(( إذا ما أصبحنا الآن على قناعة بطريقة قبلية، من خلال أعم التأملات، ومن خلال فحص...

(( إذا ما أصبحنا الآن على قناعة بطريقة قبلية، من خلال أعم التأملات، ومن خلال فحص السمات الأولى للحياة الإنسانية، بأن هذه الحياة بفطرتها وطبيعتها ليست بقادرة على أن تمنحنا أي سعادة حقيقية، وإنما هي في جوهرها معاناة في صور عديدة وحالة مأساوية دوما في كل أشكالها - إذا ما أصبحنا على قناعة بذلك، فإننا يمكننا الآن أن نتمثل تلك القناعة في صور أكثر حيوية بكثير، إذا ما انتقلنا بطريقة بعدية إلى أمثلة من الحياة أكثر تحديدا، وإذا ما أكسبنا خيالنا صورا مرئية، ووصفنا من خلال الأمثلة البؤس الذي يند عن الوصف مما نجده في التجربة والتاريخ، أينما ولى المرء وجهه، ومهما كان الطريق الذي يسعى لارتياده...فأيما امرئ قد استيقظ من أحلام الشباب الاولى، وتأمل خبرته الخاصة وخبرات الآخرين، وأنعم النظر في الحياة عبر التاريخ كما تجلت في الماضي وفي عصره هو، وكما تجلت في النهاية في أعمال الشعراء العظام؛ سوف يصل بالتأكيد - إن لم يكن حكمه مكبلا بانحياز مطبوع بحيث لا يمكن محوه - إلى نتيجة مفادها أن هذا العالم الذي يحيا فيه البشر هو مملكة الصدفة والخطأ. فالصدفة والخطأ يحكمانه دونما رحمة في عظائم الأمور كما في صغائرها، ومعهما الحماقة والشر اللذان يجلبان العذاب. ومن ثم فإننا نجد أن كل ما هو أفضل يكافح في الحياة بصعوبة، وأن كل ما يتسم بالسمو والحكمة نادرا ما يظهر ويصبح مؤثرا أو يلقى انتباها، بينما كل ما يتسم بالعبث والضلال في مجال الفكر، وكل ما هو بليد بلا إحساس في مجال الفن، يتفوق على غيره فلا يعوق مساره سوى لحظات قصيرة من الإعاقة...وإذا ما أمكننا في نهاية المطاف أن نُطلع كل امرئ على الآلام المذهلة واللوعة التي تكون حياته عرضة لها باستمرار، لتملكه الرعب. وإذا ما هدينا أكثر المتفائلين تطرفا وثباتا على موقفه إلى طريق المستشفيات ووحدات رعاية المصابين والزرائب التي يعيش فيها العبيد، وطفنا به عبر ساحات الحرب وساحات تنفيذ حكم الإعدام، وإذا ما أمكننا أن نطلعه على مواطن البؤس المظلمة التي تتوارى عن النظرة الفضولية الباردة، وإذا ما أتحنا له في النهاية أن يبصر زنزانة أوجلينو Ugolino التي يتضور فيها جوعًا– لو أمكننا ذلك، فإن هذا المرء سوف يدرك في النهاية حقيقة هذا العالم الذي يصفه البعض بأنه 《أفضل العوالم الممكنة》! وإلا فمن أين أتى دانتي بمادة جحيمه، إن لم يكن من عالمنا الواقعي هذا؟ والواقع أن دانتي قد صنع جحيما متقنا... ))

- آرتور شوبنهور، العالم إرادة وتمثلا، المجلد الأول، الكتاب الرابع، ص222-ص225
```