"ومن العجائب ما اتّفق للقدماء بالبلاغة، ولم تقُمْ هذه البلاغة على حسْن الكلام المحكَم النظام فقط، بل كانت تؤثر تأثيرًا بالغا بالتزام الخطيب جانب الإيجاز، وما كان ليعبّر بالكلمات عن أعظم ما يمكن تأثيرًا، بل بالإشارات، وكان لا ينطق به، بل يُدلُّ عليه، وما يُعرض على العيون من شيء يهزُّ الخيال، ويحرِّك الفضول، ويجعل الذهن منتظرًا لما يقال، وفي الغالب يكون هذا الشيء قد قال كل شيء، ألم يكن تَرازيبُولُ وتارْكِنُ بقطعهما رؤوس الخشخاش، والإسكندر بوضعه طابعه على فم نديمه، وذيوجانس بسيره أمام زِنون، قد تكلّموا بأفصح من الخطب الطويلة؟ وأي إسهابٍ في الكلام كان يمكن أن يعرِب عن تلك الأفكار بمثل ذلك الأداء؟ وبينما كان دارا يحارب في سِيتْيَة مع جيشه تلقّى من ملك السِّيْت طائرًا وضفدعًا وفأرًا وخمسة نبال، ويسلِّم السفير الهديّة ويعود من غير أن ينطق بكلمة، ولو أتى هذا الرجل بذلك في أيامنا لعُدَّ مجنونًا، وتفهم هذه الخطبة الهائلة، ويرجع دارا إلى بلده بأقصى ما يمكن من السرعة، ولو وضعتم في مكان هذه الرموز كتابًا لوجدتم أن هذا الكتاب كلّما زاد وعيدًا قل تخويفًا، وما كان ليُعد غير حذلقة يقابلها دارا بالضحك."
~ جان جاك روسو، إميل أو التربية، ترجمة عادل زعيتر، ص363