الفصل 3

نقض الحصر والنجاعة في باب القياس

باب التصديق معركة «الردّ» الكبرى، وفيه الدعويان الأثقلان: أن التصديق النظري لا يُنال إلا بالقياس، وأن البرهان يفيد العلم. المقام الثالث يهدم الأولى، والمقام الرابع، وهو أدق المقامات وأطولها، يزن الثانية فيسلّم صورتها ويجرد حاصلها. وقبل الدخول في النقض نعرض الدعوى في أنضج صياغاتها عند الخصم؛ فأمانة المحاكمة أن يُسمع المدّعى عليه من أوثق كتبه لا من ألسنة خصومه.

3.1 الدعوى في أنضج صياغاتها: فصل التمثيل من «الشفاء»

في المقالة التاسعة من كتاب القياس عقد ابن سينا فصلًا في التمثيل هو أنفس وثيقة في هذا الملف كله. يبدأ بتشريح بنيته: «وأما التمثيل، فإنه إذا حُقق يكون من أربعة حدود: أكبر كلي، وأوسط كلي. وهذا الأوسط محمول على الأصغر، وعلى شبيه الأصغر».1 فللتمثيل عنده حد أوسط كلي يجمع الأصل والفرع؛ وهذا بعينه ما سيقوله ابن تيمية عن الجامع. ثم يمضي إلى التحويل: متى صُححت الكبرى انقلب التمثيل قياسًا تامًّا؛ وعبارته: «فقد رجع التمثيل إلى قوة القياسات، وصار التمثيل يصح بقياسين»، وذلك «بعد أن تصحح الكبرى بالشبه».2 ثم يضع إصبعه على موضع الضعف الذي من أجله حطّ رتبة التمثيل: المثال يكتفي فيه بجزئي أو جزئيات من غير دعوى استيفاء، فالحكم على الكلي فيه ليس «دعوى الحكم بالفعل، بل ذلك بالقوة وبالإيهام».3

هذا الفصل السينوي وحده كافٍ في نقض ظنِّ من جعل الخصومة بين رجلٍ يفهم القياس ورجلٍ لا يفهمه. البنية عند الطرفين واحدة: حد أوسط يجمع أصلًا وفرعًا، وكبرى إن صحت صح الاستدلال، وتحويل مضبوط بين الصيغتين. والخلاف كله في مسألة واحدة: ماذا يصحح الكبرى؟ عند ابن سينا الشبهُ لا يعطيها إلا قوةً وإيهامًا، فالتمثيل ظني أبدًا؛ وعند ابن تيمية سؤال التصحيح هذا نفسه سيُدار على كبريات القوم جميعًا، فيتبين أن ما يصححها هو من جنس ما استضعفوه. تلك هي المعركة الفاصلة، وموضعها الفصل التالي. أما هذا الفصل فمهمته هدم الدعويين اللتين تحيطان بها: الحصر والنجاعة.

3.2 إبطال الحصر: من أين لهم هذا النفي؟

يفتتح ابن تيمية المقام الثالث بالمطالبة التي لا جواب عنها: الدعوى سالبة كلية عن جميع بني آدم، «فمن أين لهم أنه لا يمكن أحدًا من بني آدم أن يعلم شيئًا من التصديقات إلا بواسطة القياس المنطقي الشمولي الذي وصفوا مادته وصورته؟».4 ومثل سابقتها في باب الحد، لا سبيل إلى هذا النفي العام باستقراء ولا ببديهة؛ فالحصر الثاني قول بغير علم كالأول.

ثم يقيم البرهان على امتناعه لا على مجرد عريه عن الدليل، بحجة تصيب الجهاز في شرطه المركزي. البرهان عندهم لا بد فيه من قضية كلية موجبة؛ فالعلم بتلك الكلية إن كان بديهيًا «أمكن أن يكون كل واحد من أفرادها بديهيًا بطريق الأولى»، وإن كان نظريًا احتاج إلى قياس آخر بكلية أخرى، فيفضي الأمر «إلى الدور المَعِيّ أو التسلسل في أمور لها مبدأ محدود»، وكلاهما ممتنع في علوم ابن آدم.5 فلا بد أن تنتهي الكليات إلى ما يُعلم بغير قياس؛ وإذا انفتح هذا الباب لم يعد يملك أحد إغلاقه دون النتائج أنفسها: «فما من قضية من هذه القضايا الكلية التي تجعل مقدمة في البرهان إلا والعلم بالنتيجة ممكن بدون توسط ذلك البرهان، بل هو الواقع كثيرًا».6 ويشهد لهذا الامتناع تفاوتُ الخلق الذي لا ينضبط بجهاز واحد: «ومعلوم أن الناس يتفاوتون في قوى الأذهان أعظم من تفاوتهم في قوى الأبدان»؛7 فما هو نظري عند زيد بديهي عند عمرو، والحصر يفترض خلقًا على قالب واحد.

ويلاحق الحصرَ في تفاصيله. قسمتُهم الاستدلالَ إلى انتقال من كلي إلى جزئي ومن جزئي إلى كلي ومن جزئي إلى جزئي قسمةٌ أسقطت أعظم أبواب الاستدلال: الاستدلال بأحد المتلازمين المعينين على الآخر، وهو باب الآيات كله. من رأى الكوكب عرف القبلة، ومن رأى الضوء عرف طلوع الشمس؛ «فهذا وأمثاله استدلال بأحد المتلازمين على الآخر، وكلاهما معين جزئي، وليس هو من قياس التمثيل».8 ولهذا اطّرح نظار المسلمين حصرهم ووضعوا ضابطًا أوسع: «الدليل هو المرشد إلى المطلوب»، ثم حرروه: «ثم الضابط في الدليل أن يكون مستلزمًا للمدلول. فكل ما كان مستلزمًا لغيره أمكن أن يُستدل به عليه. فإن كان التلازم من الطرفين أمكن أن يستدل بكل منهما على الآخر».9 فالاستلزام وحده جوهر الدلالة، وكل ما وراءه من عدد المقدمات وهيئات الأشكال تفصيلٌ في العرض لا في الجوهر.

ويختم الحصرَ إحراجٌ من جنس ما رأينا في باب الحد: إن كانت نتائج البرهان كليات، والكليات إنما تكون كليات في الأذهان، «فعلى هذا التقدير لا يفيد البرهان العلم بشيء موجود»، بل بأمور مقدرة في الأذهان، «فيكون قليل المنفعة جدًا بل عديم المنفعة. وهم لا يقولون بذلك بل يستعملونه في العلم بالموجودات الخارجة الطبيعية والإلهية».10 فإما حصرٌ في جهاز لا يمس الموجودات، وإما موجودات تُعلم من غير الجهاز؛ وكلاهما قاصم للدعوى.

3.3 نقد النجاعة: مبرهنة العقم

المقام الرابع يبدأ بتسليم يضبط المعركة ضبطًا نهائيًا: «بخلاف هذا المقام الرابع. فإن كون القياس المؤلف من مقدمتين يفيد النتيجة هو أمر صحيح في نفسه»؛11 وبالرموز حيث لا لبس: إذا عُلمت المقدمتان «فلا ريب أن هذا التأليف يفيد العلم بأن كل ا: ج. وهذا لا نزاع فيه».12 فالنزاع ليس في عصمة الشكل، بل في دعوى أن هذا الشكل يضيف إلى علوم بني آدم شيئًا. وجوابه المبرهنة التي ينسبها إلى نظار المسلمين ويتولى تحريرها: «أن ما ذكروه من صور القياس وموادّه، مع كثرة التعب العظيم، ليس فيه فائدة علمية. بل كل ما يمكن علمه بقياسهم المنطقي يمكن علمه بدون قياسهم المنطقي، وما لا يمكن علمه بدون قياسهم لا يمكن علمه بقياسهم... فصار عديم التأثير في العلم وجودًا وعدمًا، ولكن فيه تطويل كثير متعب. فهو مع أنه لا ينفع في العلم، فيه إتعاب الأذهان، وتضييع الزمان، وكثرة الهذيان».13 وليست هذه دعوى عدمية تُلقى جزافًا؛ هي حاصل قسمة مستوفاة يعيدها بعد ذلك بصيغة الإنصاف: «لا ننكر أن القياس يحصل به علم إذا كانت موادُّه يقينية. لكن نحن نبين أن العلم الحاصل به لا يحتاج فيه إلى القياس المنطقي، بل يحصل بدون ذلك. فلا يكون شيء من العلم متوقفًا على هذا القياس».14

وعمود هذه المبرهنة جردُ مواد البرهان مادةً مادة، وهو من أمتن ما في «الردّ». الحسيات لا تعطي كلية: «فليس في الحسيات المجردة قضية كلية عامة تصلح أن تكون مقدمة في البرهان اليقيني»؛ ومن مثّل بأن النار تحرق فقد غفل عن أن الجزم بعمومها من باب التجربة والعادة، وأن العموم المزعوم منتقض: «كل من قال إن كل نار تحرق كل ما لاقته فقد أخطأ... كما لا تحرق السمندل والياقوت»، وخرق العادة «مقام آخر».15 والوجدانيات جزئية بطبعها، وتعميمها على النفوس دعوى بلا بينة: «ولم يقيموا حجة على وجوب تساوي النفوس في هذه الأحوال، بل ولا على النفس الناطقة أنها مستوية الأفراد».16 والمجربات والمتواترات والحدسيات كلها تقوم على معينات ثم تعمم؛ فلم يبق للبرهان إلا الأوليات، «وهذه مقدرات في الذهن ليست في الخارج كلية». فالحصاد الذي يقدمه بوصفه عين المطلوب: «فقد تبين أن القضايا الكلية البرهانية التي يجب القطع بكليتها التي يستعملونها في قياسهم لا تُستعمل في شيء من الأمور الموجودة المعينة، وإنما تستعمل في مقدرات ذهنية. فإذًا لا يمكنهم معرفة الأمور الموجودة المعينة بالقياس البرهاني. وهذا هو المطلوب».17

ويسند المبرهنةَ من جهة الصورة قاعدةٌ مرت بنا في الفصل الأول وتتضح هنا: الصورة صامتة عن المواد. «ولا يقال أن قياسهم يُعرف به صحيح الأدلة من فاسدها، فان هذا إنما يقوله جاهل لا يعرف حقيقة قياسهم: فان قياسهم ليس فيه إلا شكل الدليل وصورته».18 فآلة لا تشهد للمواد ولا عليها لا يمكن أن تكون معيار العلم بالموجودات؛ ومن هنا كانت العصمة الموعودة «دعوى كاذبة بل من أكذب الدعاوى» كما مر في تحرير الحكم المركزي.19

فإن قيل: هب أنه لا يضيف علمًا، فما ضرره؟ فجوابه أن الكلفة نفسها ضرر، وأنها تنقلب على مقصود الصناعة. «ما ذكروه إذا كان صوابًا فإنه تطويل للطريق، وتبعيد للمطلوب، وعكس للمقصود»؛ ودعواه التجريبية القابلة للفحص: «فلا تجد أحدًا التزم وضع هؤلاء واصطلاحهم إلا كان أكثر خطأ وأقل صوابًا ممن لم يلتزم وضعهم وسلك إلى المطلوب بفطرة الله التي فطر عباده عليها؛ ولهذا لا يوجد أحد ممن حقق علمًا من العلوم كان ملتزمًا لوضعهم».20 وصورته الساخرة الشهيرة: «فهو لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهلٌ فيُرتقى ولا سمينٌ فيُنتقل».21 والبديل ليس فوضى، بل الجهاز الفطري الذي يعمل قبل الصناعة وبدونها: «والفطرة تصور القياس الصحيح من غير تعليم. والناس بفطرهم يتكلمون بالأنواع الثلاثة: التداخل، والتلازم، والتقسيم، كما يتكلمون بالحساب. والمنطقيون قد يسلمون ذلك».22 ومن ألزم الفطرةَ طرقًا غير طرقها فقد عذبها بلا طائل: «والأمور الفطرية متى جُعل لها طرق غير الفطرية كانت تعذيبًا للنفوس بلا منفعة لها»؛ ومثاله من قيل له اقسم هذه الدراهم بالسوية فقيل له: اصبر حتى تعرف حد القسمة والفرق بينها وبين الضرب؛ فهذا «وإن كان كلامًا صحيحًا» فإلزام القاسم به «تعذيب له بلا فائدة».23 بل يرصد أثر الصناعة في أهلها رصدًا لا يملك قارئ مصنفاتهم إنكاره: «وإذا اتسعت العقول وتصوراتها اتسعت عباراتها، وإذا ضاقت العقول والتصورات بقي صاحبها كأنه محبوس العقل واللسان، كما يصيب أهل المنطق اليوناني: تجدهم من أضيق الناس علمًا وبيانًا، وأعجزهم تصورًا وتعبيرًا».24

ثم الضربة الارتدادية التي تجعل النقد كله إلزاميًا لا خارجيًا: بمعاييرهم هم، أين برهانهم على علومهم؟ المتواترات والمجربات والحدسيات أخرجوها من الحجة على المنازع، والحسيات لا اشتراك في أعيانها، وعامة علومهم الطبيعية والفلكية من العاديات المنتقضة؛ «فأين البرهان على العلوم الفلسفية؟... فنحن نعلم أنه ليس معهم في عامة ما يدّعونه برهانيًا برهان يقيني».25 فالآلة التي حُصر فيها العلم لا تحمل حتى علوم أصحابها.

3.4 ما الذي بقي للصناعة؟

لا يخرج ابن تيمية من هذا كله إلى إلغاء محض، وهذا مما يفوت قارئه الغاضب وقارئه المتعجل معًا. للصناعة عنده وظيفة مشروعة، لكنها من جنس الدواء لا من جنس الغذاء: «وكذلك من كان به سفسطة ومرضت فطرته في بعض المعارف لا يستعمل معه الأدلة النظرية، بل يستعمل معه نوع من العلاج والأدوية».26 وقاعدة الفرقان التي تختصر المقامين الأخيرين في سطر: «فيجب الفرق بين ما تقف معرفة الحق عليه وتحتاج إليه وبين ما يُعرف الحق بدونه، ولكن قد يُزال به بعض الأمراض ويقطع به بعض المعاندين».27 فالقياس المنطقي من الثاني لا من الأول: لا تقف عليه معرفة، وقد يعالَج به غالط أو يُقطع به معاند.

بهذا اكتمل هدم الدعاوى المحيطة: سقط حصر التصور وحصر التصديق، وجُردت النجاعة إلى وظيفة علاجية، وثبت بالتسليم أن الصورة صحيحة وأنها ليست موضع النزاع. لم يبق من الجهاز كله إلا دعوى واحدة قائمة: أن صيغة الشمول تمتاز على صيغة التمثيل بإفادة اليقين. وقد رأينا في أول هذا الفصل أن ابن سينا نفسه علّق كل شيء على تصحيح الكبرى، وأن حكمه على التمثيل بالقوة والإيهام فرعٌ عن حكمه على ما يصحح كبراه. فبقيت المسألة كلها معلقة على سؤال واحد: من أين تجيء الكبريات؟ ذلك هو التدقيق، وإليه الفصل التالي.

الحواشي

  1. ابن سينا، «الشفاء»، المنطق: كتاب القياس، تحقيق سعيد زايد، مراجعة إبراهيم مدكور (مصورة مكتبة المرعشي النجفي، قم، 1433هـ)، المقالة التاسعة، الفصل الثالث والعشرون، ص 568.
  2. المصدر نفسه، ص 569.
  3. المصدر نفسه، ص 569. وعقد قبله فصلًا في القياسات الفقهية: المقالة التاسعة، الفصل الحادي والعشرون، ص 555.
  4. الردّ، ص 130.
  5. الردّ، ص 148.
  6. الردّ، ص 149.
  7. الردّ، ص 131.
  8. الردّ، ص 208.
  9. الردّ، ص 208.
  10. الردّ، ص 155.
  11. الردّ، ص 291.
  12. الردّ، ص 339.
  13. الردّ، ص 292.
  14. الردّ، ص 344.
  15. الردّ، ص 345 إلى 346.
  16. الردّ، ص 347.
  17. الردّ، ص 348.
  18. الردّ، ص 296.
  19. الردّ، ص 223.
  20. الردّ، ص 342.
  21. الردّ، ص 343.
  22. الردّ، ص 343.
  23. الردّ، ص 293.
  24. الردّ، ص 209.
  25. الردّ، ص 434.
  26. الردّ، ص 376.
  27. الردّ، ص 376.