بدأ صاحب الفيديو مقطعَه تحت قناة معنونة "فلسفة" بقوله: "أريد أن أحاول أن أثبت لك...

بدأ صاحب الفيديو مقطعَه تحت قناة معنونة "فلسفة" بقوله:
"أريد أن أحاول أن أثبت لكم لماذا مفهوم الإرادة الحرة مفهوم غير منطقي وأنه بالفعل عبارة عن خرافة توارثتها البشرية لآلاف من السنوات وهو أن الإرادة الحرة شيء مكون لنا بينما هي في الأصل وهم موجود في عقولنا وليس له أي أساس منطقي"

والحقُّ أنه لم يفشل في إثبات أن الإرادة الحرة وهم، بل كان الفيديو خاصته مجرد عرض لما ورد هنا وجاء هناك، تجميع لمعلومات مبعثرة من غير ترتيب وإلقاءها في آذان المشاهدين، وذا العرض للمدارس العلمية والمذاهب الفلسفية كان مُخلِّا إلى أبعد الحدود بل ومُعيبًا لمن يُعرِّف عن نفسه أنه "خريج أوكسفورد"، وبذا نبدأ بقليل من المرح نتناول ما قاله، وليس هاهنا البتة تبيانٌ لرؤيتي في هذي المسائل، كل ما سوف أفعله أن أبين الأغاليط التي وقع فيها

1. سحب المتحدث -بشربة ماء- الفيزياء الكمومية على ظاهرة صناعة القرار عند الإنسان، دون أن يسرد حجة واحدة عن الموضوع أو أن يبني نظاما سرديا يبيِّن كيف يتدخل الميكانيك الكمومي في موضوعه المطروح، وكأنه يتوهم إثبات وهم الإرادة الحرة من خلال الزج بكلام مثير للمشاهدين، إلى الحد الذي قد يجعل قطة شرودنجر تدوخ، فذا المنحى الذي نحاه -أي تبسيطه للميكانيك الكمومي - يشبه كثيرا استخدام التيليسكوب لقراءة جريدة! وفي حين قد يورث ذلك بعض الجهال من المتابعين قليلا من المتعة، إلا أنه ليس الأداة المثلى أو الرئيسة في المحاججة في هكذا سياقات

2. استخدم التشبيهات والقياسات على عالَم الحيوانات لكي يفحص موضوع صنع القرار لدى الإنسان، وفي حين يبدو هذا جميلا، إلا أنه كذلك بعدٌ عن صلب المسألة المثارة واحتجاج بسيولة الماء على غرق من لا يجيدون السباحة

3. أتى المتحدث مرتين على الاستشهاد بآينشتاين في مسألةٍ حاميٌ وطيسُها في الفلسفة! وكأنه في دقائقه ال33 التي أطل علينا فيها على يوتيوب قد عَدِمَ شوبنهاور وهيوم ومدارس فلسفة العقل ليأتي باقتباس عن آينشتاين قاله معبرًّا عن نفسه وليس في جذب واجتذاب لأطروحة فلسفية، فما وزن أن تستشهد -مرتين- ب"اقتباس" عن آينشتاين في فيديو تدعي أنك ستبين لمشاهديه وهم الإرادة الحرة!

4. استرسل صاحب الفيديو في علم الأعصاب بحماسة طفولية لا تنبئنا إلا عن اطلاعه السطحي عليه، فهو قد أتى بتفسيرات على دراسات منحازة تماما إلى كفة الحتمية Determinism، وكأن كل مبحث علم الأعصاب مصبوب في الحتمية، فأنت هنا تنتقي "بعضا" من الدراسات وليس هذا موقف علم الأعصاب من الموضوع، إذ لم تأتِ حتى على مقاربة علمية أو حتى تاريخية للجدل الدائر في الدوائر العلمية هناك

5. حينما وصل به الفيديو إلى نظام العدالة، أشعَرَ المتابعين بأنه سوف يفك شيفرة من الشبكات بالغة التعقيد، وكأنه سيحل مكعب روبيك معصوب العينين، ففي حين أن فكرة الحتمية قد تقود إلى مزيد من التعاطف على حد زعمه في العدالة الجنائية، فإنها مجازفة خطيرة وقع فيها خالطًا بين الإرادة الحرة، المسؤولية، والقوانين.

عموما، يمكن للمرء أن يتحدث في موضوعات معينة من غير أن ينفخ بالونه أكثر مما يحتمل؛ لأنه سينفجر في النهاية، فالرجل بدأ الفيديو مدعيا أنه سيثت أن الإرادة الحرة وهم، لكنه لم يثبت إلا فشله في ذلك، بل وحتى فشله في عرض السياقات العلمية والتاريخية بصورة محترمة
```