نقد تدعيم سعيد فودة

نقد تدعيم سعيد فودة

جل كلام فودة في هذا الكتاب إنشائي استرسالي لا تقوم له قائمة لولا ما ينتهجه من التهويل والجعجعة بغير نسق ولا اتساق، فصعبٌ علي أن أكتب نقدا متسقا على ما يعوزه الاتساق، فالرجل قصَّاص محترف ينتقل بين الأفكار في الصفحة الواحدة عشرين مرة دون أن يقف عند واحدة منها ويبينها فيذود عنها أو يصل أخرى فيهاجمها ويدحضها، لكنه يقفز قفزا وكأني بالكتاب استحال تجميعا للقُصاصات، وقد فعل في الكتاب كل شيء إلا أنه غفل عن “تدعيم” المنطق.

في معرض رده على ابن تيمية ص80 يقول:

《إن الموجة السائدة في الغرب في هذه العصور هي موجة نقد وإبطال كل ما يمت إلى الأصول العقلية الراسخة التي لا تنبني العقائد إلا عليها، والغرب مائل كذلك إلى القواعد العملية أكثر من ميله إلى العقليات حتى بلغ بالبعض أن يضع اللغة موضع التفكير نفسه¹، وهذا مغالاة في إنكار العقليات التي لا تحس بالحواس الخمس بل تدرك إدراكا عقليا.

فلما رأى هؤلاء المقلدون التيار الغربي ووجدوه قد وجه كل همه لإدحاض المنطق اليوناني بحق أو بغير حق ونفي كل قاعدة منطقية سواء أكانت من اليونان آم من غيرهم، وبحثوا بين المسلمين عمن حاول نقض القواعد المنطقية فوجدوا ابن تيمية، فلهج لسانهم بذكر عبقريته! يحاول بعضهم إثبات السبق وبعضهم إثبات موافقته لهم.》

هذا كلام لا يصدر إلا من الصبيان، فلم يقل لنا ما هذه الموجة السائدة بالضبط؟ وأي عصور؟ أعني أنه قد يُفهم من كلامه الضبابي العصور الحديثة بدءا من ديكارت، أو القرنين التاسع عشر والعشرين. ولكن بصرف النظر عن ذلك فهل يعلم فودة كم مدرسة منطقية ومذهبا منطقيا ظهر في “هذه العصور”؟ وكيف اتفق له أن يختزل كل الأنظمة المنطقية الحديثة –التي تضاربت فيما بينها ونقد بعضها الآخر– في “موجة سائدة”؟ هذا تسطيح لا يصدر عن المتمكنين في تواريخ المنطق والعلوم أو التاريخ الغربي

يقول 《والغرب مائل كذلك إلى القواعد العملية أكثر من ميله إلى العقليات حتى بلغ بالبعض أن يضع اللغة موضع التفكير نفسه¹》 ولم يُقِم الحجة! واستشهاده بالحاشية ¹ كان من كتاب زكي نجيب محمود حول المنطق الوضعي! يقول 《الغرب》 بتعميم يعوزه التخصيص ثم يضرب مثالا ب《البعض》 عن الوضعية!

الفقرة الأخيرة لا يستقيم عليها رد لصبيانيتها، وما دام فودة يحب الشق عن الصدور وتتبع النوايا فليكن الرد بنفس أسلوبه فأقول:

واضح مما يكرره الرجل أنه يفهم “التيار الغربي” على أنه فرنسيس بيكون وجون لوك ومن على شاكلتهم من الفلاسفة الذين تعرضوا للأرسطية بالنقد، فهؤلاء مَن وصلتنا أعمالهم مترجمة وهم غالبا من يمثِّل الشباب بهم حين إظهار سبق ابن تيمية في النقد، ولكن معذرةً أيها العلَّامة الفاضل؟ لا فرنسيس بيكون ولا جون لوك ولا من على شاكلتهم يمثلون “تيَّارا” غربيا في المنطق، بل لا بضاعة لهم في المنطق فهم ليسوا موضع احتجاج من الأساس! وإنْ كنت ترى أن الإمبريقيين هم وحدهم من تصدوا للأرسطية فإنك واهم تائه، ولا زلنا نبين كيف اتفقت المدارس المنطقية الحديثة على التصدي للأرسطية ووافقت ابن تيمية في عموميات وخصوصيات معينة، هذه المدارس التي لم تسمع بها أنت ولا بتاريخها فضلا أن تكون على علم بمضامينها…