به هذا — كان أحسن من أن يوزن أحدهما في مغيب الآخر»32. الوزن الثاني ليس أصح من الأول؛ لكنه مشهود العيار. هذا بالضبط فرق ما بين الصيغتين: لا فرق في الحاصل، وفرق في إظهار عدة العيار.

وبهذين المستويين يسقط أقدم اعتراض يواجه التحويل: أن ردّ الشمول إلى التمثيل دورٌ، لأن التحويل «يهرّب» الكلية إلى داخل التمثيل فلا يكون التمثيل قد أغنى عنها. الجواب: في مستوى الاستنتاج لا تهريب، لأن التحويل مضبوط والمحتوى واحد (م-1، م-2)؛ وفي مستوى التسويغ ليس ما يجري تهريبًا بل هو عين الدعوى الرابعة معلنةً: أن الكلية نفسها لا تُعلم إلا من طريق الشاهد واللزوم: «فالعلم بثبوت الوصف المشترك لأصلٍ في الخارج هو أصل العلم بالقضية الكلية»33. ليس عيبًا في التحويل أنه يُظهر الكلية؛ العيب — عنده — في آلةٍ تُخفي من أين جاءت الكلية ثم تحسب الإخفاء فضيلةً وامتيازًا.

4.5 الاستثناء الذي يشتق نفسه

في ختام أوفى عرض للمكافأة يقف ابن تيمية وقفة تبدو — لمن يقرأ «الردّ» أبوابًا متفرقة — استدراكَ فقيهٍ على منطقي: إذا كانت الكلية «معلومة بنص المعصوم فهنا يكون الاستدلال بها أولى من الاستدلال بقياس التمثيل، لكن الدليل هنا يكون شرعيًا» لم تُعلم كليتُه «بمجرد العقل»34.

ضع هذا الاستثناء على إعادة البناء تجده يُشتق منها اشتقاقًا. الترجمة التمثيلية تتطلب بحكم بنيتها شاهدًا معلومًا: فردًا وُجد فيه الوصف مع الحكم. فإذا وردت كلية موروثة عن معصوم في أمرٍ لا شاهد له مشهود، امتنعت صياغتها تمثيلًا لعِوَز الشاهد لا لعيب في التمثيل، وبقي الشمول وحده صالحًا لحملها. هذه هي الحالة الوحيدة التي تنكسر فيها التحويلية؛ وهي بالضبط الحالة التي استثناها، بالتعليل الذي يقتضيه الاشتقاق نفسه: كليةٌ مصدر تسويغها الخبر لا بناء العقل من الشواهد.

وأهمية هذا فوق ما يبدو. الاستثناء المشتق قرينةٌ منهجية على أن بين أيدينا نظريةً واحدة محكمة البنية، لا خواطر ناقد حانق تجمعت اتفاقًا: النظرية تلفظ من رأسها الحالة التي لا تحتملها بنيتها، وصاحبها التقطها وقيّدها بيده. ومن جهة الخصم، هو أيضًا موضع الإحراج الأمرّ: الكلية الوحيدة التي يتفوق الشمول بحملها هي كلية الخبر المعصوم؛ وهي عين ما أخرجه المنطق الأرسطي من مواد برهانه إلى «المقبولات والمسلَّمات». فالحالة الذهبية للشمول عند التدقيق هي الحالة التي تُسقطها آلة الشمول من حسابها.

4.6 التصنيف الذي يلتهم نفسه

إلى هنا والفحص يجري داخل بيت الدعوى. أخطر ما تنتجه م-3 يقع خارجه: نتيجة استحالة صغيرة على تصنيف المنطق الأرسطي لمواد البرهان نفسه.

صُغ الأمر هكذا: أي مصدر لتسويغ كبرى كلية يمرّ بالمعينات — تجربةً أو تواترًا أو حدسًا أو استقراءً — فهو تمثيلي الطابع بحكم م-3: شاهدٌ وجزمٌ باللزوم. فأمام كبريات القوم ثلاثة مخارج لا رابع لها: أوّليات لا تمر بالمعينات؛ أو خبر معصوم؛ أو مسالك تمر بالمعينات. أما الأوليات فقد بيّن أن أوليّتها «أمر نسبي إضافي بحسب حال علم الناس بها»35 لا صفة نوعية للقضايا، وأن الكلي منها محصور المفعول في الذهن: «فقد تبين أن القضايا الكلية البرهانية التي يجب القطع بكليتها التي يستعملونها في قياسهم لا تُستعمل في شيء من الأمور الموجودة المعينة، وإنما تستعمل في مقدرات ذهنية. فإذًا لا يمكنهم معرفة الأمور الموجودة المعينة بالقياس البرهاني وهذا هو المطلوب»36. وأما الخبر المعصوم فقد أخرجوه هم من مواد البرهان. وأما المسالك المارة بالمعينات — وقد جردها مادةً مادة37 — فتمثيليةُ التسويغ بالمبرهنة.

فالمحصلة معضلة ثنائية لا مخرج منها: إما برهانياتٌ بلا مضمون في الموجودات، وإما مضمونٌ تسويغُه من جنس ما استضعفوه. وقد صاغها هو صياغة المحاصرة: «فهم بين أمرين: إن اعترفوا بأن قياس التمثيل من جنس قياس الشمول ينقسم إلى يقيني وظني بطل تفريقهم. وإن ادعوا الفرق... بُيّن لهم أن اليقين لا يحصل في مثل هذه الأمور إلا بالتمثيل»38؛ ومن قبلها الحلقة الناقضة: إن علموا الكلية باعتبار الغائب بالشاهد «فإذا كانوا علموا القضية الكلية بقياس التمثيل رجعوا في اليقين إلى ما يقولون أنه لا يفيد إلا الظن»39. وسدّ بيده باب النجاة الوحيد المتصور، وهو أنسنة البرهانيات وجعلها مضافة إلى حال العارف: «فإن قيل: نحن نجعل البرهانيات إضافية... قيل: لم يفعلوا ذلك... وإذا قالوا نحن لا نعين المواد فقد بطل أحد أجزاء المنطق. وهو المطلوب»40. وليس هذا إفحامَ خصمٍ بما لا يلتزمه؛ فقد اعترف المنتصرون للقوم بتعذر الدليل على التصنيف نفسه: «ولم يذكروا دليلًا على هذا الحصر. ولهذا اعترف المنتصرون لهم أن هذا التقسيم منتشر غير منحصر يتعذر إقامة دليل عليه»41.

هذه النتيجة — أن تصنيف مواد البرهان يلتهم نفسه متى سُئل عن تسويغ كلياته — تسند من خلفٍ ما مضى في فصلَي الحصر وتشدّه: دعوى القوم لم تكن «آلتنا صحيحة» فحسب، بل لا علم إلا بآلتنا؛ وقد بان الآن أن الآلة لا تملك حتى تسويغ موادّ نفسها.

4.7 ما الذي اشتُري بالمكافأة، وما الذي دُفع

بقي الحساب. المكافأة صحيحة صورةً، والزيادة محمّلة تسويغًا، والاستثناء مشتق، والتصنيف منهار. فماذا ربح ابن تيمية بهذا كله؟ وماذا خسر؟

الذي ربحه تحديدًا: نزع امتياز الصورة. لم يعد للهيئة الشمولية أي فضل معرفي ذاتي على الهيئة التمثيلية؛ الفضل كله — يقينًا وظنًا — للمادة، أي لعلاقة اللزوم بين الجامع والحكم وطريق العلم بها. هذا مكسب حقيقي مبرهَن، وليس شعارًا.

والذي لم يربحه — ولم يدّعِ ربحه، وهنا موضع الغلط الشائع — هو حل مشكلة الكلية. المكافأة لا تحل مشكلة تسويغ القضية الكلية؛ ترحّلها. كان السؤال: كيف تعلم أن كل مسكر حرام؟ فصار: كيف تجزم بتماثل الأفراد في القدر المشترك؟ والمسافة بين السؤالين صفر. من ظن أن الرجل انتصر على المنطق الأرسطي بمعنى أنه أغنى عن عبء الكلية فقد قرأ الهدم وفاته الحساب.

لكن الرجل — وهذا ما يفصل بينه وبين ناقد ظرفي — يعلم أن العبء ارتحل إليه، وعنده جوابه، وجوابه ليس منطقيًا. حدودُ الانتقاض معلنة عنده بلا مواربة: «كل من قال إن كل نار تحرق كل ما لاقته فقد أخطأ... كما لا تحرق السمندل والياقوت»، وخرق العادة «مقام آخر»42. والضامن الأخير للتماثل عنده حكمةُ الفاعل لا عادة العقل: «العادة تتبع إرادة الفاعل، وإرادة الفاعل الحكيم هي إرادة حكيمة فتسوي بين المتماثلات»43؛ والميزان الذي به يُعرف التماثل منزَل غرزًا في الجبلّة: «كان هذا القدرُ المشترك الذي هو العلة هو الميزانَ التي أنزلها الله في قلوبنا لنزن بها هذا ونجعله مثل هذا فلا نفرق بين المتماثلين، والقياس الصحيح من العدل الذي أمر الله به»44.

فالثمن إذن معلوم ومدفوع برضا صاحبه: التسويغ الأخير للكلية خرج من المنطق الأرسطي — ومن كل منطق — إلى الإلهيات. وهذا الثمن هو مفتاح الحكم الصادق في مسألة «تصديق» ابن تيمية التي تتجاذبها القراءتان:

لا يصدّقه المنطق الرياضي الحديث تصديق المطابقة، لأن ما يحمل نظريته ليس مبرهنتَي التكافؤ — فهاتان تمرينان — بل نظريةُ التماثل المؤسسة على الحكمة، وهذه خارج كل لغة صورية. ومن هنا فقر كل مشروع يقدّمه رائدًا سبق إلى ما قاله المناطقة المحدثون: لقد سبق إلى شيء آخر.

ولا يصح ردّه إلى تجريبيةٍ تستبق مِل، والفرق فرقان لا واحد. مِل جعل الاستدلال كله من جزئيات إلى جزئيات وجعل الكلية قيدًا في سجل الاستدلالات لا خطوة معرفية، وعدّ الشكل الأول مصادرةً على المطلوب.45 وابن تيمية يسلّم بصحة الصورة تسليمًا صريحًا («وهذا لا نزاع فيه»)،46 ويثبت اللزوم علاقةً في نفس الأمر لا عادةً ذهنية، ويعلّق التماثل على حكمة فاعلٍ لها استثناء بنيوي معلن هو خرق العادة؛ والتجريبية لا تملك استثناءً كهذا ولا تريده. فطمسُ هذين الفرقين هو عين ما جنته القراءة التجريبية على الرجل: نسبته إلى مذهبٍ كان سيكفر بأصله.

بعبارة الحساب الأخيرة: اشترى نزعَ امتياز الصورة بثمن إخراج التسويغ من المنطق إلى الإلهيات: صفقة خاسرة عند من يريد منطقيًا محدثًا قبل الأوان، رابحة عنده هو، لأن مشروعه كله أن العلم لا يقوم بآلة مستغنية عن الفطرة وربها. وليس على المدقق أن يحكم في الصفقة؛ عليه أن يحسبها بلا غش، وقد حُسبت.

4.8 حدود المفعول

يبقى إعلان الحدود، وأكتمها غشٌّ في صنعة كهذه.

الحد الأول: القطعة. مبرهنتا التكافؤ تعملان في قطعة المحمولات الأحادية. خارجها — علاقات بين أطراف، وأسوار متداخلة — لا تعمل الترجمة التمثيلية بشاهد واحد، ولا يعمل القياس الحملي الأرسطي أصلًا؛ يسقط الطرفان معًا عند الحد نفسه. فالمكافأة مبرهنة عن المنطق الأرسطي، لا عن الاستدلال الرياضي الحديث؛ وهي بذلك تشخيص دقيق لسعة ميدان الخصم، لا قصور فيها؛ لكن قولها الصريح واجب لدرء استدراك أي منطقي معاصر.

الحد الثاني: المواد الرياضية. في «الواحد نصف الاثنين» ونظائرها تثبت الكلية بلا استقراء شواهد، فيظن الظان أن الأصلية التكوينية تنهار هنا. ونصوصه نفسها تعيد التوصيف بدل أن تكابر: أسبقية المعين هنا أسبقية فطرية تكوينية لا دليلية — «فإن العلم بأن هذا الواحد نصف هذين الاثنين أقدم في الفطرة من العلم بأن كل واحد نصف كل اثنين»47 — والمواد الرياضية عنده أصلًا «تقدير عدد ومقدار في النفس» لا علم بموجود خارجي: «وأما الرياضي المجرد عن المادة كالحساب والهندسة فهذا حق في نفسه، لكن ليس له معلوم في الخارج»48. فالتكافؤ يصمد هنا صمودًا تافهًا — الصيغتان يقينيتان — وتتحول الأصلية من دليلية إلى مفهومية: المعيّن طريق تصور الطرفين لا شاهد إثبات. حدٌّ يجب النطق به، لا دفنه.

وبهذين الحدين يكتمل التدقيق. حاصله في خمسة أسطر: دعوى التكافؤ خمس دعاوى لا واحدة؛ اثنتان منها مبرهنتان داخل قطعة الخصم بشرطين معلنين؛ والفارق الصوري — زيادة المثال — خامل في الاستنتاج حامل في التسويغ بنصه هو قبل صورنتي؛ واستثناؤه الوحيد يُشتق من بنية دعواه اشتقاقًا؛ وتصنيف خصمه لمواد البرهان ينهار على نفسه متى سُئل عن مصدر كلياته. أما ثمن هذا كله فمرحَّل إلى حيث أراد صاحبه ترحيله: إلى باب التماثل والحكمة؛ وهناك يُحاسَب حسابًا آخر، في الفصلين الآتيين.

الحواشي

  1. الردّ، ص 48.
  2. الردّ، ص 255.
  3. الردّ، ص 244.
  4. الردّ، ص 399.
  5. الردّ، ص 289.
  6. الردّ، ص 410.
  7. الردّ، ص 420.
  8. الردّ، ص 163 إلى 164.
  9. الردّ، ص 277.
  10. الردّ، ص 344.
  11. الردّ، ص 413.
  12. الردّ، ص 289 إلى 290.
  13. الردّ، ص 339.
  14. الردّ، ص 296.
  15. الردّ، ص 158.
  16. الردّ، ص 399.
  17. الردّ، ص 256.
  18. وليس في هذه الترجمة إسقاطُ مقولات طرف على طرف؛ فقد رأينا في الفصل الثالث أن ابن سينا نفسه حلل التمثيل بأربعة حدود فيها أوسط كلي محمول على الأصغر وشبيهه، وردّه إلى قياسين متى «صُححت الكبرى بالشبه»: «الشفاء»، المنطق: كتاب القياس، المقالة التاسعة، الفصل الثالث والعشرون، ص 568 إلى 569. فالبنية محل اتفاق بين الخصمين، والنزاع في مصحح الكبرى وحده.
  19. الردّ، ص 344.
  20. الردّ، ص 194.
  21. الردّ، ص 255.
  22. الردّ، ص 162.
  23. الردّ، ص 163 إلى 164.
  24. الردّ، ص 244.
  25. الردّ، ص 135.
  26. الردّ، ص 288.
  27. الردّ، ص 412.
  28. الردّ، ص 412.
  29. الردّ، ص 255.
  30. الردّ، ص 412 إلى 413.
  31. الردّ، ص 256.
  32. الردّ، ص 417.
  33. الردّ، ص 277.
  34. الردّ، ص 289 إلى 290.
  35. الردّ، ص 408.
  36. الردّ، ص 348.
  37. الردّ، ص 345 إلى 348.
  38. الردّ، ص 362.
  39. الردّ، ص 156 إلى 157.
  40. الردّ، ص 517.
  41. الردّ، ص 482.
  42. الردّ، ص 345 إلى 346.
  43. الردّ، ص 435.
  44. الردّ، ص 417.
  45. مِل، «نظام المنطق» (A System of Logic)، الكتاب الثاني، الفصل الثالث.
  46. الردّ، ص 339.
  47. الردّ، ص 361.
  48. الردّ، ص 344.