هل العمل على عدة مشاريع -أيا تكون- بالتزامن، أمر مجدٍ؟
على عكس أسلوبي في القراءة إذ أخصص أجزاء متصلة من كل سنة للقراءة في موضوعات قريبة من بعضها، فيكون -على سبيل المثال- نصف كامل من السنة للدراسة في علم الحاسوب والرياضيات، ورُبعان واحدٌ للعلوم الإنسانية والفلسفة وآخرٌ للمنطق، فإنني أتخذ منحًى مباينا بشدة وأسلك طريقا مختلفة كثيرا حينما تأتي القضية للعمل على المشاريع
فتجدني وقد بدأتُ مشروعا برمجيا وكتبت فيه ألوفا من السطور إلا أنني -على سبيل المثال- أتوقف في منتصفه، وأقترب من إنهاء واحد آخر فأؤجل تصديره إلى ظروف أنسب، وهكذا دواليك حتى تصبح عتدي دستة من المشاريع التي منها ما هو مكتمل وفي حاجة للتصدير ومنها ما يحتاج إكمالا ومنها ما قد تبقى عليه شغل كثير.
ولأعُدْ للسؤال: هل هذا مُجد؟ وإجابتي القصيرة: نعم.
فعلى سبيل المثال، في الكتاب الأخير الذي أعمل على تأليفه أنهيتُ جُلَّه بحيث يحتاج شغل بضعة أيام فحسب لإرساله لدار نشر، ولكنني لا أكاد أجد هذه الأيام، لماذا؟ ببساطة لأنني أغرقت نفسي في الاشتغال عليه بكثافة وشدة مُضافًا إلى هذا المشاريع المتزامنة معه، فأصل حدًّا يكون الإنهاك قد أخذ مني كل مأخذ فلا أقوى على وسمه بالبصمات الأخيرة، ولعلك تتساءل الآن بعد أن وصلت هذه السطور، كيف يكون مجديا وحالُك هكذا؟
فأقول: النظرة التقليدية في رأسك عن طبيعة الإنجاز وممشاه ومتعلقاته ليس ضروريا أن تسري علي، فهل هو دستور عالمي اتفقت عليه البشرية أن تبدأ مشروعا واحدا فحسب من أوله حتى تنهيه؟ دماغي يشتغل بطريقة تقطيعية Discrete وأجد لذة أعمق في ذلك، وعدا عن هذا فإن الذهن يتفتق عن مكنونات شديدة الروعة عند التعاطي المتزامن مع مشاريع عديدة، فتجد رأسك وقد خُضًّ خضًّا وأعطى أحسنَ ما فيه
وإنني أتخيل الموضوع على شكله التقطيعي فكأنك تبني حجرات صغيرة هنا وهناك لعدة أبنية بالتوازي، فتنهي جزءا من هذا البناء وأجزاء من واحد آخر وهكذا حتى تكون قد أنجزت فلنقل 65% من كل بناء، ثم تعاود الكرة فتبني أكثر، تخيلْ هذا، أليس -إحصائيا- هو عين قضية أن تبدأ بمشروع وتنهيه؟
أعني: افترض أنك تحتاج 20 يوما لإنهاء مشروع، الآن اجعلها 5 مشاريع ستحتاج 100 يوم صحيح؟ (بافتراض نفس التعقيد لكل مشروع) الذي يختلف في حالتي أن المشاريع تتأخر قليلا لكنها تظهر معًا على نفس الخط الزمني، فأكون أنا قد أنهيت 5 مشاريع -مرةً واحدة- بعد مئة يوم وأنت أنهيت واحدا كل عشرين يوم....وقد تزيد المدة شيئا من الزمن (نسبة خطأ erroneous) بحكم الإرهاق الأكبر
أما عن نفسي فإنني مستمتع بهذا أيّما استمتاع ويرضيني ما أنا فيه، ونصائح التنمية البشرية أحدثت في عقول الناس فسادا سلب منهم أرواحهم وبصماتهم الخاصة