الفصل 2

نقض الحصر في باب الحد

أول دعاوى الجهاز وأضعفها سياجًا: أن التصور المطلوب لا يُنال إلا بالحد. عليها بنى «الردّ» مقامه الأول بأحد عشر وجهًا، ثم أتبعه مقامًا ثانيًا يجتث ما بقي: فلو سلّم الحصر لم يكن الحد نفسه مفيدًا لما وُعد به، إذ فائدته التمييز لا تصوير الحقائق. هذا الفصل يعرض النقض في المقامين معًا، ويبدأ من حيث ينبغي أن يبدأ كل عرض أمين: من شهادة الخصوم على أنفسهم.

2.1 الدعوى وشهادة أصحابها عليها

الدعوى عند القوم صريحة لا تحتاج تقويلًا. طريق التصور عندهم القول الشارح، أي الحد؛ ومن لم يحط بالحد الحقيقي لم يتصور الحقيقة. وقد رأينا في الفصل الأول أن الغزالي أدخل هذا الشرط على علوم المسلمين إدخالًا: زعم في مقدمة المستصفى «أنه لا يثق بعلمه إلا من عرف هذا المنطق».1

فماذا يقول أعلم القوم بصناعتهم عن هذا الطريق الذي لا علم إلا به؟ هنا أثمن ما في المقامين الأولين: ابن تيمية لا يقاتل بسلاحه أولًا، بل يفتح كتب الخصوم على المواضع التي يقرّون فيها بالمأزق. فابن سينا في «الشفاء»، حيث يبلغ من كتاب البرهان موضعَ بيان طرق اكتساب الحدود، يلخص حصاد نظره هكذا: «وقد حققنا أنه لا برهان على الحد بوجه. ولا القسمةُ تكسب الحد. فيجب الآن أن نبين كيف يمكن أن يكتسب الحد»؛ ثم يصف الطريق الباقي، وهو تركيب الحد جمعًا للمقومات، بشروط من جنس أن يؤخذ من الذاتيات «ما هو داخل في ماهيتها ونجمعها جمعًا حتى يحصل منها شيء مساو للمحدود في الانعكاس».2 فلا البرهان يعطي الحد، ولا القسمة تعطيه، والتركيب المقترح مشروط بإحاطة بجميع الذاتيات المقومة وبالتمييز بينها وبين اللوازم. وسيأتي أن هذا التمييز نفسه هو ما لا معيار له.

والغزالي، في كتابه الموضوع لصناعة المنطق نفسها، عقد فصلًا ترجمته الصادقة عنوانه: في استعصاء الحد على القوى البشرية إلا عند غاية التشمير والجهد. ينقل «الردّ» أموره الأربعة نقلًا مطولًا: عسر إصابة الجنس الأقرب، وخطر الخلط بين الذاتي والعرضي، وتعذر ضمان عموم الفصل، وصعوبة الترتيب؛ ثم نتيجته التي هي وحدها كافية في هدم الحصر: «ولذلك، لما عَسُر، اكتفى المتكلمون بالتمييز، وقالوا: إن الحد هو القول الجامع المانع، ولم يشترطوا فيه إلا التمييز».3 فصاحب أعظم مشروع لتوطين هذه الصناعة يشهد أن حدها الحقيقي فوق الطاقة إلا نادرًا، وأن نظار الملة قنعوا عن بينة بما دونه.

فإذا انضاف إلى الشهادتين إقرار ابن سينا في إلهيات «الشفاء» بأن أوّليات التصور، كالموجود والشيء والضروري، «ترتسم في النفس ارتسامًا أوليًا» لا يُجلب بأشياء أعرف منها، وأن محاولات تحديدها تنبيهات لا تعريفات،4 اكتمل المشهد قبل أن يبدأ النقض: رأس الصناعة يقر بأن أشرف التصورات لا تُحدّ، وأعظم مروجيها يقر بأن ما عداها عسير الحد إلى حد الاستعصاء. فمن أين جاء الحصر؟

2.2 وجوه النقض: الحصر قول بلا علم

يفتتح ابن تيمية مقامه الأول بالوجه الذي يظل ساري المفعول في «الردّ» كله: الدعوى سالبة كلية، تقول لا يحصل تصور إلا بالحد، ومثل هذا النفي العام لا يعلم ببديهة ولا قام عليه برهان؛ فأول لبنة في الميزان الموعود قول بلا علم: «فكيف يكون القول بلا علم أساسًا لميزان العلم ولما يزعمون أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره».5 وليس هذا تقاذفًا بالدعاوى؛ هو نقل عبء الدليل إلى موضعه: من ادعى حصر طرق العقول كلها في صناعته فعليه بينة الحصر، ولن يجدها استقراءً ولا بداهة.

ثم يطبق الخناق بالوجوه التي تجعل الحصر ممتنعًا لا مجرد عارٍ عن الدليل. فالحادّ نفسه إما عرف المحدود بحد فيلزم الدور القبلي أو التسلسل، وإما عرفه بغير حد فقد بطل الحصر بمن ادّعاه.6 وأئمة العلوم التي حصلت للناس بالفعل، من فقه ونحو وطب وحساب، حققوا علومهم ولم يتكلفوا حدود هذه الصناعة، فالتاريخ المعرفي كله نقض مباشر للسالبة.7 ثم الوجه الذي يقلب تهمة السفسطة على أصحابها: لو كان التصور موقوفًا على الحد لما تصور الناس شيئًا، إذ لا يوجد إلى الساعة حد مستقيم على أصولهم: حدُّهم المشهور للإنسان معترَض، وقد اجتمع للنحاة نيّف وسبعون حدًّا للاسم كلها منقوضة؛ فلو صحت الدعوى لما علم بنو آدم شيئًا، «وهذا من أعظم السفسطة».8

ويجهز على البقية وجهان صامدان من كل جهة. أولهما من ممارسة القوم أنفسهم: صناعتهم في نقد الحدود هي النقض والمعارضة، وكلاهما فرع عن تصور سابق للمحدود؛ فلولا أن الناقد يتصور المحدود من غير الحد لما عرف أن الحد ناقض أو معارَض.9 وثانيهما الوجه الذي سيصير في الفصل الرابع عمودًا: البديهي والنظري وصفان نسبيان إضافيان بحسب حال العارف، لا صفتان نوعيتان للقضايا والتصورات؛ فقد يتيقن زيد ما يظنه عمرو، ويتصور بلا حد ما يحتاج غيره فيه إلى كسب. فتقسيم التصورات إلى ما يُنال بحد وما لا يُنال به تقسيمٌ يختلف باختلاف الناس، ولا يصح جعله حكمًا عامًّا على جنس بني آدم.10

2.3 الأصلان اللذان قام عليهما الحد

هدمُ الحصر لا يتم حتى يُهدم أساسه الميتافيزيقي، وهو الفرق بين الذاتي والعرضي الذي عليه مدار الحد بالجنس والفصل. ويردّه ابن تيمية إلى أصلين يتقاسمان الفساد.

الأصل الأول أن للماهية حقيقة ثابتة في الخارج غير وجودها. وجوابه تحقيقٌ يضع الكليات في محلها: «التحقيق أن ذلك كله أمرٌ موجود وثابت في الذهن، لا في الخارج عن الذهن»؛11 «فوجود الشيء في الخارج عين ماهيته في الخارج».12 وما سموه الماهية «أمر يعود إلى ما يقدر في الأذهان لا إلى ما يتحقق في الأعيان، والمقدر في الأذهان بحسب ما يقدره كل أحد في ذهنه».13 ومن هذه النسبية الذهنية يتولد إلزام لا جواب عنه: إذا كانت الماهيات تقديرات أذهان فماهياتهم المدَّعاة معارَضة بمثلها؛ «إذ يقدر كل إنسان أن يخترع ماهية في نفسه غير ما اخترعها الآخر؛ وإذا ادعى هذا أن الماهية هي الحيوان الناطق أمكن الآخر أن يقول بل هي الحيوان الضاحك»، فإن جعل تقديره مطابقًا للأمر في نفسه كان مبطلًا، وإن قال هو اصطلاح «قوبل باصطلاح آخر، وكان هذا مما لا فائدة فيه».14 وليس هذا مصادرة على واقعية الحقائق؛ فالرجل من أشد الناس تقريرًا لها: «إن الحقائق الخارجية المستغنية عنا لا تكون تابعة لتصوراتنا بل تصوراتنا تابعة لها».15 الحقائق ثابتة؛ الماهيات المزعومة وراء وجودها هي المنفية.

والأصل الثاني الفرق بين الذاتي واللازم، وفيه يكتفي أول الأمر بتحكيم محققي الخصم: ذكروا لتمييز الذاتي فروقًا ثلاثة، «وطعن محققوهم في كل واحد من هذه الفروق الثلاثة، وبينوا أنه لا يحصل به الفرق بين الذاتي وغيره».16 ثم يحسم المسألة بالتمييز الذي يجري في هذا الكتاب مجرى القاعدة: كون الصفة تحتاج في العلم بها إلى وسط أو لا تحتاج وصفٌ لعلاقة العارف بها، لا لعلاقتها بالموصوف؛ فالعلم بلا وسط غير الثبوت بلا وسط. يعرف أحدُنا أن الاثنين نصف الأربعة بلا وسط، ويحتاج في نصف ألفٍ وثلاث مئة واثنين وسبعين إلى حساب، والنسبتان في نفس الأمر سواء.17 وعلى هذا فما من مميِّز مطابق إلا ويمكن أن يكون ذاتيًا عند شخص عرضيًا لازمًا عند آخر؛ والقوم أنفسهم اضطربوا في المواضع الفاصلة، فجعلوا الحيوانية ذاتية للحيوان وترددوا في العددية للزوج والفرد واللونية للسواد، على قاعدة أن ما خفي ثبوته احتاج إلى وسط فليس ذاتيًا؛ فردّوا الفرق الميتافيزيقي المزعوم إلى تفاوت العارفين من حيث لا يشعرون.18

فإذا سقط الأصلان سقط الحد الحقيقي بمعناه القومي كله: لم يبق شيء اسمه أجزاء الماهية ينتظم منها قول يصوّر الحقيقة؛ بقيت صفات يتفاوت الناس في العلم بلزومها، تصلح للتمييز والتعريف بقدر ما عُرف من لزومها، ولا تحمل قسمة صارمة إلى مقوم وعرضي.

2.4 ما الذي يفعله التعريف إذن؟

لو وقف «الردّ» عند الهدم لكان نقدًا؛ الذي يجعله نظريةً بديلُه الإيجابي، وهو هنا قاعدة جامعة: فائدة الحد التمييز، كما يميز الاسم، لا تصوير الحقائق. ويسلّم في ذلك تسليمًا صريحًا بما للحد من نفع حقيقي: «نعم، الحد قد ينبّه على تصور المحدود كما ينبّه الاسم. فإن الذهن قد يكون غافلًا عن الشيء، فإذا سمع اسمه أو حدّه أقبل بذهنه إلى الشيء الذي أشير إليه بالاسم أو الحد، فيتصوره. فيكون فائدة الحد من جنس فائدة الاسم».19 فالحد إشارةٌ وتنبيه وتمييز؛ وهذه وظائف جليلة لا يستهين بها إلا من ظن أن ما دون تصوير الماهيات عبث.

وكيف يحصل التصور فعلًا؟ جوابه نظرية كاملة تُعرض بحسب حال السائل عن الشيء. من عرف المسمى وجهل الاسم فجوابه الترجمة، وتصريحه في حدودها مما يعز نظيره في زمانه: «لا سيما لغة العرب، فإن ترجمتها في الغالب تقريب»؛20 ومن جهلهما معًا فطريقه التعيين بإحضار المسمى للحس، أو الوصف بما يقوم مقام العيان. ومن هذا الباب حدودُ الشرع التي جاءت فارقة بلا جنس وفصل: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال: «ذكرك أخاك بما يكره»، وعن الكبر فقال: «الكبر بطر الحق وغمط الناس»؛21 تمييزٌ تام بأوجز لفظ، لا تجده في حدود القوم المتكلفة. وأما الخواص المفردة فلا تعرّف من لم يعرف: من قيل له إن الفرس حيوان صاهل لم يستفد إن لم يكن عرف الصهيل والفرس؛ «فتبين أن تعريف الشيء إنما هو بتعريف عينه، أو بذكر ما يشبهه».22

وفي هذه الجملة الأخيرة يكمن أخطر نصوص الباب كله، وهو الذي يعقد ما بين هذا الفصل والفصل الرابع: «التعريف بالوصف هو التعريف بالحد... وهي في الحقيقة تعريف بالقياس والتمثيل، إذ الشيء لا يتصور إلا بنفسه أو بنظيره».23 فالتمثيل يبتلع الحد قبل أن يبتلع الشمول: أداة التصور الفعلية عند بني آدم مشاهدةُ العين أو اعتبارُ النظير، والحد الصالح ما نظم ذلك، لا ما ادعى تصوير ماهية من وراء الوجود. والتوازي بين البابين بنيوي في «الردّ»: كما سيقول في القياس إن الاعتبار بالمادة لا بالصورة، يقول هنا إن الاعتبار بمعرفة العين أو النظير لا بصيغة القول الشارح.

حاصل الباب: دعوى الحصر ساقطة بلا دليل وممتنعة بالدور، وأساسها الميتافيزيقي منقوض بشهادة محققي أصحابه قبل خصمهم، وصاحبا الصنعة أقرّا بالاستعصاء، والباقي بعد الغربلة وظيفةُ تمييزٍ نافعة لا تحتاج من صناعة القوم شيئًا. وبهذا خلا باب التصور من الاحتكار؛ وبقي باب التصديق، وهو معركة «الردّ» الكبرى، وإليه الفصل التالي.

الحواشي

  1. الردّ، ص 238.
  2. ابن سينا، «الشفاء»، المنطق: كتاب البرهان، تحقيق أبو العلا عفيفي، مراجعة إبراهيم مدكور (مصورة مكتبة المرعشي النجفي، قم، 1433هـ)، المقالة الرابعة، الفصل السادس، ص 306. والفصل السابع بعده في قصور طريقة القسمة أيضًا.
  3. الردّ، ص 61 إلى 63؛ وعبارة اكتفاء المتكلمين في ص 62. وقد أحال المحقق على مواضعها من «معيار العلم» بطبعة مصر.
  4. نقله «الردّ»، ص 85 إلى 89، نقلًا قابله محققه على «الشفاء» بطبعة طهران وأثبت فروقه اليسيرة في الحواشي (ص 85، الحاشية 1 وما بعدها)؛ فالنقل أمين بشهادة أداة التحقيق نفسها.
  5. الردّ، ص 49.
  6. الردّ، ص 49 وما بعدها، الوجه الثاني من المقام الأول.
  7. الردّ، الموضع نفسه، الوجه الثالث.
  8. الردّ، ص 50 وما حوله؛ وفيه حكاية حدود الاسم عن ابن الأنباري.
  9. الردّ، ص 55.
  10. الردّ، المقام الأول، الوجه الحادي عشر.
  11. الردّ، ص 106.
  12. الردّ، ص 107.
  13. الردّ، ص 51.
  14. الردّ، ص 109 إلى 110.
  15. الردّ، ص 113.
  16. الردّ، ص 105.
  17. الردّ، ص 110 إلى 111. وقد أصاب شريف سالم في تحرير هذا التمييز بين المستويين عند ابن تيمية: S. Salem, “Defining without Essences: Ibn Taymiyya's Critique of Aristotelian Logic”, Logica Universalis 19 (2025), § 5.
  18. الردّ، ص 111 إلى 112.
  19. الردّ، ص 81.
  20. الردّ، ص 91.
  21. الردّ، ص 92 إلى 93.
  22. الردّ، ص 101.
  23. الردّ، ص 98.