مقدمة: الرهان والمنهج
يأتي هذا الكتاب على دعوى واحدة، يحرّرها ثم يدقّقها حتى يبلغ قرارها. ففي «الردّ على المنطقيّين» يقرر ابن تيمية أن قياس التمثيل — الذي وضعه المنطق الأرسطي في أدنى درجات الحجة — وقياس الشمول — الذي جعله ذروتها — سواء: «حيث أفاد أحدهما اليقين أفاد الآخر اليقين، وحيث لا يفيد أحدهما إلا الظن لا يفيد الآخر إلا الظن»1. دعوى واضحة الأركان، قابلة للصياغة الدقيقة، معروضة على الفحص بطبيعتها؛ نقلها كلُّ من كتب عن «الردّ»، من مترجمه إلى شرّاحه إلى خصومه، ثم لم يضعها أحد — في قرنٍ من الدرس الحديث — على طاولة تدقيق صوري واحد.
والرهان فيه مزدوج، وينبغي كشفه من أول سطر لأن طرفيه معًا ضد السائد. الطرف الأول ضد قراءةٍ شاعت منذ مقدمة حلاق تجعل الرجل اسميًّا تجريبيًّا يستبق مِل وبيكون: سيتبين أن هذه القراءة تطمس الفرقين اللذين يقوم عليهما مذهبه — تسليمَه بصحة الصورة، وتعليقَه التماثل على حكمة الفاعل لا على عادة العقل — فتجعله سلفًا رديئًا لمذهبٍ كان سيكفر بأصله. والطرف الثاني ضد التصديق المعاكس، الذي يظن أن المنطق الرياضي الحديث «يصدّق ابن تيمية»: سيتبين أن ما يصح من دعواه يصح مبرهنةً عن المنطق الأرسطي داخل قطعته، وأن ما يحمل نظريتَه في نهاية المطاف ليس منطقًا أصلًا بل نظرية في التماثل قوامها إلهي؛ فلا هو رائد مبكر لما قاله المحدثون، ولا هو خصم أخرق لما لم يفهمه. الذي بين أيدينا شيء ثالث لم يوصف بعد، ووصفه الدقيق هو غاية هذا الكتاب.
أدواتُ الفحص في هذا الكتاب دلالية: لغةٌ وبنيةٌ وإشباعٌ ولزومٌ دلالي ونموذجٌ مضاد وشاهد؛ لا أنظمة استدلال ولا نظرية برهان. ومن حق القارئ أن يعرف أن الصورنة هنا أداة قراءة أصرّح بها، لا دعوى أن صاحب «الردّ» كتب بها؛ أُنزل نصوصه على القطعة الصورية التي يسكنها خصمه، لأن من حاكم الخصم في داره لم يظلمه.
وخريطته على قدر رهانه. الفصل الأول يقيم الخصم و«الردّ» معًا: دعاوى المنطق الأرسطي كما تصل إلى نقطة الضرب، وبنيته الفعلية بمقاماته الأربعة: مقامين سالبين في حصر الحد والقياس، ومقامين موجبين في نجاعتهما. والفصلان الثاني والثالث يتتبعان النقض التيمي لدعوى الحصر في البابين: الحدُّ لا يفيد تصور الحقائق وفائدته التمييز، والقياس لا يتوقف عليه علمٌ بموجود. والفصل الرابع — وهو الحامل، وفيه ثقل هذا الكتاب — يدقق دعوى التكافؤ تدقيقًا صوريًا: يحرّرها خمسَ دعاوى لا واحدة، ويبرهن ما يصح منها، ويشتق استثناءها من بنيتها، ويقلبها نتيجةَ استحالة على تصنيف الخصم لمواد برهانه، ثم يحسب الثمن. والفصل الخامس يستخرج من ذلك الحساب حكمَ التقارب الصادق: ماذا يصدّق المنطقُ الحديث من الرجل بالضبط، وماذا لا يصدّق، ولماذا. والفصل السادس ينزل إلى المحرك الإلهي الذي تدور عليه الآلة كلها: التماثل المضمون بالحكمة، والآيات الدالة على العين لا على القدر المشترك، وعلم الله بالجزئيات. والفصل السابع يضع هذا الكتاب في خريطة الدرس القائم ويختم.
بقيت كلمة في العنوان. سمّيت الدعوى «تكافؤ الأقيسة» لا «ردّ المنطق»، لأن هذا هو الكتاب الذي كتبه ابن تيمية فعلًا: كتابٌ لم يُنكر صحة صورةٍ قط — «وهذا لا نزاع فيه»2 — وإنما أنكر امتيازًا ادُّعي لصورة على صورة، وحصرًا ادُّعي لطريق على طريق. ومن قرأه هجاءً للمنطق فقد أخطأ عنوانَ كتابِه قبل أن يخطئ مضمونه.