السبرانيات ونظرية المعلومات

“المعلومات هي المعلومات، ليست مادةً ولا طاقةً. لا يوجد ماديٌّ صامدٌ في هذا العصر في وسعه أن ينكر ذلك”³

مثَّلتْ أربعينيات القرن العشرين فترةً من أبرز وأعمق التقاربات الفكرية عبر التاريخ البشري

فقد شهدتْ ولادة ثلاثة اتجاهات فكرية مختلفة صبَّتْ في نفس المصبّ: السبرانيات Cybernetics ونظرية المعلومات Information Theory وبداية ظهور نظرية الشبكات العصبونية Early Neural Network Theory

وهذه الاتجاهات الثلاثة اتحدَّت بطريقة ما لتنشئ مسارات جديدة تماما بدأت في تفسير طبيعة العقل والآلة والتواصل، وليس ما جرى مجرد تقدُّم تقني بل انزياح Shift ثوري أثَّر في تصوُّر الإنسانية جمعاء للمعلومات والغرضيَّة، بل والذكاء نفسه.

فالسبرانيات —وهو علم التحكم الآلي— انبثق من سلسلة اجتماعات مترامية التخصصات بين عامَيْ 1944و1953، جامعةً عددًا من كبار القرن العشرين في فترة ما بعد الحرب، فكان فيهم جون فون نويمان وكلود شانون ووارن ماكولوخ وهاينز فون فورستر ودبليو روس آشبي وغريغوري باتيسون ونوبرت وينر. وقد خلقت هذه التوافدات —بالأخص مؤتمرات ماسي— مساحةً فكرية غير مسبوقة جمعت رياضيين وعلماء أعصاب وعلماء إنسان ومهندسين.

وأمّا أنها جرَتْ في سياق مسحوب تاريخيا على أنه سياق الحرب العالمية الثانية، فذلك ليس بأقل أهمية، إذ أن المشكلات العسكرية –من التحكم في المدافع المضادة للطائرات حتى علم التشفير– قد أجبرت الباحثين على التفكير في التحكم Control والاتصالات Communication ومعالجة المعلومات عبر طرائق جديدة كليًّا.

فكما يقول وينر: 《أظهرت الحرب أن مشاكل هندسة التحكم Control Engineering ومشاكل هندسة الاتصالات Communication Engineering غير قابلة للفصل》¹

نشر كلود شانون عام 1948 ورقته البحثية الأشهر على الإطلاق والتي شكَّلت زلزالا مفاهيميا فيما أتت به من صكِّ وصياغة جديدة، تحت مسمى “نظرية رياضية للتواصل” والتي لم تكن لتحظى بشهرة واسعة لولا مساعدة وارن ويفر، الذي قدَّم للورقة في الطبعة الثانية جاعلًا إياها أقرب لأذهان الناس ومتاحةً لجماهير أكثر.

وأما إلهام شانون الأعظم ومنجزه الأكثر ثورية فقد تمثَّل في أنه يمكن تكميم المعلومات رياضيًّا بصرف النظر عن معناها، ففي معادلته التأسيسية: H = -Σ p(x) log₂ p(x) عرَّف اعتلاج المعلومات -أو الإنتروبيا Entropy بحدود الاحتمالات وعدم اليقين، فكتب قائلا: “إن مشكلة التواصل الأساسية هي إعادة إنتاج -عند نقطة واحدة- إما الرسالة نفسها أو نسخة تقريبية منها محددة عند نقطة ثانية”²

وعام 1948 نشر وينر كتابه “السبرانيات، أو: التحكم والتواصل عند الحيوان والآلة”، وهو كتاب طبَّق نظريات المعلومات والتواصل عىل الأنظمة الأحيائية وعلى الآلات، وقد كانت استتباعات وينر الفلسفية أكثر راديكالية من تلك التي كانت لشانون.

فالذي كان يريد وينر قوله، أن كُلًّا من الإنسان والحيوان في الوسع فهمها من خلال نفس مبادئ التغذية الاسترجاعية feedback والتحكم، ففي الكتاب يقول: “المعلومات هي المعلومات، ليست مادةً ولا طاقةً. لا يوجد ماديٌّ صامدٌ في هذا العصر في وسعه أن ينكر ذلك”³ فهذه الجملة تتحدى الافتراضات المادية الأكثر أساسية للعلوم.

وإن مفهومه لحلقات التغذية الاسترجاعية feedback loops كان ثوريا، ففي وصفٍ لجهاز تنظيم حراري بسيط thermostat، أظهر وينر كيف يمكن للآلة أن تتمخض عن سلوك هادف -وهو الحفاظ على درجة الحرارة المطلوبة- من خلال ردود الفعل السلبية. حتى أنه وصل إلى ما هو أبعد من ذلك، مقرتحا أن كل التصرف الذكي، سواءٌ أكان في الآلة أو في الإنسان، يمكن استيعابه على أنه أنظمة ردود فعل متطورة لمعالجة المعلومات.

وأما بخصوص ثورة الشبكات العصبونية، التي تمثل الاتجاه الثالث من التقاربات الفكرية، فقد نشر وارن ماكولوتش ووالتر بيتس عام 1943 ورقتهما “A Logical Calculus of the Ideas Immanent in Nervous Activity” (Bulletin of Mathematical Biophysics, Vol. 5, pp. 115-133)، مظهِرَيْن أن شبكات الخلايا العصبية الثنائية، البسيطة منها، قادرة على حساب أي دالة منطقية Logical function، الأمر الذي يسد الفجوة بين الدماغ والآلة فيما يتعلق بالحساب.

وكان نموذجهم العصبي بسيطا جدا: فقد استقبل مدخلات، وطبَّق دالة عتبة threshold function وأنتج مخرجا ثنائيا، ومع بساطته أثبتوا أن شبكات تلك العناصر قادرة على إجراء أي عملية حسابية يمكن وصفها منطقيَّا. فكتبوا: “إن الجانبين الشكلي والنهائي لهذا النشاط الذي نسميه بالنشاط العقلي يمكن استنتاجهما بدقة من علم وظائف الأعصاب الحالي”⁴

ولكن ما الذي جعل هذه التقاربات الثلاث بالغةَ الأهمية؟ الذي جعلها كذلك أنها حلَّت نفس المشكلة الأساسية من زوايا مختلفة: فكيف يمكن للغرض والذكاء والمعنى أن يتمخض من عمليات فيزيائية بحتة؟

  1. أظهر شانون إمكانية قياس المعلومات ونقلها دون الرجوع إلى معناها. 2) وأظهر وينر أن السلوك الهادف يمكن أن ينشأ من حلقات التغذية الاسترجاعية التي تعالج المعلومات. 3) وأثبت ماكولوخ وبيتس أن الحساب المنطقي يمكن أن ينشأ من آليات عصبية بسيطة.

واقترحوا معًا أن مشكلة العقل والجسد القديمة قد يتم حلها من خلال فهم كل من العقل والجسد باعتبارهما نظامين لمعالجة المعلومات. فهذا وينر يكتب في The Human Use of Human Beings (1950): “نحن مجرد دوامات في نهرٍ دائم التدفق. لسنا كائناتٍ باقية، بل أنماطًا تُخلّد نفسها.”⁵

وأما جون فون نيومان فقد قدم دقةً رياضيةً بالغة الأهمية لهذه الأفكار. فعمله على الآلات ذاتية التكاثر self-reproducing automata أظهر كيف يمكن أن ينشأ سلوكٌ معقدٌ من قواعد بسيطة. وفي مخطوطته غير المكتملة Theory of Self-Reproducing Automata (التي أكملها آرثر بوركس عام ١٩٦٦)، أثبت أن الآلات قادرةٌ، من حيث المبدأ، على التكاثر والتطور. تأثرت بنية فون نيومان الحاسوبية القائمة على البرامج المخزنة (الموصوفة في “المسودة الأولى لتقرير عن EDVAC”، عام ١٩٤٥) تأثرًا عميقًا بخلايا ماكولوخ-بيتس العصبية ومبادئ السيبرانية. لم تكن فكرة تخزين البرامج والبيانات في الذاكرة نفسها مجرد قرار هندسي، بل كانت بيانًا فلسفيًا حول طبيعة المعلومات والحوسبة.

فلا تزال آثار هذا التقارب الذي حدث في أربعينيات القرن العشرين تتكشف حتى يومنا هذا. فتقنيات التعلم الآلي، والذكاء الاصطناعي، ونظرية التعقيد، وحتى الحوسبة الكمومية، جميعها ترجع أصولها الفكرية إلى هذه الأفكار الأساسية.

لعلّ الجانب الأعمق في هذا التقارب هو أنه أثار أسئلةً ما زلنا لا نستطيع الإجابة عليها بالكامل. إذا كانت المعلومات بالفعل جوهرية للواقع، فماذا يعني ذلك بالنسبة للوعي والإرادة الحرة والطبيعة البشرية؟ فلقد لمّح رواد أربعينيات القرن العشرين إلى شيءٍ عميقٍ حول طبيعة العقل والواقع، لكننا ما زلنا نعمل على استنباط تداعياته. وكما كتب وينر عام 1948 بنبوءة: “لقد قررنا تسمية مجال نظرية التحكم والتواصل بأكمله، سواءً في الآلة أو في الحيوان، باسم لسيبرنيتيكا”⁶.

ما لم يكن ليتوقعه هو أن هذا القرار سيُعيد تشكيل فهم الإنسان بشكلٍ جذري. فلم يكن التقارب بين السيبرنيتيكا ونظرية المعلومات مجرد تطور أكاديمي، بل كانت اللحظة التي بدأت تدرك البشرية عندها أنها حضارة معالجة معلومات.

  1. Cybernetics: Or Control and Communication in the Animal and the Machine, 2nd edition (MIT Press, 1961), p. 19
  2. Mathematical Theory of Communication, p. 31
  3. نفس المصدر الأول، ص132
  4. A Logical Calculus of the Ideas Immanent in Nervous Activity, 1943 p. 115
  5. ص96 من الكتاب
  6. نفس المصدر الأول، ص19