كي لا يشيع اللغط: سلسلة موجهة إلى الدوغمائيين من أنصار المنطق الأرسطي المغالِين الذين في جملتهم الأشاعرة (2)
ابن تيمية مواجها الأرسطية قد سبق بقرون طويلة من الزمان لمحات عميقة من المنطق الرياضي!
قلتُ في توطئة السلسلة أن المنطق الأرسطي ليس منطقا –بضوابط المنطق الحديث– أي أن منطق غنتزن لا ينسحب عليه، ولكن ماذا يعني ذلك؟ لأوضح الأطروحة عبر شيء يسير من الأمثلة:
- أما الانعكاسية Reflexivity، فتنص على أن A ⊢ A لأي قضية A. أي أن كل قضية يجب أن تكون قابلة للاشتقاق من ذاتها، مثال: ● “سقراط إنسان” ⊢ “سقراط إنسان”
ولكنَّ الاستنتاجات في المنطق الأرسطي مشتقة من مقدمتين منفصلتين، ليس من قضية واحدة! فالقياس على شاكلة:
● مقدمة كبرى: كل ق هنّ ف ● مقدمة صغرى: كل ع هنّ ق ● استنتاج: إذن، كل ع هنّ ف
فقضية واحدة مثل “سقراط إنسان” لا يمكن لها، لوحدها، أن توصلنا إلى أي نتيجة في المنطق الأرسطي.
- أما العدوية Transitivity فنمثلها بِ Γ ⊢ A and Δ, A ⊢ B, then Γ, Δ ⊢ B وبالكلمات: إذا كانت A قابلة للاشتقاق من مقدمات معينة Γ، وB قابلة للاشتقاق من A ومن Δ، فإن B كذلك قابلة للاشتقاق فورا من خليط المقدمات Γ وΔ.
مثال: ● إذا كانت “سقراط إنسان” و”كل إنسان فان”، فإن “سقراط فان”. ● إذا كانت “سقراط فان” وكل الفانين يموتون”، فإن “سقراط سيموت”. ● إذن، إذا كانت “سقراط إنسان”، وكل إنسان فان”، و”كل الفانين سيموتون” فإن “سقراط سيموت”.
لكن الأقيسة الأرسطية لا تسمح بهذا النوع من السَّلْسَلَة Chaining للاستدلالات. فكل قياس لديه بنيته الداخلية الخاصة (مقدمة كبرى، مقدمة صغرى، استنتاج) والتي لا توفر طريقةً عامة لجمع استنتاجات الأقيسة كمقدمات جديدة.
- والرتابة Monotonicity تنص على أن Γ ⊢ A, then Γ, B ⊢ A لأي مقدمة إضافية B، هذا يعني أنه إذا كانت A قابلة للاشتقاق من Γ فإنها تظل قابلة للاشتقاق حتى لو أُضيفَت مقدمات أخرى.
مثال: إذا كانت “كل إنسان فان” فإن “سقراط إنسان” تؤدي إلى “سقراط فان” هاهنا تقترح الرتابة أن هذا الاستدلال سيظل شغالا حتى لو أضفنا مقدمة ليس لها علاقة مثل “أفلاطون فيلسوف”.
ولكن في المنطق الأرسطي إذا أضفنا مقدمات جديدة فإن صحة القياس ستتغير، خذ القياس الصحيح التالي: ● كل إنسان فان ● سقراط إنسان ● إذن، سقراط فان
إذا أضفنا المقدمة “سقراط من الملائكة” فسيصبح عندنا: ● كل إنسان فان ● سقراط إنسان ● سقراط من الملائكة ● إذن، سقراط فان ولكن القياس اختلّ هاهنا فأصبح خاطئا، لأن المقدمة الإضافية تناقض الاستنتاج.
وبعد هذا العرض نأتي لأقوال ابن تيمية، يقول: “فإذا قالوا: هو مؤلف من أقوال إن أرادوا جنس العدد كان هذا المعنى من اثنين فصاعدا فيجوز أن يكون مؤلفا من ثلاث مقدمات وأربع مقدمات فلا يختص بالاثنين. وإن أرادوا الجمع الحقيقي لم يكن مؤلفا إلا من ثلاث فصاعدا وهم قطعا ما أرادوا هذا. فلم يبق إلا الأول. فإذا قيل: هم يلتزمون ذلك. ويقولون: نحن نقول أقل ما يكون القياس من مقدمتين. وقد يكون من مقدمات. فيقال: هذا خلاف ما في كتبكم فإنكم لا تلتزمون إلا مقدمتين فقط. وقد صرحوا أن القياس الموصل إلى المطلوب سواء كان اقترانيا أو استثنائيا لا ينقص عن مقدمتين ولا يزيد عليهما وعللوا ذلك بأن المطلوب المتحد لا يزيد على جزأين مبتدأ وخبر. فإن كان القياس اقترانيا فكل واحد من جزأي المطلوب لا بد وأن يناسب مقدمة منه: أي يكون فيها إما مبتدأ وإما خبرا ولا يكون هو نفس المقدمة. قالوا: وليس للمطلوب أكثر من جزأين فلا يفتقر إلى أكثر من مقدمتين. وإن كان القياس استثنائيا فلا بد فيه من مقدمة شرطية متصلة أو منفصلة تكون مناسبة لكل المطلوب أو نقيضه فلا بد من مقدمة استثنائية فلا حاجة إلى ثالثة. قالوا: لكن ربما أدرج في القياس قول زائد على مقدمتي القياس إما غير متعلق بالقياس أو متعلق به والمتعلق بالقياس إما لترويج الكلام وتحسينه أو لبيان المقدمتين أو إحداهما. ويسمون هذا القياس المركب.”¹
لعمري أي نباهة هذه وأي عبقرية! طارد ابن تيمية المناطقة وضيَّق عليهم الخناق في كلامك ذاك، فيقول بإمكان تآلف ثلاث مقدمات وأربع مقدمات! وذا ما يقوم عليه منطق غنتزن من عدة وجوه، ثم إذا به يطاردهم حتى يبين أن منطقهم لا يستحمل أكثر من مقدمتين! وعلى هذا قام النقض باستخدام منطق غنتزن!
فأنا وعبر هذه التعبيرات: A, B ⊢ A ∧ B A, B, C ⊢ (A ∧ B) ∧ C أستطيع أن أستخرج ما شئت من الاستدلالات باستخدام أي عدد يروقني من المقدمات، ولتكن مئة مقدمة فلا مشكلة في ذلك!
ثم يقول: “قالوا: وحاصله يرجع إلى أقيسة متعددة سيقت لبيان مطلوب واحد؛ إلا أن القياس المبين للمطلوب بالذات منها ليس إلا واحدا والباقي لبيان مقدمات القياس. قالوا: ربما حذفوا بعض مقدمات القياس إما تعويلا على فهم الذهن لها أو لترويج المغلطة حتى لا يطلع على كذبها عند التصريح بها. قالوا: ثم إن كانت الأقيسة لبيان المقدمات قد صرح فيها بنتائجها فيسمى القياس مفصولا وإلا فموصول.
ومثلوا الموصول بقول القائل: كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم وكل جسم جوهر. فكل إنسان جوهر. والمفصول بقولهم: كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم فكل إنسان جسم ثم يقول كل حيوان جسم وكل جسم جوهر فكل إنسان حيوان فيلزم منهما أن كل إنسان جوهر. فيقال لهم: أما المطلوب الذي لا يزيد على جزأين فذاك في المنطوق به. والمطلوب في العقل إنما هو شيء واحد لا اثنان وهو ثبوت النسبة الحكمية أو انتفاؤها. وإن شئت قلت: اتصاف الموصوف بالصفة نفيا أو إثباتا وإن شئت قلت: نسبة المحمول إلى الموضوع والخبر إلى المبتدأ نفيا وإثباتا؛ وأمثال ذلك من العبارات الدالة على المعنى الواحد المقصود بالقضية. فإذا كانت النتيجة أن النبيذ حرام أو ليس بحرام؛ أو الإنسان حساس أو ليس بحساس ونحو ذلك. فالمطلوب ثبوت التحريم للنبيذ أو انتفاؤه وكذلك ثبوت الحس للإنسان أو انتفاؤه. والمقدمة الواحدة إذا ناسبت ذلك المطلوب حصل بها المقصود. وقولنا النبيذ خمر يناسب المطلوب وكذلك قولنا الإنسان حيوان.”²
ثم انظر رعاك الله العبقرية وقد تجلت! “والمقدمة الواحدة إذا ناسبت ذلك المطلوب حصل بها المقصود”
وهذا من فحاوى منطق غنتزن: A ⊢ A ⊢ A ⇒ A A ⊢ A ∨ B إذ في الوسع اشتقاق نتائج معينة من قضية منفردة.
…لم نزل في الافتتاحية…يتبع
- ابن تيمية، مجموع الفتاوى، المجلد الخامس، طبعة دار ابن حزم، ص88
- نفس المصدر، ص89