《عندما يرى المرء ذلك العدد الضخم من معاهد العلم، ومدى تنوعها

《عندما يرى المرء ذلك العدد الضخم من معاهد العلم، ومدى تنوعها. ويشهد ذلك الحشد العارم من طلاب العلم وأساتذته. فإنه قد يتبادر إلى ذهنه أن الجنس البشرى منشغل انشغالا بالغا بالحكمة والحقيقة، إلا أن المظاهر خداعة كما يقولون، فالأساتذة يعلمون ليكتسبوا قوت يومهم، ويصبون، لا إلى الحكمة، بل إلى عرضها الزائف وصيتها، والطلاب يتعلمون، لا حبا فى المعرفة وبحثا عن البصيرة النفاذة، بل كيما يصبح فى مكنتهم أن يثرثروا وأن يتعاظموا على غيرهم من الناس مدعين المعرفة. وهكذا يخرج إلى العالم، كل ثلاثين عاما، جنس جديد من الصغار الذين لا يعرفون شيثا عن أي شيء، ممن يطمحون فى أن يعتبرهم الناس أكثر براعة من كل من سبقوهم، لمجرد أنهم ازدردوا بعض نتاج المعرفة الإنسانية التى تراكمت خلال آلاف السنين، على عجل، وهم لهذا الغرض يذهبون إلى الجامعات ويألفون القراءة، قراءة كل مستحدث من الكتب مما يرون أنه من عصرهم ومستواهم الفكري . فكل شيء يقرأونه يجب أن يكون موجزا غاية الإيجاز جديدا كل الجدة، لأنهم هم أنفسهم «جديدون» ثم إذا بهم ينهالون على الناس نقدا، وأنا هنا لا أدخل فى حسباني إطلاقا تلك الدراسات التي تكتب جريا وراء لقمة العيش .

فالطلاب والمتعلمون من جميع الأنواع والأعمار، يهدفون «كقاعدة» إلى الحصول على المعلومات أكثر مما يبحثون عن البصيرة. ويلذ لهم كثيرا أن يلموا بمعلومات عن كل شيء: عن الأحجار، والنباتات، والمعارك، والتجارب، وكل ما فى الوجود من كتب فلا يتبادر إلى أذهانهم، ولو عرضا، أن المعلومات ليست إلا وسيلة إلى البصيرة وأن تلك المعلومات فى ذاتها ضئيلة، بل عديمة القيمة.》

~ شوبنهاور، الحواشي والبواقي 1851، مقالة عن أهل العلم
```