
هل يتوقف الإنترت عن العمل لو انقطعت كوابله في أعماق محيطات الأرض؟
للإجابة على السؤال نبدأ بأن عددا لا بأس به -أصلا- من كوابل الإنترنت مقطوعة فعلا الآن لحظة كتابتي هذه المقالة، وهذي ليست استعارة أدبية أو مبالغة، بل هو واقع موثّق حرفيًّا: فكمعدل متوسط يتعرض 200 كابل بحريّ سنويا للقطع أو التلف، سواء من مراسي السفن، أو الزلازل البحرية، أو من أسماك القرش التي تعشق قضم الكوابل لأسباب لا يعرفها أحد حتى اليوم!
فكيف لا يؤثر كل هذا على الإنترنت واتصالاته عالميا على مدّ الكوكب بأسره؟
تصوّر معي أنك تقود سيارتك في مدينة ضخمة، ثم تجد الطريق الرئيسي مغلقًا، فتلجأ إلى خريطة تُرشِدك إلى طريق بديل، وما أن يُغلَق ذاك الطريق أيضا حتى تُحيلك الخريطة إلى ثالث، ثم رابع... والوجهة في نهاية المطاف واحدة! هكذا بالضبط يعمل الإنترنت، ولكن بدون خريطة مركزية، ولا قائد يصدر الأوامر، ولا عقل منفرد يُدير المشهد، فكل جهاز توجيه Router يتخذ قراره بنفسه، في الزمن الفعلي، وفي ذات اللحظة.
القصة بدأت من رحم الحرب الباردة، ففي الستينيات، كان الهاجس الأكبر للجيش الأمريكي: ماذا لو ضرب الاتحاد السوفيتي مراكز الاتصال؟ فولدت فكرة ARPANET، وهي شبكة لا تملك قلبا يمكن طعنه، بمعنى: لا نقطة مركزية واحدة؛ إذا اختفت اختفى كل شيء، وعلى هذه الفلسفة بنينا الإنترنت اليوم، أو إنترنت اليوم.
ولكن ما السر التقني الذي يجعل هذا ممكنًا؟
كل الإنترنت مقسَّم إلى آلاف "الممالك الصغيرة" التي يُطلَق عليها Autonomous Systems أو اختصارا AS، وكل AS تضم شبكة من أجهزة التوجيه، وهنالك بروتوكول واحد يُعدّ العصب الخفي للإنترنت كله، اسمه BGP أي Border Gateway Protocol، وهو اللغة التي تتحدث بها هذه الممالك فيما بينها.
لنقرّب المعنى أكثر: تصور أنك في ساحة مدينة كبيرة، وكل حيٍّ فيها يملك "مبعوثا" يتنقل بين الأحياء المجاورة ويُعلِن دائما: (أنا أعرف الطريق إلى حيّي، ويمكنك الوصول إليه عبري)، ثم يتناقل المبعوثون هذه المعلومات من حيٍّ لحي حتى تصل إلى أقصى المدينة، هذا بالضبط ما تفعله رسائل BGP: كل AS تُعلن الشبكات التي تستطيع الوصول إليها، وجيرانها يسمعون ويُعيدون الإعلان...وهكذا حتى تعلم كل نقطة في الإنترنت كيف تصل إلى أي نقطة أخرى.
والجمال الحقيقي يظهر لحظة الكارثة: فحين ينقطع كابل أو يسقط مركز بيانات، لا أحد يُصدر أمرا، ولا قائد يستيقظ، بل تبدأ أجهزة التوجيه المجاورة -على شاكلة تلقائية- بالتوقف عن استقبال تلك الرسائل ثم تُعلن للشبكة: (الطريق من هنا مقطوع!)، فتُعيد كل AS حساباتها وتبحث عن مسار جديد، وفي غضون دقائق، وأحيانا ثوانٍ، يُعاد رسم خريطة التوجيه لكل الإنترنت. الاسم التخصصي الدقيق لهذا هو BGP Convergence.
ولكن، ماذا لو تعطلت مسارات متعددة في آنٍ واحد؟ هنا يأتي ECMP أي Equal-Cost Multi-Path: فبدلا من مسار واحد، يستطيع الجهاز الواحد أن يُرسل نفس الحزمة عبر عدة مسارات متوازية في نفس الوقت، تماما كأنك ترسل بريدا مهما فتُرسل عشر نسخ منه في اتجاهات مختلفة، فيكفي أن تصل نسخة واحدة!
والمفارقة الساحرة أن هذا النظام العبقري ليس له مالِك، أو متحكِّم منفرد، أو غرفة قرار! إذ لا شركة تملكُه ولا حكومة تتحكم فيه، بل هو اتفاق ضمني بين عشرات الآلاف من الشبكات حول العالم أن تتحدث لغة واحدة وتحترم قواعد مشتركة.
وقبل أن تنتهي: لكل نظام عبقري ثغرته، وثغرة BGP أنه مبني على الثقة العمياء! إذ لا يوجد تحقق من أن من يُعلن "أنا أملك طريقا لهذه الشبكة" هو فعلا صاحبُها، وقد حدث فعلا في عام 2008 أن أعلنت شركة اتصالات باكستانية -عن طريق خطأ أو عمد- أنها تملك طريقا إلى شبكات يوتيوب، فصدقتها معظم شبكات العالم وأرسلت إليها كل حركة المرور، فاختفى يوتيوب عن الوجود لساعات كاملة!
ما أُنجز هو أن الإنترنت تحوَّل من مجرد شبكة تقنية إلى فلسفة لامركزية تشتغل وحدها، وتتعافى وحدها، وتكبٌر وحدها، فإذا أراد أحد أن يفهم لماذا يتحمس المختصون للبلوكتشين واللامركزية، فأقول له: لأن الإنترنت علّمنا أن أقوى الأنظمة هي تلك التي لا تملك قلبا يمكن طعنه.