مِن الأذى الذهني ما قتل أذكر جيدا، عند بدايات تحمُّسي المعرفي واندفاعي العلمي -...

مِن الأذى الذهني ما قتل

أذكر جيدا، عند بدايات تحمُّسي المعرفي واندفاعي العلمي -قبل سنوات خَلَتْ- أنني ما كنت أترك حشرةً تمر بجانبي، ولا طائرا يحلِّق فوقي، إلا ولاحظتُ من شدة التركيز أدقَّ تفاصيل الحشرة، وتتبعت الطائر حتى يذهب بي خيالي إلى البلد التي يهاجر إليها. فما كنت أدخل مكتبةً من طوابق عديدة إلا وجلست فيها ما لا يجلسه المحارب في ثكنته، إذ أقلِّب من الكتب ما أهمَّني وما لن يهمني، أعبر الصفحات، وأستشف العبارات، وكنتُ إذا خلصُتَ من مكتبات الورق اتجهت إلى مكتبات الحواسيب، فإذا بي أتتبع كل مقالة وأجري وراء كل مرجع في كتاب، فأمسي قد قرأت كتابا وأصبح قد أثقلت نفسي بعشرة أُخَر آخذُها إتاوةً من المراجع، أما مشيي أوساط الأحراش فقد كان أنقى، إذ لا أشعر بساعة تتلوها ساعة إلا وقبضة الفكر العاتية قد أسَرَتني، فإذا أصبحت فجرا تعقبت بومَ الحرش لأطارده بين الشجر وخلف الحُفَر، أما هذاك، فصفاءٌ ورخاء! وأما هذا -أيْ ذهني الآني- فتضعضعٌ وخِواء! حيثما كانت أوضاعٌ على جهة في السنين المنصرمة، فإنَّ أوضاع زمني هذا تعاكسها أتم المعاكسة، وتجثو على الطرف النقيض! فإذا مررت بمقالةٍ ورأيتُ إحالةً أتجنبها بل وأهرب منها بعيدا، أخشى أن أفتحها، أحس أن ذهني قد تشبَّع حتى تضعضع! فلا عادت له طاقةٌ للاحتمال ولا ظلَّت فيه شدةٌ لأي مجال. لآسَينَ على ضغط سنين مفيدٍ جِدِّ شديد، كلَّفني بغيرها دينًا غيرَ سديد!
```