معارك مياموتو موساتشي حامية الوطيس مع مدرسة يوشيوكا | محارب من عوالم الخيال
وأنت تقرأ أدبيات الساموراي تعجب لعمومية الصلابة الذهنية والبأس النفسي والقوى البدنية الخارقة التي عند محاربي الساموراي، لكن عند الحديث عن مياموتو موساشتي، فحل فحول الساموراي، فإن السرد يتخذ مجرى أكثر إثارة وأشد تشويقا، هذا لأن موساتشي قد أُثبت نفسَه واحدا من أبرع وأحنك وأقوى محاربي الساموري على مر التاريخ؛ هذا إن لم يكن الأبرعَ والأحنك والأقوى على الإطلاق
ففي السجلات التاريخية رُصِدَت 62 مبارزة ونزاعا له، لم يُهزم في أيٍّ منها بتاتا، ولكن أعجبَ مبارازاته تلك التي دارت مع مدرسة السيف المعروفة باسم يوشيوكا، أعرق المدارس في عاصمة كيوتو، ليس لأنها اقتتال بين رجل واحد ومدرسة كاملة فحسب، بل لأنها في باطنها صراعٌ بين عهدين: عهد المدارس التقليدية المحافظة، وعهد الابتكار والتجديد في فنون القتال.
ترجعُ أصول النزاع إلى خصومة قديمة بين عائلتين، عائلة موساتشي ممثلةً بوالده شينمين مونيساي، وعائلة يوشيوكا التي انتصر عليها مونيساي بنتيجة 2-1 في مبارزة أمر بها الشوغون أشيكاغا يوشتيتيرو (كان حاكما من 1546 إلى 1565)، فولد هذا النصر أحقادا وثأرا متوارَثة في قلوب آل يوشيوكا، ولهذه المدرسة تاريخ حافل ورفيع إذ أُسّست على يد يوشيوكا كينبو في أوائل القرن السادس عشر وكانت لها اتصلات وثيقة ببلاط الإمبراطور ونبلاءه، وفضلا عن شهرتها بفنون السيف، فقد جمعت الثورة والنفوذ كذلك عبر تجارة الأقمشة الفاخرة.
وعند عام 1604 وصل موساتشي إلى كيوتو وهو لا يزيد عن واحد وعشرين سنة من العمر، مملوءًا عزمًا على اختبار مهاراته ضد أشهر مدارس السيف في المدينة، فتحدى رأس المدرسة يوشيوكا سيجورو، وطلبه إلى مبارزة.ساموراي شاب يطلب رأس المدرسة؟ كانت ردة الفعل مستهنجة ومستغرِِبة، إلا أنه قد جرى تحديد موعد اللقاء، خارج كيوتو وفي مكان يُدعى رينداي-نو. وكما المعتاد استعمل الخصمان السيوف الخشبية، فانقض موساتشي على سيجورو بضربة مباغتة شديدة القسوة فكسرت ذراعه اليسرى وسيفه الخشبي معا، وذي هزيمةٌ مُذلة لا تحتمل من شاب لم يبلغ من عمره العقدَ الثالث، الأمر الذي دفع سيجورو إلى اعتزال فنون القتال تماما والترهبن في أحد الأديرة.
فماذا تفعل المدرسة؟ تهدأ؟ كلا، بل تسلَّم المدرسةَ يوشيوكا دينشيتشيرو بعد أخيه الأكبر، وكانت عنده رغبة في غسل عار العائلة، وهذه المرة أرسل دينشيتشيرو في طلب موساشتي، بالاتفاق على استخدام سيوف حقيقية وليس خشبية، إلا أن هذا النزاع كسابقه لم يدم طويلا، فقد قتل موساتشي خصمه بضربة واحدة حاسمة. وإلى هنا أصبحت المأساة أضعافا في عقر المدرسة التي باتت على شفا إنهيار وشيك.
الآن نصل إلى أشهر المواجهات وأكثرها دراميتيكية على الإطلاق: بدأت بوادر الانهيار في أخذ مفعولها داخل المدرسة، فبغياب القائد اجتمع ما تبقى من محاربي المدرسة وأنصارها وأقسموا على الثأر لأسيادهم المقتولين المهانين، إلا أنهم تعلموا الدرس وتيقنوا من أن الفوز على موساتشي في مبارزة شريفة سيكون مستحيلا. فدبروا خطة ماكرة، أرسلوا في طلب موساتشي متحديينه تحت اسم يوشيوكا ماتاشيتشيرو، زاعمين أنه فتى لم يجاوز الثانية عشر من عمره، وأنه وريث العائلة، وقد حددوا موعد المبارزة التي سوف تقع في بستان بإتشيجو-جي خارج كيوتو.
وليس الأمر مبارزة من طرفهم بل كمينا محكما، إذ اختبأ عشرات المحاربين المسلحين بالسيوف والحراب والأقواس في البستان منتظرين وصول موساشتي ليقتلوه غدرا وغِيلةً. إلا أن موساتشي ليس مجرد حامل سيف بل فطنا وخبيرا بالحرب وأساليبها ولذا فإنه شك في العرض منذ البداية، فعزم على الوصول إلى المكان قبل الوقت المحدد بساعات كثيرة، واستطلع المكان جيدا، وهنا يجدر بالذكر أن المشهور عنه بين المحاربين أنه يصل معاركه متأخرا وبعد الموعد بقليل، فالذي فعله هذه المرة ليس بمُتوَقَّع بتاتا.
من غير سابق إنذار قفز موساشتي من مكان اختبائه قائلا لقائد المجموعة “لقد انتظرتك طويلا، استل سيفك” وبضربة خاطفة قتله، فتزعزع الرجال الكامنون بدلا من أن يستغلوا عددهم لحصاره، وهاهنا استغل موساتشي الأوضاع وانبرى مهاجما إياهم قاتلا الواحد تلو الآخر.
ومع هذه المبارزة الأخيرة التي قتلت آخر من تبقى في المدرسة، لم تُسجل نهاية مدرسة يوشيوكا فقط، بل سُجلت نهاية حقبة وبداية حقبة جديدة، بداية فلسفة جديدة في فنون الحرب.
- يُرجع في مقالتي هنا إلى سجل النيتينكي Nitenki المنشور عام 1755، وسجل بوشو دينرايكي Bushū denraiki المنشور عام 1727، والبوكودين Bukōden عام 1755.