الفصل 1
الخصم والكتاب: دعاوى المنطق الأرسطي وبنية «الردّ»
قبل تدقيق الدعوى لا بد من إحكام طرفيها: أي خصم بالضبط يضرب «الردّ على المنطقيّين»، وأي كتاب بالضبط هو. الشائع في الحالين تقريبٌ مخلّ: خصمٌ يُرسم «منطقًا» بإطلاق فيتسع الهجاء لما لم يُهجَ، وكتابٌ يُقرأ ركامًا من الاعتراضات فيضيع نظامه. وهذا الفصل يضبط الاثنين من النصوص، ليعرف القارئ — قبل أن تبدأ المحاكمة — من المدّعى عليه وما نص الدعوى.
1.1 نشأة الكتاب ودافعه
لم يولد «الردّ» تصنيفًا مدبَّرًا؛ ولد ارتجالًا موثَّقًا بشهادة صاحبه في موضعين متباعدين من الكتاب نفسه. في أوله: كُتب أولُه بالإسكندرية «في قعدة بين الظهر والعصر»، ثم تعقّبه صاحبه بعد ذلك في مجالس إلى أن تم.1 وفي أواخره، حيث يعيد القصة بصيغة أخرى: «وكنت قد علقت الكلام على أهل المنطق في مجلس واحد بسرعة لسبب اقتضى ذلك».2 وبين البدء والتمام كان الرجل يكتب في مواضع يذكرها بالاسم، حتى «في مكان الذي كتبت فيه هذا عند الربوة بدمشق».3 فالكتاب إملاء متطاول التنقيح، لا رسالة واحدة النَّفَس؛ وسنرى أثر ذلك في عمارته.
أما الدافع فمعلن من الصفحة الأولى، وليس ما يظنه من لم يقرأ: ليس غيرةً على الفقه من قياس اليونان، بل حسابًا في الإلهيات. يقول عن أول نظره: «فإني كنت دائمًا أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد، ولكن كنت أحسب أن قضاياه صادقة لما رأيت من صدق كثير منها، ثم تبين لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه».4 ثم يسمّي موضع الخطر: «وتبين لي أن كثيرًا مما ذكروه في أصولهم في الإلهيات وفي المنطق هو من أصول فساد قولهم في الإلهيات»، ويعيّن ثلاثة أصول: تركُّب الماهيات مما سموه ذاتيات، وحصر طرق العلم في الحدود والأقيسة البرهانيات، وصور القياس وموادّه اليقينيات.5 فبوابة الإلهيات مقصودة من أول سطر، لا استطرادًا طارئًا؛ ومن هنا كان للإلهيات فصلٌ في آخر هذا الكتاب، لا ملحقًا بل محركًا.
1.2 دعاوى الخصم عند نقطة الضرب
من خصمه؟ ليس «المنطق» بإطلاق — فالكلمة اليوم تسمّي علومًا لا عهد لخصمه بها — بل المنطق الأرسطي بجهازه المخصوص، كما استقر عند متأخريه في دار الإسلام: «مذهب الفلاسفة الذين نصره الفارابي وابن سينا وأمثالهما».6 وهو نفسه يحرّر موضوع الآلة تحريرًا لا مزيد عليه: «بنوا المنطق على الكلام في الحدّ ونوعِه والقياس البرهانيّ ونوعِه»، لأن العلم عندهم «إما تصوُّر وإما تصديق»، فالحدّ طريق التصور، والقياس طريق التصديق.7
على هذا الجهاز تقوم الدعاوى التي يضربها «الردّ»، وهي عنده أربع، تُفهم أزواجًا. في باب الحد دعويان: أن التصور المطلوب لا يُنال إلا بالحد، وأن الحد يفيد العلم بالتصورات. وفي باب القياس دعويان تناظرانهما: أن التصديق المطلوب لا يُنال إلا بالقياس، وأن القياس يفيد العلم بالتصديقات.8 والتمييز بين عضوي كل زوج هو مفتاح «الردّ» كله: الأولى في كل باب دعوى حصر: لا طريق سواه؛ والثانية دعوى نجاعة: الطريق يوصل. والحصر غير النجاعة: قد تصح الآلة ولا يصح احتكارها. من فاته هذا الفرق حسب «الردّ» هجومًا على ما سلّمه صاحبه؛ فالرجل يقول عن نتاج الشكل الأول: «وهذا لا نزاع فيه»،9 ثم يحارب في الحصر حربًا لا هوادة فيها.
وفوق الدعاوى الأربع دعويان مؤسِّستان تخترقان البابين. أولاهما دعوى العصمة الآلية: أن هذه الصناعة «آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره»، وهي العبارة التي يفتتح بها نقده ليقلبها على أهلها من الوجه الأول: «فكيف يكون القول بلا علم أساسًا لميزان العلم».10 وثانيتهما تصنيف مواد البرهان: أن القضايا الواجب قبولها خمس — الأوليات، والحسيات، والمجربات، والحدسيات، والمتواترات — وهو الحصر الذي سيقف عليه الفصل الرابع وقوفًا طويلًا، وحسبنا هنا شهادة «الردّ» عليه: «ولم يذكروا دليلًا على هذا الحصر. ولهذا اعترف المنتصرون لهم أن هذا التقسيم منتشر غير منحصر يتعذر إقامة دليل عليه».11
وتبقى الدعوى التي هي موضوع هذا الكتاب: تضعيف قياس التمثيل. يرويها «الردّ» عن أصحابها روايةَ من عرف مذهبهم من داخله: «فقالوا: إن قياس التمثيل لا يفيد إلا الظنَّ»، بخلاف الاستقراء التام، وبخلاف قياس الشمول الذي قد يفيد اليقين.12 وهذه الرتبة الهابطة للتمثيل هي عين ما تشهد به مصنفات القوم في تعريف الحجة؛ حتى إن ابن سينا في «الإشارات» يجعل ما يفيد التصديق «قياسًا واستقراء» ولا يذكر التمثيل في القسمة أصلًا.13 فإذا أضفت إلى ذلك أن الفارابي قبله كان قد وضع برنامجًا كاملًا لردّ استدلالات الفقهاء والمتكلمين — والمثالُ منها — إلى صورة القياس، تبيّن أن الخصم لم يكن يحتقر التمثيل عرضًا، بل كانت رتبته الدنيا جزءًا من هندسة المذهب: كل طريق إلى التصديق يجب أن يمر من القياس أو يُردّ إليه، وما قاوم الردَّ حُطَّ قدرُه.
على أن «الردّ» نفسه يقيّد هذه الخصومة بقيد تاريخي دقيق سيلزمنا في الفصل السابع: أقوى إشكالات القوم على التمثيل ليست بضاعتهم؛ «هذا كلامهم على ما حرره لهم نظار المسلمين الذين أوردوا على قياس التمثيل هذه الإشكالات، وإلا فكلام أئمتهم في قياس التمثيل ليس فيه هذا التحرير»؛14 بل إن تضعيف التمثيل عنده «من كلام متأخريهم لما رأوا استعمال الفقهاء له غالبًا»، ظنًّا منهم أن ضعف مواد الفقهاء الظنية «من جهة الصورة».15 فالمعركة — بشهادة صاحبها — ليست مع أرسطو وحده ولا معه أصلًا في هذا الموضع، بل مع صياغة متأخرة تصلّبت في دار الإسلام على يد قوم يقرؤهم ويحفظ مواضعهم. وسنعود إلى فحص هذه الدعوى التاريخية على نصوص القوم في موضعه.
1.3 عمارة «الردّ»: المقامات الأربعة
على الدعاوى الأربع بنى كتابه أربعة مقامات: مقامين سالبين في إبطال الحصرين، ومقامين موجبين في نقد النجاعتين.16 فالمقام الأول إبطال «لا تصور إلا بالحد»، والثاني بيان أن الحد لا يفيد تصور الحقائق وإنما فائدته التمييز؛ والثالث إبطال «لا تصديق إلا بالقياس»، والرابع — وهو أطولها، يستغرق فوق نصف الكتاب، وفيه يقول: «وهو أدقُّ المقامات»17 — نقدُ نجاعة القياس مع التسليم بصحته الصورية. وليست القسمة عنده ترفًا: السوالب تُسقط الاحتكار، والموجبات تزن ما بقي بعد سقوطه.
وثلاث ملاحظات في هذه العمارة يحتاجها القارئ قبل الدخول:
فأول ذلك أن ترقيم «الوجوه» داخل المقامات غير مستقر؛ تُرقَّم تصريحًا في المقامين الأولين ثم يغلب على الأخيرين تعاقبُ فصول ووجوه يعاد ترقيمها من رأس. فالإرساء الصحيح لأي موضع من «الردّ» يكون بالمقام والموضوع والصفحة، لا برقم الوجه؛ وبذلك التزمتُ في هذا الكتاب كله. ويزيد الأمر توكيدًا أن بعض عناوين المقامات نفسها من وضع المحقق لا المصنف؛ فعنوان «المقام الثالث» أثبته المحقق والأصل فيه «فصل» فقط،18 بينما «المقام الرابع» مثبت بلفظ المصنف في نصه الجاري.19
ثم إن التكرار في «الردّ» منهج لا عيّ. دعوى التكافؤ وحدها تُعرض بصيغ متصاعدة ست مرات على الأقل، في كل مرة بأداة جديدة: بالرموز مرة، وبأمثلة الفقه مرة، وبتحليل مواد البرهان مرة. ومن قرأ الكتاب على أنه ركام لم يعرف أن هذه العودات طبقات حفر في موضع واحد.
ثم إن «الردّ» ينتهي بلا خاتمة صناعية؛ آخر سطوره نقدُ تأويلات الملاحدة للمعراج: «وهذه خيالات تلقيها الشياطين... والحمد لله رب العالمين».20 وهذا من آثار مولده الارتجالي وتنقيحه المتطاول. ومما يرفع الثقة بنص الطبعة التي نعتمدها أن أصلها الخطي نسخة قوبلت على نسخة المصنف بخطه وقُرئ عليه بعضُها، كما يشهد ختامها المنقول في الطبعة وعلاماتُ البلاغ في هوامشها.21
1.4 النقد في سياقه: قبل الغزالي وبعده
آخر ما يحتاجه ضبطُ الخصومة تاريخُها القريب، وخير ما يُروى به أن يُقرأ من سجلّين يتصادقان: سجل الدرس المستقل عن «الردّ» أولًا، ثم رواية «الردّ» نفسه. أما السجل المستقل فمعالمه محررة. دخل المنطق الأرسطي دار الإسلام محمولًا على حركة الترجمة التي احتضنتها بغداد العباسية بين القرنين الثاني والرابع للهجرة؛ ولم يصل نص أرسطو غفلًا مجردًا، بل وصل ملفوفًا في شروح شرّاح الإسكندرية المتأخرين، ممرًّا في كثير من الأحيان عبر وسيط سرياني حمله النقلةُ النصارى ورثةُ التعليم المنطقي في مدارس الشام والعراق. وورث العرب عن أولئك الشرّاح أرغانونًا موسَّعًا يتصدره مدخل فرفوريوس وتُلحق به الخطابة والشعر، فاتسعت الصناعة عندهم لمراتب الحجة كلها من البرهان إلى المغالطة؛ وقامت في بغداد، حول طبقة النقلة المتقنين من حنين بن إسحاق وابنه إسحاق إلى متّى بن يونس ويحيى بن عدي، مدرسةٌ مشّائية عُنيت بشرح هذا الأرغانون وتدريسه.22
ولم يكن الوافد سِلمًا من أول يوم. فقد تفجّر سؤال الهوية مبكرًا في المناظرة المشهورة التي جمعت أبا بشر متّى بن يونس والنحويَّ أبا سعيد السيرافي بمجلس الوزير ابن الفرات نحو سنة 320 للهجرة، وفحواها سؤال واحد: أهذه الصناعة آلةٌ كلية للعقل لا تختص بلسان، أم قواعد لسانٍ يوناني بعينه نُقلت إلى العربية فلا سلطان لها على قوم لهم نحوٌ غير نحوها؟ وجواب الفلاسفة المحفوظ صاغه الفارابي: نسبة المنطق إلى المعقولات كنسبة النحو إلى الألفاظ، فالنحو يقوّم لسانَ أمة بعينها، والمنطق يقوّم العقل في كل لسان.23
فإذا انتقلنا إلى رواية «الردّ» وجدناه يروي هذا الدخول نفسه مضغوطًا في سطر: «وإنما ظهر في الإسلام لما عُرّبت الكتب الرومية في دولة المأمون أو قريبًا منها»؛24 ثم يزيد عليه ما يقلب الصورة المدرسية رأسًا على عقب: أن الوافد لبث قرونًا مرفوضًا من أهل النظر جميعًا: «ولم يكن أحد من نظار المسلمين يلتفت إلى طريقتهم، بل المعتزلة والأشعرية والكرامية والشيعة وسائر طوائف النظر كانوا يعيبونها ويثبتون فسادها. وأول من خلط منطقهم بأصول المسلمين أبو حامد الغزالي».25 فالقطيعة إذن هي الأصل الموروث، والخلط الغزالي هو الحادث الذي يستدعي التفسير، على عكس الرواية المدرسية التي تجعل رفض ابن تيمية شذوذًا حنبليًا متأخرًا.
وابن تيمية يعرف سلفه في هذا النقد ويسميهم. النوبختي — من متكلمي الشيعة — وقف عليه صاحبُ «الردّ» بعد أن كتب تعليقته الأولى: «ثم بعد مدة نظرت في كتاب الآراء والديانات لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي، فرأيته قد ذكر نحو هذا المعنى عمن تقدم من متكلمي المسلمين»،26 وينقل عنه تحدّيه لرؤساء المنطقيين أن يُروه مقدمتين أوليتين تكفيان في مطلوب متنازع فيه: «وقد سألت غير واحد من رؤسائهم أن يوجدنيه، فما أوجدنيه».27 والباقلاني قبله صنّف «الدقائق» الذي «رجّح فيه منطق المتكلمين من العرب على منطق اليونان»؛28 ومن ورائهما مناظرةُ السيرافي لمتّى التي مرّ ذكرها، و«الردّ» نفسه يستدعيها في موضعها.29 فالرجل — بتوثيقه هو — حلقة في سلسلة نقدية عمرها أربعة قرون قبله، لا صيحة منقطعة.
وأما الغزالي فهو عنده مفصل القصة ومأساتها معًا. ولم يكن خلطُه ارتجالَ غريبٍ عن الصناعة؛ فقد صنّف فيها ابتداءً «معيار العلم» و«محك النظر» و«القسطاس المستقيم»، ثم جاءت الخطوة التي يؤرخ بها «الردّ»: هو الذي «أدخل مقدمة من المنطق في أول كتابه المستصفى، وزعم أنه لا يثق بعلمه إلا من عرف هذا المنطق»،30 فصار الحصر الأرسطي شرطًا على أصول فقه المسلمين؛ ثم انتهى الرجل نفسه حيث يروي «الردّ» خاتمته: «ومات وهو مشتغل بالبخاري ومسلم».31 وفي هذين الخبرين — الإدخال والمآل — يختصر «الردّ» قضيته كلها: آلةٌ دخلت ضيفًا على علوم قائمة بذاتها، ثم ادّعت أنها شرط صحتها، ولم تُغنِ عمّن أدخلها شيئًا.
بهذا الضبط المزدوج — خصمٌ معيَّن الدعاوى، وكتابٌ معلوم العمارة — تنفتح المحاكمة. الفصلان التاليان يتتبعان إبطال الحصر في البابين: الحد أولًا، ثم القياس؛ وبعدهما يجيء التدقيق.
الحواشي
- الردّ، ص 45. ↩
- الردّ، ص 377. ↩
- الردّ، ص 228. ↩
- الردّ، ص 45. ↩
- الردّ، ص 46. ↩
- الردّ، ص 380. ↩
- الردّ، ص 46. ↩
- الردّ، ص 48. ↩
- الردّ، ص 339. ↩
- الردّ، ص 49. ↩
- الردّ، ص 482. ↩
- الردّ، ص 252. ↩
- عن موضعَي «الإشارات» في تعريف الحجة وردّ صور الاستدلال الفقهي والكلامي إلى القياس، انظر: Tony Street, “Arabic Logic”, in Gabbay & Woods (eds.), Handbook of the History of Logic, vol. 1 (Elsevier, 2004), pp. 541–542. وعن برنامج الفارابي في تحليل «المثال» والاستدلال بالشاهد على الغائب وقياس الفقهاء وردِّها إلى القياس: المرجع نفسه، ص 539. ↩
- الردّ، ص 254. ↩
- الردّ، ص 278. ↩
- الردّ، ص 48. ↩
- الردّ، ص 290. ↩
- الردّ، ص 129، حاشية المحقق رقم 5. ↩
- الردّ، ص 290. ↩
- الردّ، ص 588. ↩
- الردّ، ص 588 (خاتمة الناسخ وعبارة المقابلة على أصل المصنف بخطه سنة 728)؛ وص 129، حاشية المحقق رقم 4 («بلغ على مؤلفه»). ↩
- في طبيعة هذا النقل وتوسطه السرياني وخلفيته الشرّاحية، ثم في الأرغانون الموسَّع وترتيب كتبه عند العرب، انظر على التوالي: Dimitri Gutas, Greek Thought, Arabic Culture (London: Routledge, 1998); Street, “Arabic Logic”, pp. 526–530. ↩
- رواية المناظرة عند أبي حيان التوحيدي في «الإمتاع والمؤانسة»، الليلة الثامنة. ↩
- الردّ، ص 419. ↩
- الردّ، ص 382. ↩
- الردّ، ص 377. ↩
- الردّ، ص 384. ↩
- الردّ، ص 380. ↩
- الردّ، ص 221. ↩
- الردّ، ص 238. ↩
- الردّ، ص 241. ↩