سيوف رياضية ومنطقية مُسلَّطَة على رقبة أرسطو

غوتلوب فريجه

قلَّ في تاريخ العلم كتابٌ اجتمع له أن يكون أعظمَ ما كُتب في بابه منذ أرسطو، وأن يموت مؤلفه وهو يحسب نفسه فاشلًا، وأن يكون سطرُ نهايته مكتوبًا في مقدمته بيد صاحبه. ذلك هو «القوانين الأساسية للحساب» Basic Laws of Arithmetic لغوتلوب فريجه، صدر مجلده الأول في يينا سنة 1893، والثاني سنة 1903 على نفقة المؤلف¹، لأن الأول لم يبع ما يغري ناشرًا بالمغامرة ثانيةً.

وقبل الكتاب بمئةٍ وستّ سنين كان كانط قد كتب في مقدمة الطبعة الثانية من نقد العقل المحض (1787) أن المنطق لم يضطر منذ أرسطو إلى الرجوع خطوةً واحدة، ولم يستطع أن يتقدم خطوةً واحدة، فهو بحسب كل الظواهر علمٌ مغلق مكتمل². قالها مدحًا، وهي - كما تبيّن بعد قرن - أقسى ذمٍّ قيل في المنطق: فالعلم الوحيد الذي لم يتحرك اثنين وعشرين قرنًا ليس علمًا بلغ الكمال، بل علمٌ وُلد مشلولًا وعُبِد على شلله.

أسس الحساب، ترجمة أوستن

والكتاب خاتمة مشروع امتد ربع قرن. بدأه فريجه سنة 1879 بكتيّب من 88 صفحة سماه «الخط المفهومي» Concept Script³، اخترع فيه - دفعةً واحدة ومن غير سابقة - المنطق الذي ندرّسه اليوم: المسوِّرات quantifiers، والمتغيرات المربوطة، وتحليل القضية إلى دالّة ومتغير بدل الموضوع والمحمول، ومنطق الرتبة الثانية. ثم ثنّى سنة 1884 بـ«أسس الحساب» Foundations of Arithmetic فبسط الدعوى فلسفيًّا بلا رموز. ثم جاءت «القوانين الأساسية» لتنفّذ الوعد تنفيذًا صوريًّا كاملًا. والدعوى أن الحساب منطقٌ محض، وهي موجَّهة إلى صدر كانط تحديدًا: فقد قرر كانط أن قضايا الحساب تأليفيةٌ قبليّة، لا تتألّف إلا بحدس الزمان، ولا تُستخرج من تحليل المفاهيم؛ فأراد فريجه أن يُري أن 7+5=12 وكلَّ أخواتها تُشتق من قوانين المنطق وحدها ومن تعريفات؛ فلا حدسَ ولا تجربة ولا ملَكةَ من ملكات النفس. وليست الغاية تزيينَ الحساب بلباس صوري، بل حسمُ سؤال معرفي: من أي جنسٍ يقينُ الرياضيات؟

ووسيلته شرطٌ واحد صارم: البرهان بلا قفزات gapless. كل مقدَّمة تُعلَن، وكل قاعدة استدلال تُذكر، ولا يُسمح لخطوة واحدة أن تتسلل من غير إذن. فالثغرة التي تبدو بريئة - «ومن هنا يتضح أن...» - هي بالضبط الموضع الذي يتسرب منه حدسٌ خفي أو مقدَّمة مضمرة، فيفسد السؤال المعرفي كله. ولهذا الشرط دفع الثمن الفادح: رموزه ثنائية الأبعاد، تنمو على الصفحة عموديًّا وأفقيًّا كالأشجار، فجاء الكتاب صفحاتٍ متراصة من أشكال لم تر أوروبا مثلها. وهو يعلم علم اليقين ماذا سيصنع هذا بقرائه، فكتب في الصفحة XII من المقدمة أنه لا بد من التخلي عن جميع الرياضياتيين الذين إذا صادفوا ألفاظًا كـ«مفهوم» و«حكم» قالوا: metaphysica sunt, non leguntur، وعن الفلاسفة الذين يصيحون لمرأى الصيغة: mathematica sunt, non leguntur. ثم وضع تحتها حاشيةً من أظرف ما دُوِّن في كتاب جاد: «الرياضياتيون الذين يكرهون التوغل في متاهات الفلسفة، يُرجى منهم أن يقطعوا قراءة المقدمة هنا».

القوانين الأساسية للحساب — الغلاف يحمل رموز فريجه ثنائية الأبعاد

ولكي يُفهم عمق الهدم لا بد من الوقوف على العرش نفسه. قام منطق أرسطو كله على تحليل واحد للقضية: موضوعٌ يُحمل عليه محمول، subject وpredicate. «سقراط فانٍ»: سقراط موضوع، والفناء محمول، وبينهما رابطة copula. ومن هذا التحليل الواحد تناسل كل شيء: الكليات الأربع، ومربع التقابل، والأشكال والضروب، ونظرية الحد والتعريف بالجنس والفصل، بل ومقولات الوجود نفسها؛ فالجوهر والعرَض عند أرسطو ظِلّان ميتافيزيقيان للموضوع والمحمول النحويين. وهنا أول معاول فريجه وأمضاها: هذا التحليل ليس تحليلًا منطقيًّا أصلًا، بل هو نحوٌ تنكّر في زي منطق. فالتمييز بين الموضوع والمحمول تمييز بلاغي يخص ترتيب الالتفات في الجملة، لا بنية المضمون؛ ولذلك أعلن منذ «الخط المفهومي» أن هذا التمييز لا موضع له في نظامه إطلاقًا. وبدله وضع ثنائية استعارها من الرياضيات: الدالّة والمتغير، function وargument. خذ «قيصرُ غزا غاليا» وانزع منها «قيصر»، يبقَ لك قالبٌ مثقوب: «( ) غزا غاليا»؛ هذا الفراغ المفتوح هو الدالّة، وكل ما يصلح لسدّه متغير. والمفهوم concept عنده دالّةٌ قيمتُها دائمًا إحدى قيمتَي الصدق: الصادق أو الكاذب. فليست القضية زواجًا بين اسمين تعقده رابطة، بل إشباعُ دالّة بمتغير؛ وبهذا التحوير الواحد ذابت الرابطة - ركن الأركان في المنطق القديم - ذوبانَ الملح، إذ لم يعد لها عمل.

وللعربية في هذا الباب حظٌّ غريب: لم تملك هذه الرابطة أصلًا. فالإسناد فيها يقوم بغير أداة، تقول «زيد قائم» فلا تحتاج إلى «هو» تلحم الطرفين. ولذلك وقف المترجمون حيارى أمام الكلمة اليونانية فصنعوها صنعًا. يقول ابن رشد في تهافت التهافت إن المترجمين «لما لم يجدوا في لسان العرب لفظًا يدل على هذا المعنى» عمد بعضهم إلى «الموجود» - «فهو اسم صناعي لا لغوي» - واشتق آخرون «الهوية» من لفظ الضمير الذي يدل على ارتباط المحمول بالموضوع، ثم «تكلّف من هذا اللفظ صيغةً ليست موجودة في لسان العرب». فالغموض الذي أنفق فريجه كتابًا في تفكيكه لم يكن في العربية غموضًا موروثًا، بل بضاعةً مستوردة، عرف مستوردوها أنهم يصنعون لها وعاءً على غير مثال.

والفارابي عاين المأزق الذي سيدخل منه فريجه بعد ألف سنة، ثم خرج منه بحوالة. سأل في شرحه لكتاب العبارة عن الرابطة نفسها: أمحمولةٌ هي أم لا؟ فإن كانت محمولةً احتاجت رابطةً أخرى، «ومرّت هكذا إلى غير نهاية». ثم أجاب: «فالجواب في ذلك أنه ليس في شيء مما لزم محالٌ ولا شنعة، إذ معنى الرابط ها هنا من المعقولات الثواني، وليس بمحال ولا ممتنع أن تمر المعقولات الثواني إلى غير نهاية». فالرجل عاين التسلسل وأقرّ به وسمّاه غير ضائر؛ وابن رشد لم يقبلها، ونسب إلى ابن سينا الغلط فيها. فالقضية فُتحت في القرن الرابع وأُغلقت بحوالة على «المعقولات الثواني»، وظلت مغلقة حتى فُتحت بمعولٍ من خارج اللسان كله.

وبهذا التحليل وحده دخل المنطقُ بابًا كان مغلقًا دونه، وهو شيئان متلازمان عجز عنهما القياس عجزًا بنيويًّا لا عرضيًّا: العلاقات relations وتراكب الأسوار. فتحليل الموضوع والمحمول أحاديٌّ بطبعه: محمول واحد يوصف به شيء واحد، وهو ما يسمى اليوم منطقًا أحادي الحدود monadic. فإذا جاءتك قضية علائقية من مثل «7 أكبر من 5» لم يجد لها القياس قالبًا إلا بالتشويه. وقد عرّى أوغسطس دي مورغان هذا العجز بمثاله المشهور: «كل فرس حيوان، إذن كل رأس فرس رأسُ حيوان»؛ استدلالٌ يقرّ بصحته صبيّ، وتقف دونه صناعة القياس بأشكالها الأربعة عاجزةً عن إنتاجه، لأن «رأس كذا» علاقةٌ، والقياس لا يهضم العلاقات. ثم الطامة الثانية: السور الواحد. قضايا أرسطو الأربع تحمل سورًا واحدًا في صدر الجملة؛ فكيف بقضية تتداخل فيها الأسوار؟ خذ أبسط تعريف في التحليل الرياضي، تعريف النهاية: لكل ε موجبة، يوجد δ موجبة، بحيث لكل x تحقق كذا. ثلاثة أسوار متراكبة، والترتيب هو كل المعنى: قدِّم «يوجد δ» على «لكل ε» تنقلب الرياضيات باطلًا. وهذا الجنس من القضايا - وهو النسيج الذي تُحاك منه الرياضيات كلها - لا يستطيع منطق أرسطو أن يكتبه أصلًا، فضلًا عن أن يستدل عليه. ومن هنا يُفهم سرّ الطلاق التاريخي: لم يزهد الرياضياتيون في المنطق قرونًا كِبرًا وصلَفًا، بل زهدوا فيه لأنه كان - بحق - عديم النفع لهم؛ أعطاهم أداةً أحادية الحدّ وحيدةَ السور، وعملُهم علاقاتٌ وأسوارٌ متراكبة. فلما اخترع فريجه السور والمتغير المربوط وأطلق الدوالّ متعددة المواضع، ركّب العينين في رأس واحد لأول مرة.

ثم عمد إلى كلمة «هو» - فعل الكينونة الذي بنى عليه أرسطو الميتافيزيقا والمنطق معًا - ففلقها أربعًا. فـ«هو» في «الصبحُ هو نجمُ المساء» هوهويةٌ identity بين مسمًّى ومسمًّى؛ و«هو» في «سقراط هو فانٍ» وقوعُ شيء تحت مفهوم؛ و«هو» في «الفرسُ هو حيوان» اندراجُ مفهومٍ تحت مفهوم؛ و«هو» في «اللهُ هو موجود» ليست شيئًا من ذلك كله. والمنطق القديم يكتب الأربعة بقالب واحد، فيخلط أخطر خلط عرفه تاريخ الفكر: الخلط بين وقوع الفرد تحت الصنف واندراج الصنف تحت الصنف، بين membership وinclusion بلغة اليوم. وعلى هذا الخلط بالذات قامت نظرية الحدود الخمسة والتعريف بالذاتيات، وقام قسط وافر من الجدل الكلامي والفلسفي ألفي سنة. أما الوجود فأجهز عليه إجهازًا: ليس محمولًا من الرتبة الأولى يوصف به الأفراد، بل مفهومٌ من الرتبة الثانية يوصف به المفاهيم؛ فقولك «توجد أفراس» لا يخبر عن الأفراس بشيء، بل يخبر عن مفهوم الفرس أنه غير فارغ¹⁰. وبهذا صار قول كانط «الوجود ليس محمولًا حقيقيًّا» - الذي قاله حدسًا ولم يملك له آلة - مبرهنةً في النظام: جملة «سقراط موجود» ليست كاذبة بل مشوّهة التركيب، والبرهان الأنطولوجي ينهار لا لأن مقدماته كاذبة بل لأنه يعامل مفهومًا من الرتبة الثانية معاملةَ صفةٍ من الرتبة الأولى.

وعلى الدرب نفسه سقط مربع التقابل، ركن المنطق المدرسي. فالكلية الموجبة عند فريجه قضيةٌ شرطية معمَّمة: «كل A هو B» معناها «أيُّ شيء، إن كان A فهو B»؛ وهذه لا تلتزم وجودَ A أصلًا، فتصدق صدقًا فارغًا إذا لم يوجد تحت A شيء. أما مربع أرسطو فمبنيٌّ ضمنًا على أن كل حدوده مأهولة - وهو ما يسمى الالتزام الوجودي existential import - فإذا سمحتَ بالحدود الفارغة انهارت أضلاعه: بطل تداخل الكلية مع جزئيتها، وبطل تضادّ الكليتين، ولم يثبت من المربع إلا قطراه. والعدد المشهور لضروب القياس - أربعة وعشرون - عددٌ مشروطٌ بأن تكون الحدود كلها مأهولة؛ فإذا رُفع الشرط سقط منها خمسة ولم يبق إلا خمسة عشر¹¹. أي أن الصناعة كانت تعدّ ضروبها بمقدار ما تفترضه عن العالم قبل أن تنظر فيه. وليست هذه مُلحةً تقنية، بل كشفٌ عن طبيعة المنطقين: منطق أرسطو نظريةٌ عن عالمٍ مفروش مسكونٍ سلفًا، يهرّب الوجود في عباءة الصورة؛ ومنطق فريجه محايدُ الموضوع topic-neutral، لا يفترض عن العالم شيئًا، ولذلك وحده يصلح أن يكون قاعدةً تُبنى عليها الرياضيات من دون مصادرة.

وقبل فريجه بنحو ستة قرون كان ابن تيمية يبني حملته على المناطقة على أن الكلي الذي يجرونه في قياساتهم ساكنُ الذهن لا ساكنُ الأعيان: «الموجود في الخارج معيَّنًا مختصٌّ ليس بكليٍّ أصلًا، ولكن فيه حِصّتُه من الكلي»، و«ليس في الحقائق الخارجة شيءٌ مشترك، ولكن الذهن فهم معنًى يوجد في هذا ويوجد نظيرُه في هذا»¹². وقال في الحدّ إنّ إيجابهم «الجنسَ القريب» دون غيره «تحكُّمٌ محض»، وإنّ دعواهم أنّ البرهان لا بدّ أن يكون مؤلَّفًا من مقدّمتين لا أقلّ ولا أكثر «تحكُّمٌ» مثلُه. وهذه - إذا جُرِّدت من لغتها - هي بعينها الملاحظة التي حملها انهيار المربع: أن الصورة كانت تحمل في طيّها عالمًا لم يُذكر في المقدمات، وأن جدول الضروب كان يُعدّ بمقدار ما يُفترض لا بمقدار ما يُبرهن. غير أن ابن تيمية أشار إلى الرقبة قبل أن يكون في اليد سيف: كان عنده أن الحصر تحكّم، ولم يكن عنده ما يقيس به مقدار التحكّم؛ فبقيت الدعوى تهمةً حتى صارت على يد فريجه قياسًا. وليس في هذا غضٌّ منه، بل هو أدقّ ما يقال فيه؛ فإن من يعرف موضع العطب قبل أن تُخترع آلة كشفه ليس أقل شأنًا ممن اخترعها، وإن كان غيرَه.

على أن أعمق طعنة في الكتاب - وقلّ من ينتبه إلى أنها طعنةٌ في أرسطو بالذات - مسألة العدد نفسها. فميتافيزيقا أرسطو تعرف الجوهر وأعراضه: الشيء وما يقوم به من كيفٍ وكمٍّ وإضافة. فأين يسكن العدد؟ ضع أمامك تفاحتين. أزوجيةُ الاثنين قائمةٌ في هذه التفاحة؟ لا. ففي تلك؟ لا. أفي مجموعهما الحسي؟ فالمجموع الحسي نفسه واحدٌ إن عددتَه كومةً، واثنان إن عددتَه تفاحًا، ومليارات إن عددتَه خلايا؛ فالعدد يتقلب بتقلب السؤال والشيءُ الحسي ثابت. وجواب فريجه - وهو من أنفذ ما كُتب في الفلسفة قاطبة - أن الإخبار بالعدد إخبارٌ عن مفهوم لا عن أشياء: قولك «لكوكب المشتري أربعة أقمار» ليس وصفًا لقمرٍ ولا لكومة، بل إخبارٌ عن المفهوم «قمرٌ للمشتري» بأن الواقع تحته أربعة¹³. فالعدد صفةُ مفاهيم، من الرتبة الثانية، شأنه شأن الوجود؛ بل الوجود عنده هو بعينه نفيُ العدد صفر¹⁴. وبيان ما في هذا من هدم: أن الحساب - أشرف العلوم يقينًا - لا يمكن حتى التلفّظ بقضاياه داخل أنطولوجيا الجوهر والعرض؛ فمقولات أرسطو ليست قاصرة عن برهنة الرياضيات فحسب، بل قاصرة عن استيعاب موضوعها. ومن هذا الباب وحده يتضح لماذا احتاج مشروع ردّ الحساب إلى المنطق أن يبدأ بتحطيم المنطق القديم: لم يكن أمام فريجه أن يبني الطابق العلوي على ذلك الأساس، لأن الأساس لا يتسع لبنةً واحدة من البناء.

وبقيت قلعةٌ أخيرة اسمها «قوانين الفكر»: التعريف الموروث للمنطق: أنه وصفٌ لكيفية جريان التفكير في الأذهان أو تقويمٌ لها. وعلى هذه القلعة صبّ فريجه مقدمة الكتاب صبًّا، وخصمه المسمّى فيها Benno Erdmann؛ إذ وصف المنطق السائد بأنه موبوء بالنزعة النفسانية من أوله إلى آخره، وأنك متى استبدلت بالأشياء صورَها الذهنية ضاعت الفروق الموضوعية كلها. فقوانين المنطق عنده قوانين صدق لا قوانين اعتقاد: حدودٌ مغروسة في أرض أبدية، يفيض عليها فكرُنا فلا يزحزحها، صادقةٌ سواء فكّر بها مفكر أم لم يولد على الأرض عقلٌ قط. وكون الشيء صادقًا غيرُ كونه مُصدَّقًا به؛ ومن خلط بينهما جعل المنطق فرعًا من علم النفس وجعل الصدق مسألة جمهور. وهذه الصفحات هي التي قتلت النفسانية قتلًا لم تقم بعده، وعليها بنى هوسرل انقلابه على نفسه في مقدمات بحوثه المنطقية¹⁵.

وهنا يفترق الطريقان. فابن تيمية شريكٌ في الهدم خصمٌ في البناء: هو يردّ الاستدلال في آخر أمره إلى «الميزان التي أنزلها الله في قلوبنا لنزنَ بها هذا ونجعله مثل هذا»، ويجعل خاصة العقل «معرفتَه الكلياتِ بتوسط معرفته بالجزئيات»¹⁶؛ وهذا عند فريجه هو الداء بعينه الذي جاء يستأصله، إذ يجعل قانون المنطق واقعةً في النفوس بعد أن جعله حدًّا في أرض أبدية. اتفقا على أن القالب الأرسطي فارغ، واختلفا فيما يُملأ به الفراغ: هذا ملأه بأرضٍ أبدية لا يسكنها أحد، وذاك ملأه بالفطرة. ومن جمع بينهما ولم يذكر هذا فقد باع قارئه نصف الصورة.

ثم إن النسق نفسه يقوم على ستة قوانين أساس، خمسةٌ منها لا غبار عليها، وسادسها هو القانون الأساس الخامس Basic Law V، وموضوعه ما سماه فريجه مسارات القيم value-ranges، وحاصله عند التبسيط: لكل مفهومٍ ماصدقٌ extension، أي «مجموعة» ما يقع تحته، وماصدقا مفهومين متساويان إذا وفقط إذا وقع تحت المفهومين الشيء نفسه¹⁷. قانونٌ يبدو من البداهة بحيث لا يستوقف أحدًا؛ وهو الذي حمل البناء كله، وهو الذي قصمه.

ففي 16 يونيو 1902، والمجلد الثاني تحت الطبع، وصلت فريجه رسالةٌ من شاب إنجليزي في الثلاثين اسمه برتراند رسل، فيها سطران مهذبان: خذ المفهوم «ماصدقُ كل المفاهيم التي لا تقع تحت نفسها»: أيقع تحت نفسه أم لا؟ إن وقع لم يقع، وإن لم يقع وقع¹⁸. فالقانون الخامس يلد التناقض، والنسق الذي يبرهن قضيةً ونقيضها يبرهن كل شيء، أي لا يبرهن شيئًا. وكان فريجه قد ختم مقدمة 1893 بتحدٍّ ذي شقّين: لا أعترف بتفنيدٍ إلا أن يُقيم أحدٌ على مبادئ أخرى بناءً أمتنَ وأبقى، أو أن يُثبت لي أحدٌ أنّ مبادئي تُفضي إلى نتائج باطلةٍ بيّنةِ البطلان؛ ثم ختمها بقوله: لكن أحدًا لن يفلح في ذلك¹⁹. فجاء الجواب بعد تسع سنين من قارئ واحد، هو القارئ المتأني الذي تمنّته المقدمة نفسها، وأصاب الشقَّ الثاني بعينه.

ولم تُصِب المفارقةُ سيفَ فريجه، بل أصابت الترسَ الوحيد الذي ورثه عن خصومه. فالماصدق - إذا دققت - هو آخر وديعة أودعها المنطق القديم عنده: هو «الصنف»، وريث الكلي الأرسطي، الجسر الذي أراد أن يعبر به من المفاهيم إلى الأشياء ليصنع منها الأعداد. أما الدالّة والسور والرتب فلم يمسّها شيء، ولا تزال إلى اليوم على حالها. وجوابه لرسل من نبل العلماء الخالص: لم يراوغ ولم يكابر، بل ألحق بالمجلد الثاني ذيلًا afterword يفتتحه بأنه ليس أشدّ على كاتبٍ علمي من أن ينهار أحد أسس بنائه بعد تمام العمل²⁰؛ ثم اقترح ترقيعًا للقانون الخامس ثبت بعد عقود - على يد Leśniewski ثم Quine - أنه يهدم النسق من جهة أخرى²¹. وقد انتبه في شيخوخته انتباهًا مرًّا: ففي أوراقه الأخيرة (1924–1925) كتب أن التعبير عن «صنف الأشياء» و«ماصدق المفهوم» تعبيرٌ خدّاع أغوته اللغة به، وأن ميل اللغة إلى صنع أسماء للأشياء حيث لا أشياء هو الذي أوقعه²². أي أن آخر كلمات الرجل كانت اتهامًا للنحو، وهو الخصم الذي افتتح به حربه قبل خمسة وأربعين عامًا.

فهل كان الكتاب حطامًا؟ لا. فقد تبيّن في ثمانينيات القرن الماضي - على يد Crispin Wright ثم George Boolos وRichard Heck - أن جوهر الاشتقاق سليم لا يحتاج القانون الخامس أصلًا: فبديهيات بيانو تُشتق كاملةً في منطق الرتبة الثانية من مبدأ واحد متسق هو مبدأ هيوم، وحاصله أن عدد المفهوم F يساوي عدد المفهوم G إذا وفقط إذا أمكنت المقابلة واحدًا بواحد بين ما يقع تحتهما. وتسمى هذه النتيجة اليوم مبرهنة فريجه Frege's Theorem²³، وعليها قام مذهبٌ حيّ في فلسفة الرياضيات هو اللوجيقية الجديدة. فالرجل برهن مبرهنةً خالدة وهو يحسب أنه يبرهن سواها، ودُفنت في ركام النسق ثمانين سنة.

وأما القياس الأرسطي نفسه فلم «يُدحض» - إذ لم يكن فيه باطلٌ يُدحض - بل نزل منزلته الصحيحة، وهي منزلة تقول كل شيء: فهو زاويةٌ ضئيلة من منطق فريجه، الشريحةُ الأحادية monadic fragment مقيَّدةً بسور واحد، وهي شريحة قابلة للحسم decidable، أي إن آلةً صمّاء تفصل في كل قضاياها فصلًا ميكانيكيًّا؛ وما كان هذا شأنه فخصوبته بقدره. وهنا يلتقي التاريخان التقاءً يستحق التأمل: فدعوى عقم القياس وأنه لا يفيد علمًا جديدًا وجدت في هذا التحديد الرياضي مصداقها الدقيق. لم يكن القياس باطلًا، بل كان فقيرًا؛ صحيحَ الخطو، قصيرَ الباع، لا يبلغ من أرض العلوم إلا حاشيتها.

وطريفٌ أن كانط بنى على «اكتمال» المنطق قسمةَ الأحكام في النقد كله؛ فلما نُسف الأساس لم يسقط منطق أرسطو وحده، بل اهتز البناء الكانطي المشيد فوقه: إذ تبين أن ما حسبه كانط حدودَ المنطق النهائية لم يكن إلا حدودَ أداةٍ بعينها، وأن قضايا حسبها تأليفيةً محتاجةً إلى الحدس إنما احتاجت الحدسَ لأن منطق زمانه كان أعجز من أن يحملها.

ولا يكاد يُؤرَّخ للمنطق الرمزي إلا بأعمالٍ معدودة، لفريجه وحده منها ثلاثة: «الخط المفهومي» و«أسس الحساب» و«القوانين الأساسية»²⁴. أما في حياته فلم يكد يقرؤه أحد؛ ومات سنة 1925 مغمورًا، وقبل موته بأشهر كتب لابنه بالتبني ألفرد وهو يسلّمه أوراقه: لا تحتقر هذه الأوراق، فإن لم يكن كلُّها ذهبًا ففيها ذهب، وأظن أن فيها ما سيُقدَّر يومًا حقَّ قدره. احرص ألا يضيع منها شيء²⁵.

وقد صدق. فالمنطق الذي يُدرَّس في كل جامعة على الأرض، ولغةُ كل مساعد برهنة proof assistant من Lean إلى Coq، منحدرٌ من تلك الأوراق التي لم تُقرأ؛ ومنطق أرسطو صار فيها بابًا صغيرًا يُذكر للتاريخ. رفع الرجل رأسه إلى الطائفتين العوراوين فأشاحتا عنه معًا: هذه ميتافيزيقا فلا تُقرأ، هذه رياضيات فلا تُقرأ.

¹ G. Frege, Basic Laws of Arithmetic, vol. I (1893), vol. II (1903), tr. P. Ebert & M. Rossberg, Oxford UP, 2013.

² I. Kant, Critique of Pure Reason, Preface to the 2nd ed. (1787): B viii.

³ G. Frege, Concept Script (1879), 88 pp.; complete tr. in J. van Heijenoort (ed.), From Frege to Gödel, Harvard UP, 1967, pp. 1‑82.

G. Frege, The Foundations of Arithmetic (1884), tr. J.L. Austin, Blackwell, 2nd rev. ed., 1953.

Basic Laws, vol. I, Preface, p. XII: «نتخلّى عن الرياضياتيين الذين إذا صادفوا ألفاظًا منطقية كـ«مفهوم» و«علاقة» و«حكم» قالوا: metaphysica sunt, non leguntur، وعن الفلاسفة الذين إذا رأوا صيغةً صاحوا: mathematica sunt, non leguntur؛ والاستثناءات قليلة جدًّا».

Concept Script, §3؛ ومثال فريجه نفسه لتحليل الدالّة والمتغير في §9: "Cato killed Cato".

ابن رشد، «تهافت التهافت»، مع مدخل ومقدمة تحليلية وشروح لمحمد عابد الجابري، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 1998، ص 389.

الفارابي، «شرح الفارابي لكتاب أرسطوطاليس في العبارة»، نشره وقدّم له وِلْهِلْم كوتش وستانلي مارو، بيروت: دار المشرق، ط2 منقّحة، 1971، ص 45‑47. والقولُ بأنّ تسلسل المعقولات الثواني غير ضائرٍ مقرَّرٌ عنده أيضًا في «كتاب الحروف»، تحقيق محسن مهدي، بيروت: دار المشرق، الفصل الرابع، الفقرتان 8‑9: «غير أنّ التي تمرّ إلى غير النهاية لمّا كانت كلُّها من نوع واحد صار حالُ الواحد منها هو حالَ الجميع»؛ وبحثُ الرابطة واشتقاقُ «الهوية» من «هو» في الفصل الخامس عشر منه، الفقرات 82‑86.

A. De Morgan, On the Syllogism and Other Logical Writings, ed. P. Heath, Routledge, pp. 29, 216.

¹⁰ Foundations of Arithmetic, §53.

¹¹ ضروب القياس الصحيحة أربعة وعشرون بشرط أن تكون الحدود كلها مأهولة، وخمسة عشر بدون هذا الشرط؛ والساقطة خمسةٌ هي ضروب التداخل: Barbari وCelaront وCesaro وCamestros وCamenos.

¹² ابن تيمية، «الانتصار لأهل الأثر»، المطبوع باسم «نقض المنطق»، تحقيق عبد الرحمن بن حسن قائد، دار عالم الفوائد، ص 322؛ والنصّ الأول في «الردّ على المنطقيّين»، تحقيق عبد الصمد شرف الدين الكتبي، مؤسسة الريان، ص 176: «والموجود في الخارج معيَّنًا مختصٌّ، ليس بكليٍّ أصلًا، ولكن فيه حِصّتُه من الكلي». وقولُه في التحكّم: ص 115 («وهذا يبيّن أنّ إيجابهم في الحدّ التامّ «الجنس القريب» دون غيره تحكُّمٌ محض») وص 116 («ونظير هذا دعواهم أنّ البرهان لا بدّ أن يكون مؤلَّفًا من مقدّمتين لا أقلّ ولا أكثر… وكلّ هذا تحكُّم»).

¹³ Foundations of Arithmetic, §46.

¹⁴ Foundations of Arithmetic, §53: "affirmation of existence is nothing but denial of the number nought".

¹⁵ Basic Laws, vol. I, Preface, pp. XIV‑XX؛ وصورة «حدود مغروسة في أرض أبدية» في p. XVI: "boundary stones which are anchored in an eternal ground". E. Husserl, Prolegomena to Pure Logic (Logical Investigations, vol. I), 1900, الفصول 3‑8.

¹⁶ ابن تيمية، «الردّ على المنطقيّين»، تحقيق عبد الصمد شرف الدين الكتبي، مؤسسة الريان، ص 413: «وهذه خاصةُ العقل، فإنّ خاصةَ العقل معرفتُه الكلياتِ بتوسّط معرفته بالجزئيات»؛ والميزان في ص 417.

¹⁷ Basic Laws, vol. I, §3 (تعريف مسارات القيم)، و§47 (جدول القوانين الأساسية).

¹⁸ Russell to Frege, 16 June 1902, in van Heijenoort, pp. 124‑125.

¹⁹ Basic Laws, vol. I, Preface, p. XXVI ("Jena in July, 1893").

²⁰ Basic Laws, vol. II, Afterword, p. 253; Frege to Russell, 22 June 1902, in van Heijenoort, pp. 127‑128.

²¹ W.V.O. Quine, "On Frege's Way Out", Mind 64 (1955), pp. 145‑159; the inconsistency of the proposed patch was established by S. Leśniewski, reported by B. Sobociński.

²² G. Frege, "Sources of Knowledge of Mathematics and the Mathematical Natural Sciences" (1924/25), in Posthumous Writings, Blackwell, 1979.

²³ C. Wright, Frege's Conception of Numbers as Objects, Aberdeen UP, 1983; G. Boolos, "The Consistency of Frege's Foundations of Arithmetic", in J.J. Thomson (ed.), On Being and Saying, MIT Press, 1987, pp. 3‑20; R. Heck, "The Development of Arithmetic in Frege's Grundgesetze der Arithmetik", JSL 58:2 (1993), pp. 579‑601.

²⁴ للببليوغرافيا المرجعية للحقل: A. Church, "A Bibliography of Symbolic Logic", Journal of Symbolic Logic 1:4 (1936), pp. 121‑218.

²⁵ Frege to Alfred, January 1925, with his will; in Posthumous Writings, Blackwell, 1979, editors' introduction.