أدمغة الناس خفيفة، تطيش على شبر ماء.
من التاريخ رجالٌ جبابرة اشتغلوا بالعلوم والفلسفات وصنَّفوا نفيسًا من المؤلفات، ولم يَدْرِ بهم أحد في حياتهم؛ شهرتهم استفاد منها غيرهم أكثر مما استفادوا هم بأنفسهم، والقوة الحقيقية لهم تلمسها بين سطورهم، وتجلِّيهم الرفيع تراه عيانا في مذاهب ومدراس تعاطت معهم أو تصدَّت لهم واعترضت تدفقاتهم.
اليوم الرجل في الساحة الفلسفية والعلمية يؤلف كتابا لا يزن ريشة دجاجة، ويكون عبارة عن مهاترات وصخب ليس بفلسفة ولا بعلم، لكن وجود الانترنت ووسائل التواصل يضخ إليه شهرة زائفة، وأعدادا من المتابعين الذين يصبحون متابعين بضغطة زر، فتصبح هنالك تفرقة معيارية بينه وبين غيره من خلال: "الرجل عنده مؤلفات، أنت عندك؟" وكأن التأليف عليه شرطة آداب مثلا تميز لنا الغث من السمين بحيث تتبدى لنا شطارة مؤلف وغباوة آخر، أو كأن دخول نادي التأليف يحتاج كثيرَ جهد، بل كلا، برنامج حاسوبي للكتابة، وجهاز موصول بالانترنت، وبضع من مئات الدولارات لكي يُطبَع الكتاب، مبارك، هي ذي قصة دخول نادي التأليف، فهل أخفُّ من عقول تتحاكم إلى هذا؟