عبقرية شوبنهاور في السبق المنطقي

عودة للمقالات الفلسفية: عبقرية شوبنهاور في السَّبْق المنطقي

إن سؤال الطبيعانية Naturalness سؤالٌ ذو زخم في أدبيات المنطق، فتجري مناقشة الطبيعانية في أنظمة الاستنباط الطبيعي باستناد كبير جدا على الأقيسة Syllogistics الأرسطية. ومن ناحية أخرى، فإن مبحث المنطق الطبيعي يُعنَى بالقوانين المنطقية الضمنية للغة الطبيعية، وهو إذ ذاك مهتم بطبيعانية الأقيسة. ومن ناحيتيّ المبحث فإن السؤال يتجلى عما تعنيه الطبيعانية بالضبط، في المنطق كما في اللغة.

ولكن هل هذا الحديث الدائر هذه الأيام جديدٌ وابن العصر هذا؟ الحقُّ أن الأسئلة عن الطبيعانية قد سبق وجرى طرحها على يد الفيلسوف العملاق آرتور شوبنهاور، ففي 《محاضرات برلين》في عشرينات القرن التاسع عشر، فصَّل شوبنهاور وحلَّل بعمق ماهيا الطبيعانية وانعدام الطبيعانية في المنطق، وعلى وجه مخصوص فإنه قد اسبتَق شكلَيْن خطيرَين من طبيعانية الاستنباط واللذان يوافقان التوجهات البحثية الحالية!

فالأول: الطبيعانية هي موائمة الممارسة الفعلية للحِجَاج في اللغة التي يُحكَى بها يوميا أو البرهان العلمي؛ وثانيا: طبيعانية الاستنباط ظاهرة بوضوح في شكل رسومات أويلر البيانية Euler diagrams.

كان غيرارد غنتزن أول من اخترع نظام استنباط طبيعي في عشرينات وثلاثينات القرن المنصرم، حيث كان يسعى إلى إنشاء كالكولس يكون قريبا قدر المستطاع إلى التفكير البشري الفعلي. وكذا فإن شريكه ياشكوفسكي Jaskowski رأى أن النظام سيكون أكثر ملائمة لأغراض صورنة البراهين العملية. وإن توجه الاثنين تمثل في اعتماد التمنطق الطبيعي في الممارسات الرياضية، وكذا فإنهما لاحظا أن الكالكولس البدهيّ Axiomatic calculi في تقليد فريجه وراسل وهلبرت ليس كافيا للتفكير الفعلي داخل الرياضيات.

مفاجئ جدا أن نجد شوبنهاور قد ميَّز —في القرن التاسع عشر— بين صنفيّ الاستنباط ضمن الأقيسة التقليدية، أيْ الصنف الطبيعي والصنف غير الطبيعي، وقد ناقش شوبنهاور ذينك الصنفين وحاجج بمختلف الأساليب. رأى الرجل أن طبيعانية الاستنباط تعتمد على ممارسة التفكير وعلى البرهنة، وأنها ممثلة عبر رسومات أويلر. الحِجاج الأول معيارُه اللغة والذهن، والثاني معياره دياغراماتي Diagrammatic.

في قسم 《الاستدلالات》Inferences من محاضراته، ينقد شوبنهاور الاستنباط غير الطبيعي في عبارة قياسية صريحة، حيث يُعنوِن كل الاستدلالات من الشكل القياسي الرابع —اسمه Galenic figure— على أنها غير طبيعية، فهو يقول في Q1 من المحاضرات: 《إن لأرسطو الثلاثة الأولى فحسب، أما الرابع (وفقا لأسطورة العرب) اخترعه غالِنْ Galen، وهو فقط عكس الأول. وفعليا، فإن هنالك علاقة فريدة بين التصورات: فهي غير طبيعية جدا والوحيدة الأولى التي قُلِبَت رأسا على عقب. فإذن لم يضعها أرسطو عن قصد》 ص305.

ولتوضيح مرام شوبنهاور لا بد أن أعرِّج على بعض القاضياس فنيًّا: في الأقيسة فإننا نفرِّق عادةً بين أربعة أصناف لأكثر من 24 شكل من أشكال الاستدلال modi، وبالاستناد على تمركز الثلاثة حدود (M, m, u) في المقدمات، فإن ال24 استدلال أو modi يجري تصنيفها في واحد من الأربع أصناف حيث F صنف.

[ų   M]           [M ų]              [ų  M]                [M ų]

F¹[m ų] F¹¹[m ų] F¹¹¹[ų m] F¹V[ų m] [m M] [m M] [m M] [m M]

يتبع…(عيوني مرهقة جدا)