المثقفون الباريسيون والحرب الأهلية الإسبانية (1936 — 1939)
إن الهوة السحيقة بين السياسة في المقاهي الباريسية وخنادق إسبانيا تكشف عن واحد من أعمق الانقطاعات في التاريخ الفكري الحديث، فبينما كان زبائن مقاهي سان جيرمان دي بريه يصوغون نظريات أنيقة عن النبيذ والسجائر، كان جورج أورويل يتفادى رصاصات الستالينيين في شوارع برشلونة، متأكدا من أن الثورة تلتهم أطفالها بدقة منهجية.
وقد كانت خيبات أمله المتوالية تقطع -بالمبضع- الأوهام الرومانسية، ففي كتابه “الحنين إلى كاتالونيا”، يكتب بصراحة متأسيَّة: “كنت لا أحمل محبة مخصوصة للعامل المثالي كما يتصوره الذهن الشيوعي البرجوازي، لكنني حين أرى أمامي عاملاً متجسداً يصارع عدوه الطبيعي، رجل البوليس، فلست بحاجة إلى التساؤل عن الطرف الذي أنا معه.”¹ فالرجل الذي جاء لمحاربة الفاشيين وجد نفسه مطاردًا من قبل حلفائه المفترضين، أي من أعضاء حزب العمال الماركسي الشيوعي communist POUM الذين وصفهم جهاز ستالين بالخونة “التروتسكيين”.
وقد خرقت خيباته بالفعل الأوهام الرومانسية، فيصف -ببراعة- مشهد إصابته برصاصة: “الآن، وقد شهدت الخطوط الأمامية فقد تذكرت. أيسمون هذه حرباً! نحن لسنا حتى بتماس مع العدو! لم أقم حتى بمحاولة إحناء رأسي إلى دون مستوى الخندق. لكن لم يمض طويل إلا ورصاصة تمرق إلى جانب أذني وتصطدم بالساتر خلفي. وللأسف! طأطأت بسرعة. لقد ظللت طوال عمري أعاهد نفسي ألا أُطأطئ لأول رصاصة تمر فوقي، لكن يبدو أن الحركة غريزية، يفعلها كل إنسان، مرة واحدة على الأقل.”² فلا أشعار بطولية هنا، بل صدق رجل يكتشف أن الإصابة بالرصاص لا تضاهي شيئا مما توحي به الأدبيات الرومانسية..
فاليسار الباريسي، وخاصةً شخوص مثل جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار، سيتصارع لاحقًا لتواطؤه مع جرائم ستالين، متعاميا -عن عمد- عن الحرب الأهلية الإسبانية. فهم يرون الطيارين من “فرسان السماء” في حين يقر أورويل بكآبة بأن الحرب الإسبانية وأحداثًا أخرى قد قلبت الموازين، فلا يمكن للمرء أن يكتب شيئًا مقروءًا إلا إذا ناضل باستمرار ضد حساسيته الخاصة أولا وقبل كل شيء.
فلأورويل ملاحظة حول المثقفين الذين ادعوا أنهم يدافعون عن الطبقة العاملة: “الاشتراكي النموذجي ليس خيال عجائز مرتعش وإنما عامل شرس المظهر ببذلة متسخة بالشحم وصوت أجش. وهو إما شاب بلشفي متكبر سينجح في مدى خمس سنوات في القيام بزواج موسر ويتحول إلى الكاثوليكية الرومانية، أو من النموذج الأكثر شاب أنيق متزمت من ذوي الياقات البيضاء لا يشرب الكحول عادة وبميول نباتية على الأكثر وخلفه تاريخ من الانشقاق عن الكنيسة والأهم من ذلك في مركز اجتماعي ليست لديه النية لخسارته”³
عكست الحرب الأهلية الإسبانية -على الصعيد التاريخي- صراعًا بين الفاشية والديمقراطية، إضافة إلى ذلك قدمت درسا يعزل المثالية الفكرية والرومانسية السياسية عن الخبرة المعيشة والواقع المعاين، فبينما احترقت مدريد ونزفت برشلونة، استمرت مقاهي الضفة اليسرى في محادثاتها المتقعرة، تشتغل على صياغة نظريات يبدو أنها ستدوم إلى عمر أطول من الجمهورية التي ادعت أنها تخدمها، وفوق ذلك لم تستقرئها حقًا أبدًا.
- جورج أورويل، الحنين إلى كاتالونيا (مع ملحق نظرة إلى الحرب الإسبانية 1943)، ترجمة عبد الحميد الحسن، منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، دمشق، 2002، ص143.
- نفس المصدر، ص30.
- جورج أورويل، الطريق إلى رصيف ويغان، ترجمة أسعد الحسين، دار نينوى، ص197.