أنا شيوعي ولكني مع حزب الله

“أنا شيوعي ولكني مع حزب الله”¹

سعى الرحباني لتقديم نفسه بديلا نقديا متمردا، خارجا من عباءة الرحابنة الكلاسيكية، إلا أنه لم يمثِّل مشروعا فكريا، ولم يَصُغ خطابا سياسيا متماسكا، فهل من موسيقار -عبر التاريخ- كانت له مشاريع فكرية أو خطابات سياسية؟

لعل زياد الرحباني واحدٌ ممن هيأت لهم الظروف أن يشتهروا تحت ثنائية الفن والسياسة، باعتمادِ تهكّم الشوارع بدلا من التحليل، والشعارات المعلَّبة بدلا من الرؤية النافذة، وباستبدال البحث الجاد بمواقف استعراضية لا حظ لها من المنطق أو التاريخ.

فإنه يوظِّف التناقضات الجذرية في مواقفه بصفاقة ماكرة، ظنا منه أنها تعبِّر عن عمق أشد أو تعقيد مُضاف، فتارةً تراه يهاجم الطائفية اللبنانية بلغة ماركسية ثورية، وتارة أخرى يتحصَّن خلف خطاب طائفي غير معلن، أليس القائل: “من يهاجم فيروز وحسن نصرالله يدافع عن إسرائيل”؟² وهذا عين الخطاب الأبوي السلطوي الذي تنقلب فيه لغة المقاهي إلى سياسة.

فالرحباني لا ينطلق في تعليقاته السياسية -فهذا لا يتوقع منه كموسيقار- من أدوات تحليل معرفية أو اطلاع على النظريات الاجتماعية والسياسية الحديثة، بل يتكئ على نبرة هجَّاءَة شعوبية، مستندا على تاريخ شخصي من السخرية المتعالية، فما يقدمه على أنه “نقد سياسي” لا يرقى سوى أن يكون شكلا من أشكال الانفعال، أو الغضب واللعن، أو التهكم.

فهذه الانفعالية في التصريح، وفي الكتابة، وفي الخطاب، لا تعبر -كما يحلو لأتباعه مِن رواد المقاهي أن يزعموا- عن صدق وجداني وعفوية فكرية، بقدر ما تفضح هشاشة فكرية وعجزا مزمنة عن الانتقال من الإدانة إلى التحليل، ومن الشكوى إلى القراءة الناضجة.

والرحباني يساري “استعراضي” بامتياز، فلعله لا يوجد في المشهد الثقافي اللبناني من أساء إلى صورة اليسار كما فعل هو، فقد حول اليسارية إلى أداء مسرحي كسول خال من أي التزام جدي، أشبه بموقف جمالي أو موضة فكرية لا تستند إلى أي انغماس فعلي في معاناة الناس أو محاولةً لتفكيك البنى السلطوية. فلم تكن يساريته سوى قناعا يغطي وراءه خيبته الفكرية، ويعطيه إذنا سريا في التنمر على الآخرين.

والواقع أنّ يساريته لا تتورع عن إعادة إنتاج الخطاب نفسه الذي يفترض أن يقاومه: تسطيح الناس، وتسفيه الخصوم، وتقديس السلطة إذا وافقت هواه السياسي. فيتحوّل من مثقف نقدي إلى بوق إيديولوجي مشروخ.

فهو حالة نموذجية ل”السلطة الرمزية” الأمر الذي يجعل من هواة الفن ومتابعي آخر الأغاني والأعمال الموسيقية سياسيين يبتلعون مواقفه السياسية بلا مسائلة ويدافعون عنها