يستعيض الناس عن عجزهم وقصر حوائلهم وقلة أفهامهم بالسرَاعة في الحكم على غيرهم، فكما أن القاعدة تقول أن مَن لا يستطيع الإتيان بالأعمال إنما ينتقدها ويقلل من مراتبها، فإن العاجز عن الفهم سريعُ التهور شديد التحجّر، ولذا تجد إطلاق الأحكام عنده سلاحا يشهره عند كل مناسبة، وما أسهله من سلاح حملا وما أيسرها ضرباتُه!
إني لأستحي أن أحكم على أقرب المقربين إلي، وأحاذر أن أصف أفراد أسرتي بصفة، إلا أنك تلقى مَن يروم جَردك وجرد أصلك من جلسة قعدها معك لنصف ساعة. إن الناس طبعهم التهور، وتطبعهمُ الاندفاع، فاعتزل أكثريتك واكتفِ قلةً تحصد هداوةً في البال ورخاوة في الحال وصفاوةً في المنال، واستقرار مزاجك أقل ما يسلبك إياه الناس، وهو أغلى ما عندك يكون، فكما قال مَكْحُول: إن كان الفضل في الجماعة، فإن السلامة في العزلة، وكما قال الأوزاعي: العافية عشرة أجزاء: تسعة أجزاء منها صمت، وجزء منها الهرب من الناس.