تاريخ الفلسفات بل وحتى العلوم الطبيعية، ليس ملئيا بالنقد الحاد والسخرية المقيتة فحسب، بل يمتد إلى الشخصنة والعداوات الخفية التي تلحق الاستعداء في الميادين الفكرية ذاتها، والفِعلة التي فعلها فولتير بجان جاك روسو خيرُ شاهد على ادعائي هذا
ففي عام 1762 نشر روسو كتابه الدَّسم (إيميل - أو التربية)، وهو أطروحة في تربية الأطفال وتنشئتهم وفقا للطبيعة، فأدان الكتاب كلٌّ من برلمان باريس ومجلس جنيف، مما دفعه للهرب إلى موتييه في نوشتايل؛ التي كانت آنذاك أرضا بروسيّة. ثم في عام 1764 نشرَ كتاب Lettres écrites de la montagne الذي دافع فيه عن نفسه، وأتى على فضح سر خطير جدا: أن فولتير هو المؤلف الحقيقي وراء الكتاب المجهول Sermon des Cinquante الذي كان نصًّا مناهضا للمسيحية. ومن المعروف تاريخيا عن فولتير أنه كان ينشر أكثر رسائله ونصوصه خطورة بأسماء مستعارة أو مجهولة، فكان ما فعله روسو به كأنه يأخذ بعنقه ويسلِّمه للسلطات الحاكمة!
فماذا يفعل فولتير؟ ينشر كتابا -مِن 8 صفحات- باسم مجهول في نفس تلك السنة بعنوان "مشاعر المواطنين"، ولقد صوَّر النص وكأنه يعبر عن الغضب الجماعي لمواطني جنيف ضد روسو. وفيه، قدّم روسو على أنه فاسق مصاب بمرض الزهري، وقاتل لحماته - وهذا اتهام كاذب- أما القنبلة الأشد فتكا أنه تخلى عن جميع أطفاله الخمسة (وهذا حقيقي وصحيح).
تأملّ حساسية هذا الأمر، كان روسو قد نشر لتوه كتابه "إميل" - أشهر كتاب في تاريخ التعليم الأوروبي، والذي يُعلّم العالم كيفية تربية الأطفال. فقام فولتير بكشف أن هذا الرجل قد تخلى عن أطفاله الخمسة وأودعهم في مستشفى الأطفال المحتاجين في باريس، حيث تشير الإحصائيات إلى أن واحدًا فقط من الخمسة على الأرجح نجا حتى سن الرشد. ولم يتصور روسو للحظة أن فولتير وراء هذه الفعلة، فقد أحسنَ الأخيرُ إخفاء نفسه جيدا إذ كان كشف أنه وراء الكتاب يحتاج عملية استخباراتية.
ومن هنا اضطر روسو لكتابة "الاعترافات" التي صكها في محاولة للدفاع عن نفسه، لتصبح لاحقا واحدة من أكثر السيرة الذاتية شهرةً.
للإحاطة بسياق أوسع يرجَع إلى حاشية من مجموع مؤلفات فولتير الكاملة:
Œuvres complètes de Voltaire, ed. Louis Moland, Garnier frères, Paris, 1877–1885, vol. 25 (Mélanges IV).